فقد كانت للرجل ميول فلسفية وانفتاح فكري على جميع التيارات مما دفع مجموعة من المتصوفة إلى الاستقرار في مراكش، فخلال ولايته توفي مجموعة من رواد التصوف المغاربة؛ مولاي بوشعيب في آزمور (562 هـ/116 م)، ابن حرزهم في فاس (ت 569 هـ/1173 م) أبي يعزى (ت 572/1176 م). لكن الفترة الذهبية للتصوف في العصر الموحدي هي فترة يعقوب المنصور؛ فخلال ولايته توفي سيدي أبو عصفور (ت 582 هـ/86-1185 م) شيخ سيدي يوسف بن علي، وسيدي السفاج دفين باب الدباغ على الضفة اليسرى لوادي سيل، وسيدي يوسف بن علي(7) (ت 593 هـ/97-1196 م). ومن انعكاسات هذا الجانب الصوفي على الوضع اللغوي في القرن السادس تميزه باكتمال عملية التعريب في وسط المغرب.
لقد وقع التركيز على هذه المرحلة من حياة أبي العباس. ومن خلالها يتبدى لنا الرجل مستويا في العلوم اللغوية والفقه والولاية، ويواجه خصوما عنيدين؛ هم الفقهاء، والعامة، وسوء ظن الساسة وتربصات الفلاسفة. كانت التحديات كثيرة. ويظهر من خلال أخباره أنه اجتمع لديه من المؤهلات ما مكنه من تدليل جميع تلك العقبات. فقد لبث في جبل جليز قرابة أربعين سنة من غير أن يدخل المدينة، علما بأن صيته وصلاحه هيمن لدى مختلف الفئات الاجتماعية المراكشية حيث امتلك مجموعة من السلط :منها سلطة اللغـة فقد كانت له فصاحة في اللسان وقدرة على البيان، يأخذ بمجامع القلوب، ويسحر العامة والخاصة ببلاغته، ومن نماذج نثره الفني ابتهالاته وأشعاره. وأتي بالإضافة إلى ذلك حسا نقديا مرهفا جعله ينحو بالشعرنحو أغراض النسك والمنحى العملي الأخلاقي. قال أبو بكر بن مساعد اللمطي " وما حضرت معه قط فأنشد أحد شعرا في الغزل إلا قال له : دعنا من هذا وخذ في مدح الله تعالى. وسمع منشدا ينشد من أبيات :رفعوا الهوادج للرحيل وسلموا
فقــال :
رفعوا الأنامل للصلاة وكبـروا فبدا الخشوع لخوفهم يترنــم
وبدت سواكب دمعهم مسبولة خوفا لما قد أخروا أو قدمـوا
هذي صلاة المتقـين وغيرهـم نائي الفـؤاد وألسـن تتكلم .
وسمع بيتين من قصيدة ابن عمار التي أولها :
أدر الزجاجـة فالنسيم قد انبرى
فقطع إنشاده وكره سماع القصيدة وقال: لابد أن أكفر عن هذين البيتين اللذين سمعتهما بهذين البيتين :
أقم الصلاة مهاجرا سنـة الكرى واجعل صباحك عنده حمد السرى
واطو المراحل بالعروج لمـن لـه لطف ينـزله إذا هجع الــورى
مما يدل على ملكة شعرية مرهفـة، ويظهـر أن أبا العباس لم يستثمرها في هذا الفن، ولو فعل لوصلنا عنه شعر صوفي رقيق يكشف عن أبعاد تجربته الصوفية.
كما أنه كان لا يناظر أحدا إلا أفحمه، سريع البديهة، كان القرآن ومواقع الحجج على طرف لسانه عتيدة حاضرة. "يأتيه من يأتيه للإنكار عليه، فما ينصرف عنه إلا وقد سمع له وانقاد لقوله" ،إضفاء الصبغة الشرعية على مذهبه : وذلك بالاستدلال بالقرآن والسنة على مسلكيته، وبهذا يقعد تصوفه على رسوم الأصلين الكتاب والسنة؛ كالجنيد وأبي طالب المكي حتى يؤصل اتجاهه ويجعله موصولا "بالمحققين من المتصوفة الذين تمتد أصول طريقتهم إلى أيام الصحابة والتابعين وتابعيهــم ومـن بعدهم".
