مراكش: عبد الغني بلوط
يبدو الداخل إلى فندق السرسار بباب دكالة في قلب مدينة مراكش مثل الداخل إلى كهوف العهد الحجري، فلا ماء هنا ولا كهرباء ولا واد حار ولا مرحاض، 33 أسرة تعيش هنا في وضعية مزرية قد تنطبق عليها الأغنية الشهيرة "عايشين عيشة الذبانة في البطانة"، كل الغرف التي تتراوح مساحتها ما بين المترين والعشرة أمتار مربع في أحسن الأحوال تبدو مثل سجن صغير تكومت فيها اسر من أربع إلى خمس أنفس وفي بعض الأحيان إلى عشرة. الروائح الكريهة تزكم الأنوف وأي وافد جديد وجب عليه وضع كمامة على أنفه وزيارة الطبيب بعد المغادرة، يعيش الأطفال هنا أزمة حقيقية في الشارع والمدرسة، لا يقدرون أن يصحبوا أصدقاءهم إلى غرفهم خوفا من الفضيحة، بعضهم هاجر المدرسة في سن مبكرة، يتساءلون كل صباح هل يعقل أن يكون هذا حالنا في مدينة سياحية ذاع صيتها بين الناس ووصل اسمها الآفاق، وهل يستمر حالنا خارج قطار التنمية البشرية ونحن على مشارف سور المدينة القديمة على بعد أمتار قريبة من الفلل الجميلة والرياضات الواسعة، أما الفتيات هنا فهن الأكثر تضررا من هذا الوضع المزري، لا خصوصية بدنية لهن في ظل الاختلاط العجيب بين الجميع.
يقول السيد باعلا الذي صادفناه وهو يحمل سطيلة ماء يريد بها قضاء حاجته مكان قصي إن أولاده يقضون معظم أوقاتهم خارج "المغارة" خوفا من رؤية أشياء لا تسر، فالوجوه الرجالية الزائرة للفندق تتبدل بين يوم وآخر، يدخلون لقضاء أغراض دنيئة دون حشمة ولا حياء، حتى الأطفال هنا لا يعرفون ما يجري، ولا يعرفون ما معنى تلك القبلات والعناقات الحارة التي تمارس أمامهن في غير استئذان، "لو كان بجهدي لغادرت هذا المكان منذ مدة كبيرة، لكن الكبر في السن وقلة اليد تمنعاني"، يضيف باعلا. .
بالقرب من فندق السرسار، يمر السور التاريخي للمدينة، وتوجد المحطة الطرقية، ومحطة التاكسيات الكبيرة، وسوق الكتب القديمة، والساحة الكبيرة لباب دكالة التي انتصبت فيها سبعة أبراج تعلوها سبعة أشجار من الزيتون في إشارة إلى الرجالات السبعة للمدينة كل ذلك لم يشفع للفندق عند المسؤولين الذين تداولوا أمرها في كثير من اجتماعاتهم وأحاديثهم الجانبية لكن دون جدوى. كم هي المرات، يقول مستشار جماعي فضل عدم ذكر اسمه، التي نادينا بأعلى الأصوات لحل المشكل نهائيا لكن حسابات أخرى لا نعرفها تجعل عجلة الاتقاد تسير بطيئة وتتوقف في كثير من الأحيان، لم يتلق السكان هنا إلا الوعود الكاذبة والكلمات الطنانة التي زادت مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية.
بمحاذاة فندق السرسار يوجد أيضا "فندق الزليج"، قد يبدو الاسم جميلا ومغريا للزيارة لكل سائح أو زائر سمع به، وقد يشفع لبعض الشبان الذين صادفوا دورية رجال الأمن في مدن أخرى بإطلاق سراحهم لأنه الاسم يوهم أن المسكن راق، لكن الحقيقة غير ذلك، ف"الفندق" في المدينة القديمة بمراكش (مع وضع السكون على كل حروفه الأبجدية )، غير الفندق الذي يعرف عند الجميع (وضع الضمة على الفاء والدال )، هو فندق صفر نجمة أو تحت ذلك بقليل.
في فندق الزليج يزداد الأمر سوء، ففيه تعيش عشرات الأسر تتجمع في 56 غرفة مهترئة بنفس مواصفات فندق السرسار مهددة بمياه الأمطار وحر الصيف وبكل الأمراض الخطيرة، سقوفها تحولت إلى مزبلة حقيقية تجد فيها كل ما لا تشتهيه النفس ، فندق بمرحاض واحد يتناوب عليه العشرات، الأفضل لك أن تقطع مسافة 2000 كيلومتر للتخلص من بقايا الطعام في أمعائك على أن تدخله، هو بدون باب والفضلات متروكة في كل جانب، وبعد كل عملية "استراحة" لا تستطيع تنظيفه، لأنه بكل بساطة لا يوجد ماء، وحتى الماء الذي تصحبه معك تكفي فقط لتنظيف ما علق بتلك المنطقة من جسدك. وقد يصلح لفيديو تنشره على موقع يوتوب الشهير لعل من يعنيه الأمر يخجل من نفسه ويتحرك لإنقاذ الوضع.
يقول الشاب نور الدين الذي تطوع للحديث إلينا، كل الأمراض موجودة في هذا المكان، بدء من أمراض العيون، والأنف والحنجرة، والرئة والمعدة و و و...إلى مرض روماتزم القلب الذي يعاني منه أخي دون علاج، حظه من الدواء حقنة تعطى له في مستوصف الحومة بين الحين والآخر لمدة وصلت إلى 8 سنوات، يضيف نور الدين متهكما "وجب على العلماء والأطباء الحضور إلى هنا لاكتشاف ميكروبات جديدة وفيروسات جديدة، ووجب أخذ عينة من دم هؤلاء الأطفال لاستخلاص لقاحات مضادة لبعض الأمراض المعدية الخطيرة، بفرط ما تعايش هؤلاء مع هذه الميكروبات".
