إعداد : د . م علي الخاميري
الحلقة الثالثة (2) من هذا التتبع ستكون متميزة على أصعدة عديدة ، منها أنها ستحكي لنا أجواء أشهر درس حسني في ثمانينات القرن الماضي ،ومنها تضمينه ليعض الحقائق المرتبطة بصاحبه الشيخ يوسف القرضاوي وعلاقته بالمغرب وأهله قبل الدرس وبعده ،ومنها كذلك رصده للصدى العام للدرس في المغرب وخارجه .والدررس ليس من مرويات الموقع الشخصي للشيخ القرضاوي ،وإنما من مرويات الموقع الالكتروني : www.almorni.com
وكان علماء المغرب أحفياء بي، وقد أحاطوني بتقديرهم وعنايتهم وترحيبهم، طوال الأيام التي أقمتها في الفندق، منتظرا ليلة درسي، حتى أعلموني بالموعد المرسوم.
درسي كان عن حديث تجديد الدين
وكانت الدروس عادة تنطلق من آية كريمة، أو من حديث شريف، وقد سألوني عن منطلق الدرس، وهل هو مكتوب أو مرتجل، فأخبرتهم أنه مرتجل، وأنه ينطلق من الحديث النبوي الذي رواه أبو داود والحاكم وغيرهما عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة: مَن يجدد لها دينها"[4].
والذي رجَّح اختياري لهذا الحديث: أننا في أوائل القرن الخامس عشر الهجري، فلم يمض منه إلا سنتان وبعض الثالثة.
وفي الليلة المعهودة، ذهبت إلى قصر الملك، وحييته وسلمت عليه من وقوف، ولم أضطر إلى أن أنحني، أو أخرج عن طبيعيتي قيد أنملة، كما قد قيل لي من قبل. بل كان الرجل ودودا بشوشا مُرحبا بي أكثر من غيري، ممن ألقوا دروسا قبلي.
وقد استمعت إلى بعضهم، فوجدت منهم مَن يسرف في الثناء والإطراء نثرا وشعرا، ولكن لم يلزمهم أحد بذلك، وإنما هم الذين التزموا به طوعا.
جلست كما جلس الجميع – ومنهم الملك نفسه- على الأرض، وقد حضر ولي العهد – وهو الآن الملك محمد السادس- وحضر الوزير الأول والوزراء وكبار رجال الدولة، وقادة الجيش، وسفراء الدول الإسلامية، وكبار العلماء ووجهاء البلد. وكان سفير قطر في ذلك الوقت هو عميد السلك الدبلوماسي، لعراقته في وظيفته هناك، وهو الأستاذ عبد الله الجيدة حفظه الله.
وابتدأت درسي بقولي: مولانا الملك المُعظم ... ثم استرسلت في درسي. وجدت الخطاب بهذا الوصف هو أكثر ما يكون ملاءمة لموقفي، وهو تعبير صادق عن الواقع، وليس فيه ما يؤخذ عليَّ.
فأما كلمة (مولانا) فكل المسلمين موالي بعضهم لبعض، {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة:71]، وأما كلمة (الملك) فهذه حقيقة، فهو ملك مبايع من شعبه، وأما كلمة (المُعظم) فهي حقيقة كذلك، بل هو معظم جدا، ولا سيما من ناحية نسبه الشريف، إذ هو يفخر بأنه ينتمي إلى الحسن السبط أحد سيدي شباب أهل الجنة. فلم أكذب ولم أنافق فيما قلت.
ثم أوردت الحديث كما هو في س نن أبي داود، وأخذت أشرحه وأربطه بالواقع، مُبيِّنا معنى التجديد وجوانبه المختلفة، وهل المجدد فرد أو جماعة أو مدرسة؟ واخترت الاتجاه الثاني، وكلمة (من) في الحديث، تصلح للجَمْع، كما تصلح للمفرد[5]، وعرجت على قضايا واقعية حية، في الخمسين دقيقة التي استغرقها حديثي، وقد كان الملك يصغي إليَّ باهتمام: بوجهه وعينيه وأذنيه، وكذلك الحاضرون جميعا، وكان حديثي يحمل نقدا للواقع، الذي نعيشه في ديار العرب والإسلام، وهو حديث عالم مشغول بالدعوة والإصلاح والتجديد، فلا يُتصور أن ينفصل عن واقع الأمة وأدوائها وآمالها.