ثم حجية الكرامة الصوفية : ومن أدلتها أنه أصاب الناس قحط، فأمرهم أبو العباس بالصدقة أولا، ثم خرجوا بعد ذلك للاستسقاء. قال أبو الحسن علي بن أحمد الصنهاجي :" فلقينا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن جذع الجذامى، فنـزل عن دابته وسلم على الشيخ، فقال إلى أين خرجتم؟ فقلت:خرجنا نستسقي، فضحك بنا وقال:صدقتم هذا الشيخ الأحمق ارجعوا، فقلت له:أما أنا فلا يمكنني الرجوع، فتقدم أبو العباس وهو ينظر إلى السماء ويحرك شفتيه ثم قال لنا:قولوا سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فإن الخلائق يرزقون بهذا، فكنا نقول ذلك ونرفع به أصواتنا، وأقمنا على ذلك ساعة ثم قال لنا : بادروا المطر وخذوا نعالكم بأيديكم، فضحك ابن الجذع وقال : هذا والله هو الحمق، يقول لكم هذا القول والشمس شديدة الحرارة ! فقلت أما أنا فلا أكذبه، فأخذت نعلي بيدي، فوالله ما وصلنا باب الدباغين حتى غيمت السماء وانهمرت بالأمطار. فبقي ابن الجذع مذعورا فقال لأبي العباس: اغفر لي سيدي، فإني أتوب إلى الله تعالى مما ظننت بك. فقال له لن تقبل توبتك هكذا حتى تتصدق بشيء".
فهذه المنقبة الحية بالحوار وتداخل الأصوات، تتنامى بالصراع بين العقل والحدس الصوفي، فأحكام العقل لا تسلم بانهمار المطر، فأسبابه غير موجودة" فالشمس شديدة الحرارة" ومدعي ذلك في عرف العقل "أحمق". ولكن سرعان ما تحدث المفاجأة، ويقع ما لم يكن منتظرا، حيث تجود السماء بماء منهمر. فلم يبق للعقل إلا الاستسلام أمام الكرامة الصوفية ويتوب إلى الله من سوء ظنونه. ومن أصول تصوفه التوحيد:"توحيد الله بالتعظيم، دون أن تجعل معه إلها غيره من متاع الدنيا، فكل ما استولى على الإنسان فهو إلهه" أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" يقول" تنـزهت في أحديتك عن بداية، وتعاظمت في إلهيتك عن نهاية أنت الواحـد لا من عدد، والباقي بعد الأبد، لك خضع من ركع، كما ذل لك من سجد، بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد، الله الصمد لم يلد ولم لولد ولم يكن له كفؤا أحد".
التأويل : العبادات مناسك تشتمل على أقوال وأفعال، لكن بالإضافة إلى هذا الجانب التعبدي، فإن أثرها يظهر في مناحي أخرى اجتماعية وغيرها، لهذا كان أبو العباس يتأول الركوع بالمشاطرة، والسلام من الصلاة بالخروج من كل شيء، والزكاة إنما فرضت على المكلف في كل عام ليتدرب على البذل والعطاء، وإلا ففي الأموال حق سوى الزكاة وليس المقصود أن تعطي في وقت مخصوص وتمسك في غيره" فهو هاهنا يجمع بين العقل النظري والممارسة العملية، بين الإيمان والعمل. - العدل والإحسان : إن أبا العباس السبتي لا يناقش كالمتكلمين صفة العدل القائمة بالذات الإلهية هل هي عين الذات أم هي زائدة على الذات. بل يتنـزل بهذا المبدأ إلى الأرض ويربطه بالواقع بالإنسان. والعدل والإحسان مما أهم أبا العباس السبتي منذ صباه، فقد سأل عنهما شيخه أبا عبد الله الفخار فأجابه بأنه المشاطرة؛ "وهي أن يكون بينك وبين إنسان مال فتقسمه على السواء فذاك هو العدل، فإن أحسنت إليه من شطرك فذلك هو العـدل والإحسان الذي أمر الله به". ولازال يراجع هذا المبدأ ويطوره إلى أن انتهى به إلى إنفاق تسعة أعشار والاحتفاظ لنفسه بالعشر. وقد جر عليه هذا الإغداق في الإنفاق عداء الفقهاء والمتنفذين في الدولة الذين لم يكن همهم من الوصول إلى تلك المناصب سوى التقرب من أولي الأمر، وما يدخل في بطونهم، والاعتزاز بهيبة السلطة وتحكيم السلطوية في رقاب العبـاد، وما قد تدره من بسطة في المال وتملك للضياع والعقار. قال أبو بكر الفقيه : قلت لأبي العباس ما للعلماء يعادونك ويكرهونك فقال: لأنني موقن بخير الله تعالى حيث قال "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفـه وهو خير الرازقين" وهم غير موقنـين بذلك ".
