للمراكشية : محمد القـنـور
"الجانطا": وفيها مآرب أخرى
ظلت لعبة "الجانطا" أو "السركوس" أو الطوق كما يعرف باللغة العربية الفصحى، شائعة ومتداولة في صفوف كل الفئات العمرية للصغار، من الذكور من ثمان سنوات إلى ستة عشر سنة، وكانت اللعبة تقوم على الجري وراء "الجانطا" بعد ان يتم دفعها بواسطة عصا، أو قضيب حديدي، وأحيانا كان يصدر عن العملية جهد جهيد، بعد أن يكون اللاعب بها قد قضى سحابة يومه متنقلا بين الأحياء، غير أن "الجانطا" كانت تقوم بأدوار أخرى، وفيها مآرب جمة، أبرزها الحفاظ على توازن السطلين أثناء رفع الماء من السقاية حتى لا يتدفق من جنباته.
عاشورا: " أيام الحراقية والشرشورا "
بالنسبة للأطفال اليافعين، والصغار من الذكور، تأتي احتفالات "عاشورا" فتأتي معها الحروب البونيقية التي لاقبل لأحد بردها، يأتي معها المرح والفرح الذي يعم أجواء الأحياء الشعبية، وتتحول كل الدروب والساحات ومنعرجات الأسواق إلى ميادين "للحرب والقتال" وتكوين الأحلاف العسكرية بين أبناء الحي الواحد أو الحيين على غرار"حلف الأطلسي" أو حلف "وارسو" المنحل، وفضاءات لاستعمال كل أنواع "القنابل" و"الصواريخ" القريبة المدى والمتوسطة المدى وحتى تلك العابرة للسطوح، وإشعال "الحراقيات" وهي صدفات كبريتية مسترسلة الإنفجار،إضافة إلى متفجرات تقليدية الصنع يصنعها الصغار من الكاربون والماء، ويصنعون لها حفرا مغطاة بعلب القصدير .
أما الفتيات من اليافعات والمراهقات فيرددن في كل ليلة من ليالي عاشوراء لازمة: "هاذا عاشور ما علينا لحكام... عيد الميلود كيحكمو الرجال" بعد انتهاء كل وصلة شعبية، أو أهزوجة ندية.
في حين يتبارى كبار الأطفال في حلقات، على فن الدقة المراكشية، تقليدا للشباب الكبار ممن يتأهبون لإحياء ليلتها الكبرى في ليلة التاسع من محرم، في تباري محموم بين الأحياء.
بنات ولد
على أنه ليس كل ألعاب "أيام زمان" كانت تعتمد على الجهد العضلي والعمل الجسمي وتلغي الدافع العقلي للعب. وإنما كانت لعب أخرى تنمي في الطفل أو الطفلة، عملية الإستنباط الذهني والحدس العقلي، والتوجس المبني على الترقب الحذر واستعمال كل الحواس منها لعبة "الغميضة".
أو لعب أخرى تعتمد على جمع بطاقات وصور الحيوانات والمآثر وأنواع السيارات والطائرات وقصص الفضاء، ولاعبي كرة القدم المشاهير والأماكن الطبيعية المتنوعة في كل بقاع الأرض، وهي صور وبطاقات كانت تباع ضمن علب ورقية تحتوي في أغلبها من خمسة إلى ستة بطاقات مرقمة لوضعها على الألبوم الذي عادة ما يكون ثمنه يضاعف ثمن العلبة لثلاث مرات، مما يجعل الصغار من عشاق هذه الهواية يتركون شراءه إلى غاية جمع أكبر عدد ممكن من البطاقات.
ولأن هناك صور نادرة وصور مكررة، داخل هذه العلب فإن الصغار يلجؤون للمقامرة والرهان فيما بينهم على الصور النادرة، واللجوء إلى لعبة "بنات ولد" حيث الصفحة البيضاء على ظهر الصورة الملونة تعني "بنات"، في إشارة إلى نقاء الفتاة وعذريتها،وهو ما فهمته لاحقا، والصورة في حد ذاتها تعني "ولد".
والحق أن هذه اللعبة، قد أغنت الثقافة البصرية لجيلنا، والجيل الذي تقدمنا ، وعرفتهم بالعالم الخارجي المحيط بهم،أو البعيد عنهم في زمن كانت الأشرطة الوثائقية منعدمة فيه، وقادهم جمع مثل هذه الصور والبطاقات إلى هوايات أخرى، كجمع الطوابع البريدية والعملات المعدنية الأجنبية،والأحجار الجيولوجية، والحفريات والقطع النقدية المغربية القديمة، والمطالعة والمراسلة وغير ذلك..
لعب رغم اندثارها بفعل مرور الزمن، وتطور الأيام، وكثرة التماثلات الترفيهية... مازالت تحتل في نفوس الأجيال التي مارستها حيزات رفيعة من عبق الذكريات، وجمال اللحظات، ونزق الطفولة الذي لا ينتهي...
