ابقوا على اطلاع بآخر المستجدات من
خلال اشتراكم في بريد الأخبار
كيف تحول هؤلاء من أعداء المخزن إلى خدام الدولة؟
عموم المغاربة ينظرون إليهم على أساس أنهم "قلبو الفيستة"، وإلا كيف يعقل أن يتحول المرء من حامل للسلاح إلى محارب لحامليه، كيف باستطاعته أن ينتقل من مجند في صفوف رجال الثورة ضد المخزن إلى مبايع للمخزن يسلط قلمه وقوله ومواقفه ضد أطروحات أعداء المخزن؟
الإجابة الشعبية السابقة تتضمن الكثير من الاختزال، ولا تعدو كونها حكم قيمة يحكم ويدين، بطريقة تلقائية بسيطة وساذجة، ولا ينشغل أصحابها كثيرا بالبحث في الأسباب الكامنة وراء تحول يكاد يطال جيلا كاملا من معارضي الحكم في المغرب، لأن هم هذه الإجابة الرئيسي هو إلصاق لائحة طويلة من التهم، من أبرز عناوينها "الخيانة".
الانشغال الرئيسي لهذا الملف يتجه "عكس التيار"، يحاول أن يقدم جردا لأكبر عدد من الذين كانوا أعداء للمخزن قبل أن يصيروا من أشرس المدافعين عنه، مع السعي قدر الإمكان إلى فهم الظاهرة. وكما يمكن أن نتابع على صفحات هذا الملف لا يوجد تفسير نهائي وواحد، بقدر ما توجد تفسيرات، تختلف باختلاف من يقوم بالتفسير، والنماذج التي يستند عليها في تحليله، والحقائق والمعطيات التي يتوفر عليها. فهناك من يختصر الأمر في أن هؤلاء الذين عرفهم الشعب، في بداياتهم كمناضلين، فاسدون بالجبلة، كما هو حال سمير بودينار، رئيس مركز الدراسات والبحوث الاجتماعية بوجدة ، الذي يقول: "لديهم استعداد لتحويل اتجاهاتهم في خدمة أي طرف بناء على تغير موازين القوى أو رجحان كفة المصالح الشخصية"، في الوقت الذي يرى آخر أن الأمر مرتبط أكثر باعتبارات ديمغرافية وجيلية، إن صح هذا التعبير، مغموسة في نوع من الواقعية، كما يردد ذلك عبد الصمد الديالمي: "هذه النخب المثقفة اليسارية تشيخ في السن وهذا عامل حاسم ومهم في تحول القيم الاجتماعية والسياسية. فالنخب اليسارية في شبابها كانت لها مواقف نقدية مثالية وجذرية من النظام، ومع تقدمها في السن أصبحت واقعية إصلاحية تطالب بالمشاركة في اقتسام السلطة والثروة".
حسن قرنفل، المتخصص في دراسة النخب، يعتقد أن اليساريين المغاربة فقدوا البوصلة بانهيار المعسكر الشرقي، الذي احتضن نضالاتهم، واستوحوا منه أحلامهم، "هذا التحول الإيديولوجي الذي أدى إلى أن يفتقد اليساريون المغاربة الذين كان معظمهم جزءا من التجربة اليسارية العالمية شرطا لازما لتشكيل وعيهم وتكوين مواقفهم واستعداداتهم"، لكنه يجد لهؤلاء، بلغة القانونيين، "ظروفا للتخفيف": "تحول بعض النخب من معارضة النظام إلى خدام القصر يعود أيضا إلى التحولات التي طبعت الخطاب السياسي للملكية في عهد الملك محمد السادس، الذي تبنى الكثير من الأطروحات التي كان يدافع عنها اليسار المغربي".
قراءة أخرى يقدمها محمد ضريف، أستاذ العلوم السياسية، مفادها أن ما نلاحظه من تحولات في تموقعات عدد من المناضلين أمر طبيعي، فهو يدخل ضمن مكونات العمل السياسي باعتباره عملا براغماتيا يقوم على المساومات وتحقيق المصالح، وأن مطالب المعارضين للمخزن سابقا بتغيير النظام كانت دوافعها إيجاد نظام يحمي مصالحهم، أما "الحديث عن الدفاع عن حقوق الشعب فهو مجرد خطاب إيديولوجي لشرعنة مصالحهم الخاصة". هؤلاء أحسوا بأن "المعركة خاسرة"، فلماذا المكابرة، خاصة أن هناك عدوا جديدا أخطر من المخزن، في اعتقادهم. ويستطرد ضريف: "أدركت بعض أطر اليسار بشكل متأخر أنها تشكل أقلية منعزلة عن المجتمع وأن نضالها الطويل لم يحقق لها لا تغيير طبيعة النظام ولا تشكيل قاعدة اجتماعية جماهيرية قادرة على القيام بالثورة، وهي الخلاصة التي عبر عنها كتاب عبد القادر الشاوي اليسار المغربي تجربة الحلم والغبار. ومع تصاعد نجم الإسلاميين وأفول نجم اليسار أدرك بعض اليساريين العلمانيين أن مشروع الدولة وحده القادر على مواجهة الإسلاميين، بما يتوفر عليه من آليات إيديولوجية وسلطوية لتحقيق ذلك".