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : مبدأ أزعج السلطة الموحدية لأنها تعلم بعده السياسي. ألم يصطنعه ابن تومرت في تغذية وتأجيج حنق الأمة على المرابطين؟ ومن ثـم فإذا كان ميدان تعاليم الفقهاء المسجد، ومجال تداول الفلسفة قصور الملوك وبيوتات الوزراء والفئة المتنورة، فإن مجال دعوة أبي العباس السبتي قد راوحت بين مؤسسة تدريس الطلبة في فندق مقبل حيث كان يعلم العربية والحساب، ومجال آخر أوسع بكثير من الفضاءات المحدودة، إنه حاضرة مراكش بساحاتها وأجنتها وأسواقها وأزقتها، يجوس خلالها بلباسه المتواضع، وبيده سوط حاضا الناس على التمسك بأصول الدين. "كان يمسك في يده سوطا يمشي به في الأسواق، ويذكر الناس ويضربهم على ترك الصلاة في أوقاتها، ولهذا لا غرابة إذا وشيت ترجمته بأسماء أجنة مراكش، وحوماتـها، وأسواقها على عهده؛ كبحيرة الناعورة، وباب الدباغين، وبحيرة الطلبة، وبحيرة وباب أغمات، وبساتين باب دكالة، وسوق الغزالين، باب تاغزوت... إلخ.
الصدقة : هيمن هذا المبدأ على بقية المبادئ، حتى قيل مذهب أبي العباس قائم على الصدقة والبذل، والذي استنتج ذلك هو ابن رشد، عندما قال: "هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود ". وأخباره مرتبطة بالصدقة فلا يأتيه أحد في أمر دقيق أو جليل إلا وأمره بإخراجها. قيل له لم لا تتكلم على الصلاة "فقال إنما تكلمت على العلة العظمى التي عمت وهي البخل " كان لا يخرج إلى صلاة الاستسقاء إلا بعد أن يفتح أولو الأمر أهراءهم، ويتصدقوا بما فيها من المؤونة على المساكين، ولهذا لا عجب إذا سماه ابن عربي "صاحب الصدقة بمراكش "
وإذا أردنا أن نركب رؤياه، فإننا نجدها تتمثل في محورين أحدهما عمودي يربط بين الذات وأوامر السماء المتمثلة فيما نزل به الوحي الأمين على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، تتخلص به الذات من كل الموانع والشوائب التي ترين على القلب، وتحول بينه وبين تلقي التجليات، ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق التدرج في مقامات السالكين. والمحور الثاني أفقي يرتبط بالأرض، بالمجتمع، يستمد عناصره من المحور الأول الذي يفعل فيه، يرتقي به من حال إلى حال عن طريق العمل والامتثال، بالجود ينفعل الوجود.
هذه الحركة المبتناة على هذه المنظومة، أربكت السلطة الموحدية في بداية الأمر، ومخافة أن تكون متخللة بنزعات شيعية، أو تتغيى أهدافا سياسية، فقد عمدوا إلى مراقبتها، واستبطنوا نحلة صاحبها من خلال أجوبته على أسئلة استفزازية، كسؤال لم كانت الخلافة لمعاوية دون الحسن بن علي رضي الله عنه؟ ووجهة نظره فيما فعل بالحسين؟. وقول بعض السلاطين لأبي العباس وهو راكب: إلى متى تشير ولا تصرح، وله مع القضاة والفقهاء جولات.