مناقشة مع الملك
وفي آخر الدرس، أو قل: بعد أن ختمته، سألني الملك سؤالا مهما على عادته في مناقشة العلماء، وذلك حين قال: إن الذي نحفظه في رواية هذا الحديث: أنه بلفظ: "يجدد لها أمر دينها". قلت: هذا هو المشهور على الألسنة، ولكن الذي رواه أبو داود في كتاب الملاحم من سننه، ورواه الحاكم في مستدركه، ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار، كلهم متفقون على هذه الصيغة: "يجدد لها دينها"، والتجديد بالمعنى الذي شرحته لا حرج فيه.
وقد كان هذا السؤال من الملك والرد عليه مني بصراحة، موضع حديث المغرب كله: أني رددت على الملك، ولم أُسلِّم له، كما يفعل الكثيرون، ولا أرى في ذلك بطولة ولا فضلا، فقد سأل الملك سؤالا، وبيَّنت له الإجابة حسب علمي. ولن أحرّف العلم من أجل الملك، ولا أحسبه هو يرضى ذلك مني، ويبدو أن الذي تعوده الناس من العلماء: ألا يعقبوا على ما يقوله الملك.
ولانشغالي بالدرس أكثر من انشغالي بالملك، لم أفكر في الدعاء له في ختام حديثي. فقد تركت نفسي على سجيتها، وكأنما أنا في درس في أحد جوامع الدوحة.
وفي ختام المجلس: صافحني الملك بحرارة، وقال لي: نريدك أن تكون معنا في الموسم القادم. وطلب مني أن أبلغ سلامه إلى سمو أمير قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، وقد فعلت. كما سلم عليّ وليّ العهد وكبار رجال الدولة، وسفير قطر، الأستاذ عبد الله الجيدة، عميد السلك الدبلوماسي في المغرب، وسفير عمان، وقد كان ممن يحضرون دروسي في الدوحة، وقد حصل على الثانوية من قطر، وهو من آل الحارثي.
كان لهذا الدرس – الذي أعتبره عاديا بالنسبة لي- صدى واسع عند الناس كافة في المغرب، حتى قابلت بعض أساتذة الجامعات بعد ذلك، ووجدتهم مسرورين من حديثي، معجبين به، ولا سيما أني لم أراع فيه إلا وجه الله تعالى، ولم ألو فيه عنق الحقائق، ولم أحرف الكلم عن مواضعه، ولم أنحن ولم أنثن. ونوهت مجلة العدل والإحسان، على لسان مؤسس الجماعة الشيخ عبد السلام ياسين بموقفي في هذا الدرس.
وكان عندي لقاء مع الشباب الإسلامي في تلك الليلة، التي سأسافر إن شاء الله في صباحها.
والتقيت بالشباب، أظن ذلك في منزل الأخ الفاضل عبد الإله بن كيران، وعدد كبير من إخوانه، وكانوا في غاية السرور والانشراح من الدرس وصداه في المجتمع المغربي، الذي لمسه الجميع بمجرد إلقائه.
وكان مما قالوه لي: إنك لا تعرف أثر هذا الدرس في هذه المملكة كلها، إن الناس في المغرب كله – على اختلاف مستوياتهم واتجاهاتهم الفكرية والسياسية والدينية- كانوا ينتظرون ماذا سيقول القرضاوي في درسه أمام الملك: الإسلاميون، والليبراليون، والماركسيون، والقوميون، وكل الأحزاب والفئات.
قلت لهم: حتى الإسلاميون كانوا ينتظرون هذا الدرس؟
قالوا: نعم، كان الإسلاميون وربما نحن منهم، يقولون: إما أن نم زق كتبه بعد هذا الدرس، إذا لم يوف بحقها، ولم يحترم ما قاله فيها، وإما أن نزداد احتراما واحتضانا لها!
قلت لهم: لعل كتبي سلمت من التمزيق!