مفهوم اللعب
يعرف معظم السوسيولوجيون اللعب بكونه ذاك النشاط الحر الذي يمارس لذاته ويعتبرونه ميل من أقوى الميول وأكثرها قيمة في التربية الاجتماعية والرياضية والخلقية، فهو سلوك طبيعي وتلقائي صادر عن رغبة الشخص أو الجماعة ففي الصغر يميل الطفل إلى اللعب الانفرادي، وكلما تقدمت به السن زاد ميله إلى اللعب الجماعي، والعلاقة بين الطفل واللعب علاقة وثيقة جداً، فاللعب هو حب الطفل وملاذه وعالمه وحياته، وأسعد لحظات حياته تلك التي يقضيها مع لعبته، أو لعبه يحادثها ويحكي لها حكاية، يشكو لها، ويعرض عليها مشكلته، بل أحيانا يضربها ويبعثرها ويفكها ويعيد تركيبها أو يتخيلها أشخاصاً أمامه ومعه. والأطفال يلعبون عندما لا يكون هناك شيء آخر ينشغلون به، أي عندما يكونون مرتاحين جسمياً ونفسياً، واللعب ولا شك هو أكثر من مجرد ترويح، بل هو عملية مهمة في سبيل النمو، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة في ساحة التربية وعلى علماء النفس والمهتمين بالطفولة في العصر الحديث: هل اللعب لدى أطفالنا،عبث أم أنه إبداع واستكشاف؟!!
قدرات خلاقة وتنمية للذكاء
مما لا شك فيه أن التربية الحديثة تجعل من اللعب وسيلة لتنمية قدرات الطفل وتنمية الذكاء والتفكير الابتكاري منذ السنوات الأولى، إذ تعمل على توفير اللعب المختلفة في دور الحضانة.
تقول الصديقة الدكتورة مريم مرعي،في كتابها الرائد " التربية في سنوات الطفولة المبكرة " : أن اللعب يهيئ للطفل فرصة فريدة للتحرر من الواقع المليء بالالتزامات والقيود والإحباط والقواعد والأوامر والنواهي، وتضيف المريني: أنه لكي يعيش أحداثاً كان يرغب في أن تحدث ولكنها لم تحدث أو يعدل من أحداث وقعت له بشكل معين وكان يرغب في أن تحدث له بشكل آخر.
وتضيف الدكتورة مرعي: أن اللعب يتصل اتصالا مباشرا بحياة الاطفال, حتى انه يشكل محتوى حياتهم وتفاعلهم مع البيئة, وبذلك يصبح اللعب اداة انماء لشخصية الاطفال وسلوكهم. واللعب في سنوات الطفولة وسيط تربوي يعمل على تشكيل الطفل في هذه المرحلة التكوينية الحاسمة من النمو الانساني. وحتى نتمكن من ربط اللعب بنوعية النماء في شخصية الاطفال فانه ينبغي ان ينوع بحيث يشتمل على اشكال مختلفة تغطي احتياجات النمو عندهم, بحيث تصمم الالعاب في مرحلة رياض الاطفال لمواجهة الاحتياجات الحركية والانفعالية والعقلية الاجتماعية والنفسية والتعليمية وغير ذلك من مهارات.
ولا شك أن لعب الأطفال ليس عبثاً كما يتصوره بعض الآباء والمربين اللذين يرفضون اللعب ولا يؤمنون به، وإنما اللعب مهم وضروري لنمو الشخصية الاجتماعية السوية والخيِّرة، فنحن نجد أن التربية الإسلامية قد أباحت الألعاب الهادفة، إذ يمكن إعداد الجانب الجسمي والنفسي والخلقي للفرد عن طريق ممارسة بعض الألعاب الرياضية، فقد روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمح للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده الشريف وأذن لزوجته عائشة رضي الله عنها أن تنظر إليهم وبينما هم يلعبون دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فحاول منعهم فقال صلى الله عليه وسلم: دعهم يا عمر، ومن ثم فالإسلام وجد في اللعب الفرصة الرئيسية والمثلى للإبداع في استخدام الحراب وغيرها مما يقوى الفرد نفسياً وبدنياً، أوَليس المؤمن القوي خيراً وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف؟!
ولا شك أن هذا المنهج الإسلامي هو الذي حدا بأمير المؤمنين الخليفة الثاني عمر أن يدعو المسلمين كافة أن يعلموا أولادهم: الرماية والسباحة وركوب الخيل.
بل ما يجب أن نؤكد عليه هو أن الشعب الياباني لم يتقدم إلا بإتاحة الفرصة أمام أطفاله للعب و الإبداع فخرجت أطفال مبدعة لدرجة أن الصناعات اليابانية اليوم لتغزو أميركا وكل بلاد الله في عقر دارها.
فالشعب الياباني لم يتقدم تكنولوجياً ولم تقم له قائمة بعد قنبلة هيروشيما وقنبلة ناكازاكي إلا باستكشاف المواهب منذ نعومة الأظفار وتكريسها كدرع بشري للتقدم والنمو السريعين .
