إعداد د .م علي الخاميري
في الحلقة الثانية من متابعتنا لصدى الدروس الحسنية على مواقع الانترنت سنقف على ما نشر ضمن صفحات (مدونات مكتوب ) لتوفيق المغربي بتاريخ 23-9-2008 ،وقد أعجبني لما تضمنه من جرد مفصل على مستوى تاريخ الدروس المذكورة مما أصبحت الحاجة ماسة إليه ،خاصة وقد أرفق الموضوع بصور شخصية لبعض العلماء الذين افتقدناهم إما بفعل الموت أو العجز –رحمة الله على الجميع- كما سيجد القارئ بعض االمعلومات المختلفة التي ستفيده وتمتعه في آن واحد.
إنفردت المملكة المغربية دون سائر بلدان العالم الأسلامي بتنظيم سلسلة من الدروس والمحاضرات التي يجتمع عليها خيرة علماء المغرب والعالم الإسلامي ، وهي سنة أبتدعها الملك الحسن الثاني رحمه الله فحافظ عليها ابنه الملك محمد السادس ، وأبقى عليها وعلى النظام الذي نشأت عليه منذ أول درس ألقي في رمضان العام 1382 للهجرة والموافق للعام 1963 للميلاد .
وتتميز هذه المحاضرات التي تتناول مختلف علوم شريعة الإسلام السمحة بتناول ما استجد في حياة المسلمين من قضايا مستجدة ، وما تغير من أحوالنا المعيشية وربطه بمقاصد الشريعة ، وتبيانه للحاضرين والمستمعين في الإذاعة والمشاهدين في التلفزيون بأسلوب يتوخى الوضوح ولا ينحو منحى الخطاب العلمي الموجه لأهل الخبرة والإختصاص .
كان أول درس في أول شهر رمضان بعد سنتين من تولي الملك الحسن الثاني مقاليد الحكم ، وبعد سنتين من إقرار أول دستور للمملكة المغربية ، والذي نص في ديباجته على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي ، بل جعل فصوله في منأى عن التغيير أو التبديل ، كما ألقي الدرس الأول في السنة التي أسس فيها البرلمان المغربي .
ولم تتغير طقوس الدرس منذ الدرس الأول حتى اليوم ، بحيث لازال شكلها كما هو : يجلس الملك في صدر الجلسة وعلى جوانبيه الأمراء ، أمامه يجلس العلماء والقراء يتقدمهم الأجانب إكراما لهم . إلى يمين الملك يجلس أعضاء السلك الدبلوماسي وإلى يساره يجلس أعضاء الحكومة والمستشارون والضباط ، فضلا عن الشخصيات العلمية والثقافية التي توجه لها الدعوة للحضور .
وأول من يلقي الدرس هو وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ، فعالم أجنبي فمغربي وهكذا دواليك . وتبدأ الدروس بعد صلاة العصر وتستمر لساعة أو أقل بقليل .
وقد تعاقب على منبر الدروس الحسنية منذ إنشائها جمع كريم من العلماء المغاربة والأجانب نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر : الإمام المجدد “أبو الأعلى المودودي“، وشيخ الأزهر السابق جاد الحق علي جاد الحق، والعلامة المجاهد الشيخ عبد الفتاح أبو غدة -رحمهم الله جميعًا- والزعيم الشيعي الإمام موسى الصدر الذي اختفى في ظروف غامضة بالقطر الليبي بعد زيارة قام بها إلى هذا البلد تلبية لدعوة من العقيد القذافي،
والشيخ أبي الحسن الندوي ، والشيخ محمد متولي الشعراوي من مصر ، والعلامة الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله، إلى جانب إخوان لهم من المغرب من مثل العلامة المجاهد علال الفاسي الرحالي الفاروقي، والشيخ عبد الله كنون ، والمكي الناصري رحمهم الله تعالى جميعا.
والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي من سوريا، والشيخ محمد الحبيب بلخوجة الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، والشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، والدكتور عصام البشير من السودان، والدكتور طه جابر العلواني من أمريكا ، ومحمد فاروق النبهان ، والعلامة مصطفى أحمد الزرقاء ، ومحمد طه الصابونجي ، والعالم الأمريكي خالد بلانكشيت .
كما أن رئيس جمهورية المالديف السيد “مأمون عبد القيوم” قد حرص على أن يضم اسمه إلى هذه الكوكبة من العلماء من خلال نيل شرف إلقاء درس في سلسلة الدروس الحسنية حول موضوع “الاجتهاد وضرورته الملحة لمعالجة القضايا المعاصرة” بتاريخ 19 رمضان 1413 هجرية، الموافق لـ13 مارس 1993.
كل هؤلاء المحاضرين اختلفت ألسنتهم وألوانهم بينما ائتلفت قلوبهم على عقيدة التوحيد ويمموا جميعا نحو قبلة واحدة . منهم أعلام في فقه الشريعة ، وجهابذة في الفكر الإسلامي ورجال دعوة ذاع صيتهم حتى سارت بذكرهم الركبان .
