إعداد : د . م علي الخاميري
الحلقة الثالثة من هذا التتبع ستكون متميزة على أصعدة عديدة ، منها أنها ستحكي لنا أجواء أشهر درس حسني في ثمانينات القرن الماضي ،ومنها تضمينه ليعض الحقائق المرتبطة بصاحبه الشيخ يوسف القرضاوي وعلاقته بالمغرب وأهله قبل الدرس وبعده ،ومنها كذلك رصده للصدى العام للدرس في المغرب وخارجه .والدررس ليس من مرويات الموقع الشخصي للشيخ القرضاوي ،وإنما من مرويات الموقع الالكتروني : www.almorni.com
مذكرات القرضاوي : زيارة القرضاوي للمغرب والمشاركة بدرس من الدروس الحسنية
في شهر رمضان سنة 1403هـ الموافق 1983م، دعيت من قِبل وزير الأوقاف المغربي الدكتور عبد الكبير العلوي عن طريق سفير المملكة المغربية بالدوحة، للمشاركة في الدروس الحسنية الشهيرة، التي اعتاد ملك المغرب الحسن الثاني أن يقيمها كل رمضان، ويدعو إليها عددا من العلماء من خارج المغرب، بالإضافة إلى علماء المغرب.
زيارة سابقة سنة 1978م
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي أدعى إليها لهذه الدروس، فقد دعيت إليها من قبل عدة مرات، ولكني كنت أعتذر عن عدم تلبية الدعوة بأعذار شتى، فقد حذرني كثيرون: أن هذه الدروس تلزم العلماء بطقوس معينة لا تتفق مع طبيعتي، مثل الانحناء، والمبالغة في الثناء والتعظيم للملك الذي يدعونه عادة بأمير المؤمنين. وقلت: أنا في غنى أن أكلف نفسي ما لا تحبه ولا تحتمله، فالاعتذار أسلم طريق.
ولكن سفراء المملكة في قطر الذين خالطوني وعرفوني ظلوا يلحون علي أن أستجيب، وقالوا لي: إن أحدا لا يلزمك بشيء من هذه الطقوس، وكل عالم حر في تصرفه، وأخيرا استجبت للدعوة في رمضان الموافق 1978م، وسافرت إلى المغرب فعلا، للمشاركة في هذه الدروس، ولكن قدر الله سبحانه وتعالى: أن يدخل الملك المستشفى لإجراء عملية جراحية، فلم تعقد هذه الدروس في ذلك الموسم. ومن هنا رتبوا لنا زيارة بعض المدن المغربية، وإلقاء بعض الدروس والمحاضرات في بعض المدن، منها مدينة الرباط نفسها، ومنها الدار البيضاء، ومنها مدينة فاس، التي زرت فيها جامع القرويين الشهير، وألقيت محاضرة في جامعة محمد بن عبدالله، قدمني فيها صديقنا العالم الداعية الثبت المعروف: الدكتور عبد السلام الهراس.
كما زرت مدينة تازة، وألقيت فيها محاضرة في ذكرى غزوة بدر.
كما شاركت في ندوة عقدها التلفزيون المغربي حول (غزوة بدر) والدروس المستفادة منها، وكان معي فيها مؤرخ الفتوحات الإسلامية اللواء الركن محم ود شيت خطاب، المعروف بمؤلفاته ودراساته في السيرة والتاريخ، والأخ العالم المعروف الدكتور عبد السلام الهراس.
ومن اللطائف: أن الأخ المذيع الذي كان يدير الندوة، ارتبك عند تقديمنا، فقال: يشترك في هذه الندوة: اللواء الركن يوسف القرضاوي وفضيلة الدكتور محمود شيت خطاب! وضحكنا من ذلك، وألغيت هذه المقدمة.
وقد علق عليها اللواء شيت خطاب قائلا: إنه ليشرفني أن يطلق علي الشيخ محمود خطاب، لا فضيلة الدكتور، فلقب (شيخ) عندي أفضل من دكتور، ومن لواء، ومن أي لقب دنيوي يحرص عليه الناس. وأحب أن يخاطب الشيخ القرضاوي بلفظ الشيخ لا بلفظ الدكتور. وانتهى تسجيل الحلقة على ما يرام.
وبعد ذلك عدت إلى قطر، عن طريق باريس، بعد أن تعرفت على المغرب في أول زيارة لي إليه. وتعرفت على الأخ الكريم الداعية: عبد الإله بن كيران، الذي صحبني إلى الأسواق، لأشتري بعض الملبوسات المغربية للأولاد. وقلت في نفسي: الخير ما اختاره الله لي، فقد كنت متخوفا من هذه الدروس وما قد يكون فيها من إحراجات لا تناسبني. وكل شيء مرهون بوقته على ما قدر الله سبحانه. هذا ما كان في زيارة سنة 1978م.
أما هذه المرة، فقد كانت سنة 1983م، وفي شهر رمضان 1403هـ. وقد سافرت من قطر على طائرة الخليج التي أقلّتني من الدوحة إلى باريس، والتي تقوم عادة من الدوحة بعد منتصف الليل، وتصل إلى باريس في الصباح. ثم آخذ الطائرة المغربية بعدها من مطار (أورلي) على مسافة غير قليلة من مطار (شارل ديغول)، وقد رتب الإخوة من ينقلني ويصحبني.