لا أحب فصل الشتاء ولا أحب سقوط المطر، هكذا يقول الطفل س ، " إني أتفهم ما يفكر فيه وما يتمناه الفلاح الذي درسنا عنه في المدرسة، لكن زخات قليلة من ماء السماء، تحول عيشنا إلى ما يشبه القصف الجوي، لا استطيع النوم كلما جاء المطر، جاء البرد ولولا أني أتدفأ بأنفاسي أمي وإخواني لكنت مت.
كل الساكنة هنا يعيشون وضعية مزرية، يقول نور الدين، "اللي جابو النهار يديه الليل"، لا أمل في المستقبل ولم أسمع أن أحدا تخرج موظفا أو عاملا محترما من هذا الفندق، حديث يدمي القلب تؤثثه مشهدان صغيران لعجوز تبيع السجائر بالتقسيط قرب فندق السرسار، وشباب متجمع ينتظرون حلول حاوية الماء "سيتيرنا البلدية".
الحديث مع هؤلاء ينشف الحلق من كثرة المشاهد المؤلمة، عندما طلبنا شربة ماء، تردد الكل في سقيناها، قالت السيدة ف " أحلم فقط بصنبور، أقرصه فيخرج الماء، لكن هيهات، متاعبي مع الماء لا تنقضي، كل الجيران في الدروب المجاورة سئموا من "طرقنا عليهم من أجل ملء بيدوزة ماء، ننتظر الأسبوع وفوقه لتأتي "سيتيرنا البلدية" تفرغ ليس مما يشربه عباد الله، ولكن من ماء الآبار التي تسقى به الأشجار والورود في الحدائق والشوارع الكبيرة، نبتة برية في شارع محمد السادس أحسن مني بكثير، هي تتلقى الماء كل يوم، وآنا انتظر الأسبوع وأكثر، وإذا لم أؤد عليه لا احصل على شيء"، ذلك أن سائق "سيتيرنا البلدية".يحصل على 5 درهم من كل واحد.
شد انتباهي وجود بعض المصابيح الكهربائية بفندق الزليج على خلاف فندق السرسار، هي"ماكانا" واحدة تتقاسمها كل الأسرة، ويؤدى الثمن على حساب كل مصباح، يصل الثمن إلى آلاف الدراهم لأن الاستهلاك يصل إلى الشطر الرابع. "أحلم أن يكون لي عداد شخصي لأن تكلفة الكهرباء غالية " تضيف ف.
يقول سعيد "الجميل هنا، إحدى الفتيات لا يقاسمنه الرأي، أن الكل البيوت مفتوحة نهارا والزيارة لا تحتاج إلى إذن، لكن ليلا، يصبح المكان ملاذا للصوص والسكارى، وجميع الهاربين من دوريات الأمن بالمحطة الطرقية يعرفون المكان جيدا ويصبح مأوى لهم وقد تنشب شجارات تقلق راحة الجميع.
ما الحل ؟ هكذا قال السكان وهكذا أعدنا السؤال، الجميع متفق أن الحالة "مكرفصة"، وهم يسمعون ببرامج القضاء على السكن العشوائي دون أن يلتفت إليهم أحد، حتى العروض التي وجهت من صاحب المحل لا تغري بالمغادرة بعد سنوات من أداء واجب الكراء وصلت عند البعض إلى أزيد من سبعين سنة من لكن كانوا هنا منذ أزيد من 70 سنة، يؤدون سومتهم الكرائية بانتظام خوفا من الطرد، بعض الأقاويل تتحدث عن إمكانية إدخال الماء إليهم من قبل مرشح للانتخابات البرلمانية الحالية وان استعمل حبل غسيلهم لنشر صوره أمام الجميع ، لكن هل سيكون ذلك هو الحل ..لا أعتقد.
هل من أياد بيضاء؟
بعد زيارة مفاجئة لفندق الزليج لاستكمال بعض المعلومات، صادفنا مشهدا مرعبا لعجوز في السبعين من عمرها ، هي السيدة ربيعة ، شمطاء وعوراء لم يتبقى من أسنانها إلا نابان ورائحة غرفتها تزكم الأنوف حتى بدا أنها تقضي حاجتها في ملابسها ولم تستحم منذ عشر سنوات، تعيش وحيدة في غرفتها وهي لا تستطيع الحراك حتى الطعام التي تأكله تنتظر أن يجود به غيرها ، والكلمات القليلة التي انتزعناها منها كانت كلها شكوى من الإهمال التي تعاني، هي تنتظر بفارغ الصبر استفادتها من برنامج السكن العشوائي الذي سمعت به أكثر من مرة وحسبتنا من أولئك الذين يحصون الناس بدون خجل ولا ملل ، لكن السيدة ربيعة هذه تحتاج إلى أكثر من ذلك، إلى أياد بيضاء ترى من حالها وتنقذها من البؤس والمرض التي تعيش فيه...بقي أن نقول إننا شاهدنا أيضا ونحن خارجون من المكان عجوزا أخرى تغزل الصوف...عرفنا أنها تفعل ذلك من أجل كسب قوت يومها وتساءلنا أما حان الوقت لتستريح وتعيش بقية عمرها عيشة كريمة... الحقيقة أن كل سكان فندق الزليج وفندق السرسار يحتاجون إلى أقل قدر من العيشة الكريمة.
|