قالوا: الحمد لله، بل ازددنا لها حبا، وبصاحبها تعلُّقا، وهذا هو الموقف في المغرب من أقصاه إلى أقصاه.
قلت: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وألقيت فيهم كلمة دعوية توجيهية، وأجبت عن عدد من أسئلتهم التي أعدوها لتطرح علي قبل أن نتناول السحور، ونصلي الفجر، وننصرف.
وأذكر من هذه الأسئلة سؤالا مهما يتعلق بإثبات بداية الصيام ونهايته، قال الإخوة: إن عندنا مشكلة تظهر في بداية كل رمضان ونهايته، فلدَيْنا فئات ثلاث من أهل المغرب:
- فئة تصوم وتفطر مع (المملكة العربية السعودية)، وهم عادة من الإخوة السلفيين أو ممن يسميهم الناس: الوهابيين.
- وفئة ثانية تصوم وتفطر مع (تونس) التي تعتمد الحساب الفلكي في صيامها وفطرها. وغالبا ما يتفق هذا مع مصر والجزائر وغيرهما.
- وفئة ثالثة، تصوم وتفطر مع ما تقرره السلطات الشرعية المسؤولة في المغرب. وهي في العادة تتأخر عن هؤلاء وأولئك. فما رأيك في هذه الفئات الثلاث، وأيها ترجح لنا أن نتبعه؟
قلت: الكلام في هذا يطول، ورأيي الذي أفتي به من سنين طويلة: أن نعتمد الحساب الفلكي في النفي لا في الإثبات، بمعنى: أن الحساب إذا نفى إمكانية الرؤية من الناحية العلمية القطعية، فلا نقبل شهادة الشهود؛ لأن شهادة الشهود ظنية، والحساب الفلكي العلمي قطعي، والظني لا يقاوم القطعي، فضلا أن يقدم عليه. كما قال الإمام تق ي الدين السبكي في رسالة له. وإذا قال الحساب بإمكان الرؤية، فإن وجود الرؤية في أي مكان يمكن أن يثبت به الهلال في البلاد الأخرى، وخصوصا ما كان قريبا منه، بناء على عدم اعتبار اختلاف المطالع.
ولكن ما أراه شيء، وما هو واقع شيء آخر. فأحيانا يثبت الهلال في السعودية، مع أن الحساب القطعي يقول: إن الهلال لم يولد بعد. فالمشكلة هنا في وجود الخطأ في إثبات الرؤية، إذا كان الهلال لم يولد: كان الشاهد مخطئا أو واهما أو كاذبا.
على أن الذي أقره هنا باطمئنان: أننا إذا لم نصل إلى وحدة المسلمين في شعائرهم الدينية في أقطار الأرض كلها، كما يحلم كثيرون، فلا أقل من أن نحرص على وحدتهم في كل قُطر، بحيث يصومون معا، ويُعيِّدون معا؛ إذ ليس مقبولا بحال أن يصوم جماعة منهم وسائر أهل البلد مفطرون، أو تعلن العيد فئة منهم فيصلون ويكبرون وسائر أهل البلد صائمون.
ولذا أرى أن أسلم المواقف في المغرب هو موقف الفئة الثالثة التي تصوم وتفطر مع أهل المغرب، بناء على تعليمات السلطات الشرعية المُخوَّلة بإثبات الهلال، كالمحاكم الشرعية، أو الإفتاء، أو وزارة الأوقاف، أو غيرها.
قلت للإخوة: إن الملك قال: نريد أن نراك معنا في رمضان القادم.
قالوا: ثق أنهم لن يدعوك مرة أخرى، ستُعرِّفه المخابرات: من أنت؟ وما أفكارك؟ وما دعوتك؟ وما تاريخك؟.
قلت لهم: لست حريصا على الحضور، حسبي أني قلت كلمتي، وأديت واجبي.
وتسحرنا، وصلينا الفجر، وذهبت إلى الفندق، لأستعد للسفر في أول طائرة إلى باريس. وفي المطار أقبل عليّ الناس يعانقوني ويقبلون يدي، ويمطرونني بعبارات الثناء والشكر والدعاء. |