إن ملاح مراكش وسخ الى درجة قصوى... في السابق، وبعد مشاهدتي لأحياء اليهود في المدن المغربية الأخرى، لم أكن أتصور وجود مكان أكثر مراكمة للأزبال والنفايات منها، لكنني اكتشفت أنني أخطأت الحدس بعد معاينة ملاح مراكش
وإذا كانت المعالم الأثرية نادرة في مراكش، فالمدينة لا تعدم الأسواق التي تتزاحم فيها الحشود المختلفة المكونة من البرابرة والزنوج واليهود، أسواق ذات أهمية قصوى بالنسبة للملاحظ الوافد من أوربا
هنا، تعرض كل أنواع المواد الغذائية، الحبوب، الخضر، الفواكه، حلويات سوداء محضرة بالذباب، والجراد المقلي أو المسلوق الذي يلتهمه عشاقه وهم يمسكونه من رجليه.. وثمة كذلك الجزارون ومنضداتهم المدماة ..
وفي مكان آخر، يوجد الحلاقون الذين يحلقون شعر زبنائهم عن آخره، بينما يجلس هؤلاء القرفصاء أمامهم ويمدون أعناقهم مثل المحكوم عليهم بالإعدام، هناك كذلك مروضو الثعابين ومحترفو الألعاب البهلوانية
و بعيدا عن هؤلاء وأولئك نصبت ألعاب الناعورة، وهي عبارة عن عجلات غير متقنة الصنع، علقت عليها أقفاص خشبية يتزاحم داخلها الصغار والكبار
و يحتضن موقع مجاور كاتبا عموميا مغربيا يخط رسالة لأحد الزبناء، وحين يخطئ ويكتب كلمة مكان أخرى، فإنه يبلل أصبعه ويوظفه كممحاة، وهو يستعمل حبرا مصنوعا من عصير بعض الفواكه الممزوج بنسغ حشرات مسحوقة، حبر قابل للزوال بالماء ونعثر فيه أحيانا على أجنحة الحشرات.. ووسط كل هذه الجمهرة، نصادف تجارا وزبناء قادمين من كل فج عميق، وخاصة من الجنوب، وجنودا مجردين من الأسلحة، واتباعا للزوايا والطرق الدينية ( عيساوة، حمادشة، درقاوة ،سوق العبيد بمراكش يستحق أكثر من زيارة واحدة، وهذا بالضبط ما فعلته
يقع السوق هذا في القيسارية، وهو عبارة عن ساحة فسيحة تحيط بها الأروقة، يتم ولوجها من باب واسع انطلاقا من أحد الأزقة... في يوم انعقاد السوق، يعج المكان بالزبناء، رجال يتكدسون بالأروقة وأمامهم، يمر البائع بمعية السلعة وهو يردد مزاياها على مسامعهم
سلع سوق العبيد بمراكش نساء وأطفال وتبدو الزنجيات اللواتي يُستعرضن مثل الأبقار في معرض البهائم كمن أصابه خبل، إذ ليس ثمة ما يشير إلى أن مصيرهن يفاجئهن وهن يعلمن بأن معاملة أسيادهن الجدد لن تتسم بالقساوة .وباستطاعة كل زبون مفترض لمس بضاعته البشرية ، أما الفحص الحميمي فتختص به عريفة وتقوم به في غرف الفندق ولا يتعرض الزبناء للغش إطلاقا، ولذا يقتني سلعته باطمئنان الأمة قوية، وأسنانها جيدة! هذا، وقد عاينت ذات يوم بيع زنجية شابة بالمزاد العلني مقابل سبعة وأربعين فرنكا
لم ينتبه أحد لحضوري، ولو حدث ذلك، لطلب مني الانصراف سبق وأكدت بأن النساء بمفردهن يعرضن للبيع بأسواق العبيد بالمغرب، ويعود السبب الى عشق الرجل المغربي للزنجيات وهناك من يقول أمة سوداء يعني في نفس الوقت وفي أغلب الأحيان زوجة السيد، ولهذا، فعدد الخلاسيين جد مرتفع ، بالبلد، كما هو الشأن كذلك بالنسبة للأهالي ذوي اللون الداكن ويؤدي السماح بتعدد الزوجات، شرط قدرة المسلم على النفقة عليهن، إلى معاملة الزنجيات ( اللواتي هن إماء وزوجات في ذات الحين) معاملة حسنة من طرف السادة / الأزواج وهذا ما يبرر ما لاحظناه مباشرة في بيوت متعددي الزوجات، حيث تتحدث الأمة الى سيدها بطريقة فجة وترد على ملاحظاته بدون احترام
ويشعر الإنسان، في مثل هذه المواقف، بمدى تقلص سلطة السيد على خادماته ! ثمة موضوع آخر لايخلو من أهمية ويستحق الملاحظة في مراكش، أو بالأحرى في عاصمة البلاد حيث يقيم السلطان، وهو الجيش وأنت تغادر المدينة، ترى قرب أسوارها وفي أماكن مختلفة، مخيمي السلطان العسكريين : معسكر سوس من جهة، ومن جهة أخرى معسكر فاس حيث نصبت خيمة جلالته العملاقة وسياج الكتان الذي يوجد خلفه مبدئيا الحريم ونظريا، فالسلطان دائما على أهبة الرحيل، إما للالتحاق بعاصمته في الشمال، وإما لمهمة تأديبية ضد رعاياه (؟) المنتفضين جنوبا
وبجوار خيام العساكر الكبيرة، تلمح خياما أصغر حجما مخصصة لـ نساء الجنود، وهن نسوة يؤدين لقائد المعسكر ضريبة أسبوعية ليسمح لهن بأداء عملهن! تستحق ضواحي مراكش الجميلة تخصيص الوقت الكافي للتجول بها.. ولهذا، كنا نغادر المدينة كل ظهر للنزهة في بساتين النخل المحيطة بها. هكذا، طفنا عدة مرات بأسوار عاصمة الجنوب، مارين أحيانا بمحاذاة السواكي الضخمة وأحيانا أخرى عابرين قرية المصابين بالجذام الواقعة قرب باب دكالة
زرنا، ذات يوم، الخزان الكبير الموجود غرب المدينة، والذي يزود سقاياتها بالماء عبر قناة تحت أرضية في ذلك اليوم، صادفنا على جنبات الخزان حوالي أربعين زنجية ومغربيا، كانوا شبه عراة ومنهمكين في تنظيف غسيلهم، ومن المعلوم أن المسلم لا يقوم بهذا إلا بعد أن تتسخ ملابسه إلى درجة قصوى! من هذه المياه المحملة بكل أنواع أوساخ الغسيل اليومي يشرب أهالي مراكش، ولهذا السبب، فالمدينة فضاء للإسهال والحمى الصفراء بامتياز! هذا، وفي مرة أخرى، صعدنا على متن جيادنا إلى جليز، الجبل المقدس القريب من مراكش، والذي تمنح أعاليه مشهدا خلابا للمدينة والأطلس الكبير
|