وقد أوصى الملك الحسن الثاني رحمه الله بترجمة هذه الدروس إلى اللغات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية ، وطبعها ونشرها في العالم إسهاما من المملكة المغربية في إغناء المكتبة الإسلامية العالمية بمادة دعوية علمية رصينة .
والجدير بالذكر أن الملك الحسن الثاني قد كان له نصيب من هذه الدروس ، حيث ألقى ثلاثة منها : الدرس الأول كان يوم 12 من رمضان 1386عام للهجرة والموافق ل25 نوفمبر عام 1966 للميلاد ، وكان انطلاقا من الحديث الشريف : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه … إلى آخر الحديث .
أما الدرس الثاني فقد كان في السنة الموالية أي عام 1967 للميلاد ، وكان انطلاقا من الحديث الشريف : كم من رجل لو أقسم على الله لأبره .
والدرس الثالث كان في العام 1968 للميلاد تحت عنوان : الأمانة وجلال قدرها .
وكان مما جاء في كلامه رحمه الله في درس مرتجل بعد المقدمة : * معشر السادة والأساتذة ، رأيت من الواجب على أن أقوم بحديث ولو بحديث فضولي متطفل عند انتهاء الدروس الدينية التي تقام كل سنة في شهر رمضان ، وقد أجهدت نفسي على أن لا أرجع إلى مرجع ولا أطالع كتابا أو تفسيرا أو تأويلا ، حتى يكون حديثي هذا بمثابة امتحان لا لي فحسب ولكن لجيلي ، ذلك الجيل الذي قضى أكثر أيامه في الكفاح ، ذلك الجيل الذي حجبت عنه حضارته ، ومنع من ثقافته ، ذلك الجيل الذي كان يذهب إلى الدرس وإلى التعليم خلسة ، خفية من الأعداء ومن المستعمرين
ولعل ما زاد سمة العالمية هذه دلالة أعمق بكثير : إنفتاح الدروس على كافة المذاهب الإسلامية المعتبرة ، سنية كانت أم شيعية أم إباضية ، بل إنها شكلت قبلة مفضلة للعديد من مشايخ الطرق الصوفية ، وهو الشيء الذي أكسبها أهلية غير عادية للإسهام في لملمة الصف الإسلامي المرتهل بفعل عوامل الهدم الكثيرة التي أثخنت جسم الأمة بالجراح ، وعملت على إذكاء نزوعات الفرقة والشقاق ، ودأبت على نصب الحواجز النفسية بين مكونات الجسد الواحد التي بات بأسها بينها شديدا بعد أن استبدلت لغة الشجار بلغة الحوار
وفي عهد الملك محمد السادس عرفت المرأة طريقها إلى منبر الدروس الحسنية حين ألقت الدكتورة رجاء الناجي المكاوي، الأستاذة بكلية الحقوق التابعة لجامعة محمد الخامس، درسا موضوعه : النظام الأسري الإسلامي مقارنة بما عليه الوضع الأسري في المجتمعات الغربية .
ولا يدع إلى هذه الدروس فقط العلماء والدعاة ، بل يدعى إليه القراء من المغرب وخارجه وهم الذين يقرؤون في الجلسة وعلى أمواج الإذاعة والتلفزيون ما تيسر لهم في انتظار افتتاح الدرس ، ولعل أشهر القراء الذين تم استدعاؤهم الشيح محمد عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله وذلك في العام 1983 للميلاد ، وهي السنة التي شارك فيها في قراءة ثاني مسيرة قرآنية وختمها ، بقراءة ورش المعتمدة في المملكة المغربية أما الختمة الأولى فكانت للمقرئ المغربي عبد الحميد حساين رحمه الله في العام 1982 للميلاد .
ونختم بشهادة قيمة أدلى بها العلامة الشيخ عبد الفتاح أبوغدة بحضرة الملك الراحل الحسن الثاني، حيث خاطبه بقوله: “لقد تفردتم في هذا العصر، من بين الملوك والرؤساء، بهذه السنة السنية وهذا الفضل الفريد؛ وتفردتم أيضا بأنكم حين تجمعون العلماء تجمعونهم لإعزازهم ورفع مقامهم وإعلاء شأنهم، تجمعونهم وتجلسون بين أيديهم متواضعين مصغين مجلين معتقدين بقداسة ما يقولون من كتاب وسنة وفكر إسلامي صحيح، سلفي أو خلفي، فأنتم بينهم في مقام الشهود لهم بصدق ما ينقلون وحق ما يقولون، وقد تنكر من تنكر للكتاب والسنة ممن أرى ذكرهم في هذا المجلس الطاهر من باب ذكر المنكر، وقد حفظت عنه مجالسكم المنيفة ومسامعكم الشريفة، فليس فضلكم مقصورا على جمع العلماء من أقطار الأرض فقط بل جمعهم من أقطار الأرض وبمشاركتكم لهم بالاعتقاد بالكتاب والسنة كما يعتقدون” |