فلما اطمأن الساسة لتعاليمه لما رأوا فيها من بعد اجتماعي يساهم في التنفيس عن الأزمة الاجتماعية التي تعاني منها الدولة، فهو يدعو إلى القناعة والتضامن والبذل وأن في المال حقا سوى الزكاة، كما أن تعاليمه تحث على بذل النفس "وسر الجهاد بذل النفس في مرضاة الله تعالى والتخلي عن كل شيء، وترك التعلق بأسباب الدنيا " والدولة بحاجة إلى مجاهدين؛ فالإمبراطورية الموحدية شاسعة وإحكام القبضة عليها وضمان أمنها الداخلي والخارجي يتطلب حماة مهيئيين جسميا ونفسيا وعقديا لما أنيط بهم. لهذا لا غرابة إذا وجدنا أبا يعقوب المنصور ينتقل في حاشيته إلى جبل جليز، ويطلب من أبي العباس أن يدخل العاصمة مكرما، وأهداه دارا، ومدرسة، وساعده على الزواج، ورتب له جراية.
إن هذا التقارب والتجاوب بين السياسي والصوفي؛ بين السلطة الدنيوية الشرعية والصوفية لن تجد تفسيرها سوى في آلية التوفيق التي طبعت هذا العصر. فقد اهتم أولو الأمر بتوحيد المغرب العربي والأندلس وانصرف هم أبي العباس السبتي، شعر بذلك أو لم يشعر، إلى التوفيق بين الكلام والتصوف، على غرار توفيق ابن رشد بين الحكمة والشريعة. وقد تبين لابن رشد أنه يلتقي مع أبي العباس في أصول رؤياه " هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود، وهو مذهب فلان من قدماء الفلاسفة". فبآلية التوفيق المهيمنة ابستمولوجيا يتسنى لنا فهم مجموعة من الإشكالات الغريبة التي تقع الإشارة إليها في المصادر القديمة، كالتباع صاحب القرار السياسي يعقوب المنصور لأبي العباس السبتي، واعتماده شيخا من شيوخه في سلوك طريق القوم، ويعزو البعض هذا التقارب، أو الاستسلام للصوفي، إلى أزمة ضمير عاشها المنصور عندما أملت عليه الظروف السياسية أن يضحي بأخيه مخافة أن يستأثر بالإمارة دونه. وبتلك الآلية أيضا يمكن فهم النهاية الغريبة التي وردت في الإعلام، والمتمثلة في ترويض الصوفي أبـي العبـاس للسياسي يعقوب المنصور، وعندما أحس هذا الأخير بأن الشيخ قد استهواه وتملك وجدانه بادر إلى تسليم السلطة السياسية لخلفه، وتفرغ بعد ذلك لأبي العباس السبتي، واتبع سبيله متخففا من أمانة الإمامة الثقيلة، وكأن لا اتفاق بين السياسي والحب الإلهي، بين الاحتيال في تدبير الآني، والمعتقد الرباني "فسلم يعقوب المنصور نفسه له – لأبي العباس – وأنزل نفسه منزلة خادم وفتح له على يده، وترك الملك وسلمه لابنه واشتغل مع الشيخ وثبتت قدمه في الولاية ".
انقطعت طريقة أبي العباس بموته، وتولى مذهبه، ولم يستطع أحد من ملازميه المحافظة على مهيعه؛ نظرا لصعوبة طريقته القائمة على الإنفاق العريض من غير خشية فقر "هي مبنية على البذل والإيثار الكلي، فلم يستطع أن يسلكها بعده أحد من أصدقائه بل ولا في حياته ". لقد انتهى المطاف بأبي العبـاس في الصدقة إلى بذل تسعة أعشار مدخوله، والاحتفاظ لنفسه وعائلته بالعشر، فكلما سما السلوك وتعالى المقام إلا وحصل تضاؤل الاهتمام بالمادي وازدادت حصة الإنفاق.