اللعب الإبداعي••• مسؤولية من؟
ومن هذا المنطلق ينبغي أن نولي الأطفال العناية والرعاية ونتيح لهم فرصة اللعب الهادف ونعمل على إعدادهم الإعداد الجسمي عن طريق التربية الرياضية، والتربية الذوقية وليس معنى ذلك أن نطلق لهم الحبل على الغارب بلا قيود ولا حدود، فلا يجوز أن يكون الاهتمام بالألعاب الرياضية على حساب واجبات أخرى كالدراسة والوطنية أو على حساب حق الله في العبادة أو على حساب تحصيل المعارف وطاعة الوالدين،أو على حساب تدمير البيئة وتلويثها بل يجب أن يكون الارتباط في حدود الوسط والاعتدال.
ولا شك أن الحصول على الإنسان المغربي المبدع يكون بالتعاون بين وزارة التربية والتعليم وتكوين الأطر في المملكة والوزارات وكتابات الدولة المعنية بالثقافة والرياضة والبيئة والماء والأسرة، كما علينا أن نولي اللعب الأهمية ونوفر للطفل اللعب المختلفة في الحضانة والمدرسة على أن تكون هناك حصة أو حصتان للنشاط الحر أسبوعياً تتيح للطفل ممارسة هوايته والإبداع فيها والابتكار منها،إضافة إلى توفير الكتب والمجلات للكثير من هذه الهوايات التي تساعد على التفكير السليم وتوجيه الإبداع والابتكار إن ذلك سيكلفنا ـ ولا شك ـ الكثير من المال ولكن العائد في المستقبل القريب سيكون أكثر إبهاراً .
يوضح الأستاذ والباحث مولاي عبد الله المنديلي:" الكاتب العام لجمعية النخيل أن اللعب "لا يكون دوماً بمفهوم واحد وله هدف واحد، بل يختلف مفهومه عند كل جيل ويتميز طابعه بين جنس وآخر.
فاللعب يشكل حاجة ماسة في مرحلة الطفولة الأولى، ويلعب دوراً هاماً في نمو الطفل. لذلك يساعد الوالدان طفلهما في تنفيذ الحركات والألعاب لتركيز الانتباه والنطق والتوازن. ثم يصبح اللعب أكثر أهمية في حياة الطفل عندما يصل إلى مرحلة الطفولة الثانية ويخرج إلى المجتمع، ويغدو اللعب جزءاً من حياته يصرف به حيويته ونشاطه.
وتأخذ الألعاب بالتباين حسب جنس الطفل، فالذكور يميلون لألعاب الجري والعنف وبذل الجهد، بينما تبقى ألعاب الإناث أكثر هدوءاً رغم حيويتهن المتدفقة، وتتصف ألعابهن بالوداعة والأنس.
أما في مرحلة الشباب فتصبح الألعاب أكثر اتزاناً وتحتاج لبعض التفكير والتركيز. وبعضها يعتمد على مهارات معينة، وعندما يبلغ المرء سناً معينة لاتبقى بالجسم حاجة للألعاب الحركية، ولكن تميل النفوس إلى ملء الفراغ وتجديد النشاط والترفيه والتسلية.
كما أن أنواع الألعاب تشير أحياناً إلى خلفيات اجتماعية معينة، أو تحدد المستوى الثقافي، فليست كل الألعاب متشابهة بل تختلف حسب السن والجنس والمكان والمناسبة .
ويؤكد الأستاذ المنديلي أن اللعب يعتبر عاملا مهما جدا في عملية تطوير الاطفال وتعلمهم, فاستعمال الاطفال لحواسهم مثل الشم واللمس والتذوق يعني انهم اكتسبوا معرفة شخصية, هذه المعرفة التي لا يمكن ان تضاهيها المعرفة المجردة التي قد تأتي للاطفال من خلال السرد والتعليم. فاللعب يعطيهم فرصة كي يستوعبوا عالمهم وليكتشفوا ويطوروا أنفسهم ويكتشفوا الآخرين ويطوروا علاقات شخصية مع المحيطين بهم, ويعطيهم فرصة تقليد الآخرين.
ويضيف الأستاذ المنديلي انه لا يمكننا ان ننقص من أهمية اللعب في إكساب الأطفال مهارات أساسية في مجال العلوم الاجتماعية والرياضيات, اللغة, الفنون والعلوم. ولا ننكر أهمية اللعب في صقل شخصية الطفل وربط تجربة اللعب مع وظائف عديدة منها:خدمة التطور اللغوي لدى الناشئة والرفع من مستوى التطور العاطفي لديهم وتأهيل القدرة على استعمال الادوات وتدريبهم على حل المشاكل وتوطيد أهمية العمل المشترك والمهارات الاجتماعية لديهم ودفعهم بشكل حثيث نحو النضج العقلي .
|