إفطار في السفر
وأنا عادة إذا سافرت في رمضان إلى القاهرة أو السعودية أو نحوهما، لا أفطر، وأظل صائما، لا لأن الفطر ممنوع أو مكروه، ولكن المسافر أمير نفسه، إن شاء أفطر، وعليه عدة من أيام أخر، بعدد الأيام التي أفطرها، وإن شاء صام ولا حرج عليه. خلافا للظاهرية الذين أوجبوا على المسافر في رمضان أن يفطر. وهو مروي عن أبي هريرة. وفي السفر إلى هذه البلاد العربية، لا أجد مشقة تدعوني إلى الفطر.
والذي دعاني إلى الأخذ برخصة الفطر في هذه المرة: أني وجدت أني لن أصل إلى الرباط إلا الساعة الثانية عشرة بتوقيت قطر، وكان الوقت صيفا، مع التنقل من مطار إلى آخر، فرأيت أن الفطر أحب إلي، وطالما ذكرت للناس الحديث النبوي: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته"[1].
وفعلا عندما وصلت إلى مدينة الرباط، ونزلت الفندق – فندق حسان – وهو الذي نزلت فيه المرة الماضية، كنا في منتصف الليل تماما، بتوقيت قطر، إذ الفرق بين قطر والمغرب ثلاث ساعات.
وبقيت أياما أنتظر دوري في إلقاء درسي، وقد عزمنا بعض وجهاء الرباط على الإفطار، على الطريقة المغربية، حيث نتناول شُربة (الحريرة) ثم نصلي المغرب: فريضته وسنته، ثم نعود لاستكمال الإفطار.
مشادة مع د. علي عبد الواحد وافي
ومما أذكره: أني وقعت في مشادة مع أستاذنا الدكتور علي عبد الواحد وافي رحمه الله، الذي عرفته منذ أن كنت في وزارة الأوقاف بالقاهرة، وكنت أشرف على معهد تثقيف الأئمة، وكان هو أحد المحاضرين المرموقين فيه، وكان بيني وبينه مودة، ثم انقطعت الصلة المادية بيني وبينه، بسبب سفري إلى قطر، إلى أن التقينا في الرباط.
كان سبب المشادة، هو استخدام اليد اليمنى في الأكل والشرب، وهل هي سنة تتبع أو عادة يفعلها مَن شاء ويتركها مَن شاء؟
وكان رأي الدكتور علي رحمه الله: أن الأكل باليمين والشرب باليمين ليس أكثر من عادة، مثل الأكل باليد أو بالملعقة والشوكة، والأكل على الأرض أو على المائدة.
وهنا قلت له بكل أدب: اسمح لي يا فضيلة الأستاذ أن أخالفك في بعض ما قلت، وأوافقك في بعضه. فأما الذي أوافقك فيه: فهو الأكل باليد أو بالملعقة، والأكل على الأرض أو على المائدة (الطاولة)، فهذه من الأفعال التي ليس فيها أمر ولا نهي من النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا بخلاف ما جاء في شأن الأكل باليمين والشرب باليمين، فقد جاءت فيهما أحاديث صحيحة صريحة، مثل حديث: "لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله"[2]، فجعل الأكل بالشمال من عمل الشيطان، وهو يؤذن بحرمة هذا العمل.
ولو كان الوارد هنا مجرد الأمر كقوله: "سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"[3]، لقلنا: الأمر هنا يفيد الاستحباب، ولكن النهي في الحديث المقترن بالتشبيه بالشيطان، دلَّ على شيء آخر.
ثم قلت: إن الإسلام يريد بمثل هذا الأدب: أن يغرس في الأمة عادات مشتركة تميزها بين الأمم، فإذا كان الأوربيون يأكلون بالشمال، فإن الأمريكيين يأكلون باليمين.
وهنا قال الدكتور وافي: الأمريكيون لا يأكلون باليمين، بل بالشمال. قلت: يا سيادة الأستاذ، أنا كنت في أمريكا من قريب، وقد زرتها أكثر من مرة، ورأيتهم يأكلون باليمين. قال: أنا أعلم بالغربيين منك.
قلت: هذا صحيح ومُسلَّم، ولا أدعي أني أعلم منك في هذا، ولكن سيادتك عشت في فرنسا، ولم تعش في أمريكا، وحاول بعض الحاضرين أن يفض اشتباكنا. وكنت حريصا على ألا أستمر في هذا الجدل، بل أسفت له، ولكني سمعت خطأ، فلم يسعني إلا أن أصوِّبه، وليس في العلم كبير، وفوق كل ذي علم عليم. برغم أني أعترف أن الدكتور وافي كان من العلماء الموسوعيين، الذي جمع بين الثقافة الشرعية العربية، التي استقاها من الأزهر، والثقافة الغربية، التي استقاها من فرنسا، فكان من كبار أساتذة علم الاجتماع، وأساتذة علم التربية، وأساتذة علم اللغة، وأساتذة الدراسات الإسلامية. ومع ذلك، فلكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، وهذا لا يسقط اعتباره، ولا ينزل من قيمته.
|