بعد وفاة أبي العباس ومواراة جثمانه بمقبرة سيدي مروان، خارج باب تاغزوت - بنفس القبر الذي سبق له أن ضم رفاة ابن رشد حسب الرواية الشفوية، لمدة لم تتعد مائة يوم حيث حمل جثمان الفيلسوف و أوقار من كتبه إلى قرطبة؛ لترحل الفلسفة إلى الأندلس ويتجذر التصوف هاهنا- سيصبح قبر أبي العباس مزارا لعامة الناس وخاصتهم، وبتراخي الزمان سيظفر بتقدير كبير لم يتح له التمتع به طيلة حياته، وتلك جبلة في المجايلين لخصتها المأثرة التالية "المعاصرة حجاب". قال صاحب المعزى : "وكان أهل مراكش اعتقادهم فيه خبيث، وكان يحلم عليهم ويحتملهم، وما ظهرت بركاته واتفقوا على محبته حتى كمل القرن الذي مات فيه، وحينئذ اتفقت القلوب على محبته". وقد ترتب على هذا التقبل المزيد من التعلق بقبر الشيخ والدعاء عنده، استنادا إلـــى أن الكرامات لا تنقطع بموت الولي. قال أبو العباس ابن عاشر "الكرامات لا تنقطع بموت الولي، وهذا أبو العباس السبتي كراماته بعد موته أشهر من حياته. وقال أبو العباس زروق لما تكلم على الزيارة ولاسيما ممن ظهرت كراماته بعد مماته أكثر من حياته كالشيخ أبـي العبـاس السبتـي ". وقال أبو العباس أحمد الخطيب القسطنطيني : (ت. 810 هـ/1407 م)، "فإن قلت هل تنقطع الكرامة بموت صاحبها أم لا؟ قلنا: لا تنقطع بموته، بل تظهر، فكثير من لا يعرف في الحياة تشتهر بركاته بعد الممات، وتلوح عند قبره البركات، ولقد حضرت عند الولي على لتحقيق؛ وهو الشيخ الحاج الزاهد الورع الصالح أبو العباس أحمد بن عاشر الأندلسـي (ت 764 هـ أو 765 هـ/1363 م) بمدينة سلا في عام ثلاث وستين وسبعمائة، سأله أحد الفقراء عن هذا الفضل فأنكر عليه سؤاله وقال: لا تنقطع الكرامة بالموت، انظر إلى السبتي، يشير إلى الشيخ الفقيه العالم المحقق أبي العباس السبتي المدفون في مراكش، وما ظهرت عند قبره من البركات في قضاء الحاجات بعقب الصدقات، ولقد وقفت على قبره مرات وسألت الله تعالى في أشياء يسرها لي، منها سؤالي أن أكون ممن يشتغل بالعلم ويوصف به، وأن ييسر علي فهم كتب كنت عينتها فيسر الله على ذلك فــي أقـرب مـدة ".
ونظرا للاقتناع والتسليم بتجدد الكرامات وقد زكتها مثل هذه الفتاوى، وزاد في تمكينها وتقويتها مسلكيات من يقتدي بهم من العلماء وذوي النفوذ، فإن سيرة الشيخ أبي العباس، لم تنته وتختتم بوفاته بل إنها ستبقى مفتوحة على العصور المتوالية "فالإنسان العظيم لا يعرف إلا عن طريق الآخرين، ويقال : إنه خالد، ونفهم من ذلك أنه يمتد في الزمان ويعطي دلالة لحاضر الجماعة عبر موت كل فرد من أفرادها ". وهكذا فإن تراخي الزمان، وتبدل الظروف، وظهور المستجد من الملابسات، كل ذلك وغيره، سيعمل على الجمع بين ما بدا من ذي قبل متصارعا؛ وسيصطلح في القرن 8 هـ الكلام والشريعة والتصوف. وقد عبر عن هذا الحوار الحميمي بين هذه العلوم والمسلكيات صاحب المرشد المعين ابن عاشر بقوله:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك.
زار ابن الخطيب (713 هـ-776 هـ)، قبر أبي العباس السبتي وتحدث عن اهتمام ذوي الحاجات بمزاره وعن كيفية استفادة الفقراء من الصدقات المودعة بإزائه يقول: "وروضته بباب تاغزوت، أحد أبواب مراكش، غير حافلة البناء، وربما تبرع متبرع باحتفالها فلا تساعده الأقدار، وزرتها وربما شاهت بداخلها أشياخا من أهل التعفف والتصوف، يسارقون خفية الناظر إلى مساقط رحمات الله تعالى عليها لكثرة زائريها. فيقتحم ذو الحاجة بابها خالعا نعله مستحضرا نيته، ويقعد بإزاء القبر، ويخاطب بحاجته، ويعين بين يدي النجوى صدقة على قبره، ويدسها في أواني في القبر معدة لذلك، ومن عجز عن النقد تصدق بالطعام ونحوه، فإذا خف الزائرون آخر النهار، عمد القائم إلى التربة إلى ما أودع هناك في تلك الأواني، وفرقه على المحاويج الحافين بالروضة، ويحصون كل عشية ويعمهم الرزق المودع فيها وإن قصر عنهم كملوه فــي غــده.