لم يعد هنالك مجال للشك بوجود حالة انقلاب في السياسة الخارجية الفرنسية في عهد الرئيس ساركوزي ووزير خارجيته كوشنير في ما يتعلق بقضايا الشرق الاوسط وجدية ارتباط هذه السياسة بالمواقف الامريكية. فقد تخلت فرنسا عن العديد من ثوابتها الدبلوماسية والتي كانت تتسم بقدر كبير من الاستقلالية والاعتداد بالنفس علي الاقل في مواجهة الرغبة الامريكية في الهيمنة علي اوروبا منذ مرحلة ما بعد مشروع مارشال والتلويح بالخطر الشيوعي الزاحف خلال فترة الحرب الباردة والتي دعا خلالها الجنرال ديغول الاوروبيين الي الاعتماد علي انفسهم في مواجهة الخطر السوفييتي لان الولايات المتحدة لن تجازف بتعريض مدنها للدمار النووي من اجل عيون الفرنسيين والبريطانيين او غيرهم، كما رفض الانضمام عسكريا الي حلف شمال الاطلسي، وكان معارضا في احايين كثيرة للتوجهات الامبريالية الامريكية .
ظلت فرنسا طوال عقود مناهضة للتفرد الامريكي، وان تواصل ذلك التمشي علي استحياء في عهد ميتيران فقد كان جليا وواضحا في توجهات الرئيس جاك شيراك- الديغولي الذي حاول طويلا بناء شخصية فرنسا كقوة دولية ذات مواقف مستقلة لا سيما في صراعه مع الادارة الامريكية حول الحرب علي العراق حين لوحت فرنسا باستخدام حق الفيتو واقفة بكل وضوح امام الجموح الامريكي وقد تعرضت تبعا لذلك لحملة شعواء وصفت خلالها بانها جزء من اوروبا العجوز والمتهالكة.
ويبدو ان ساركوزي ووزير خارجيته برنار كوشنير ارادا ان يثبتا ان فرنسا اصبحت تضج شبابا وحيوية، وانها قطعت نهائيا مع تراث جاك شيراك العتيق وقد ضخت في شرايينها دماء جديدة وبدات تتكلم لغة مختلفة بمفردات ولكنة امريكية واضحة، فالسيد كوشنير كان قبل توليه حقيبة الخارجية من اشد المتحمسين للتدخل الامريكي في افغانستان والعراق والمؤيدين له، وهو صاحب نظرية التدخل الانساني الذي يبرره في تصريح لصحيفة لوس انجليس تايمز بتاريخ 18 تشرين الاول (اكتوبر) 1999 بقوله ان التهمة بان حقوق الانسان ضد بعض القواعد الثقافية المحلية لا تصلح حجة ضد حق التدخل ... فاذا اعترضت امراة مسلمة من السودان علي ختان الاناث او اعترضت امراة صينية علي تربيط قدميها، فان الحقوق تنتهك هنا، وتحتاج هذه المراة وتلك الي الحماية، والتعلل بان مثل هذا القمع هو جزء من هوية ثقافية حضارية مقدسة، ليس الا هراء وكلاما فارغا ، وهذا الكلام للسيد كوشنير يتنزل في صلب المنطلقات التي اسّست للحقبة الاستعمارية الغربية الاولي وهي الآن من الاسس الفكرية للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة في هجمتهم الاستعمارية الجديدة، وتبعا لذلك كانت زيارة كوشنير للعراق مباركة للاحتلال الامريكي، وتكفيرا عن ذنب شيراك في رفضه لاحتلال هذا البلد وتدميره، وتأييدا لما تقوم به الولايات المتحدة من تدخل انساني هناك او في افغانستان، كما تعد مؤشرا جليا علي انضمام فرنسا نهائيا الي الجوقة الامريكية وهو ما اكده ساركوزي في خطابه الاخير لدي الجمعية العامة حين لم يطلب من الولايات المتحدة الانسحاب من العراق، كما كان يفعل سلفه، واكتفي بمغازلة ادارة بوش مؤكدا ان فرنسا لم تعد كما كانت، وهي لن تقف ضد اي توجه امريكي. وقد اسهب في بيان تماثل وجهات النظر خاصة حول قضايا الشرق الاوسط ومنها الملف النووي الايراني حيث تبدو فرنسا اكثر اصرارا علي شن الحرب علي ايران من الولايات المتحدة نفسها وكانها تريد ان تثبت ندمها علي ما فاتها، وتبرز قوة دورها في سياق الاجندة الامريكية حيال ايران والمنطقة، وكذلك الشأن في ما يتعلق بالملف اللبناني حيث اصبحت فرنسا تعمل في اطار المشروع الامريكي الذي يسعي لاثارة الفوضي الخلاقة هناك كبداية لمحاصرة المقاومة وضربها، فلم تعد فرنسا حينئذ تتصرف كقوة دولية مؤثرة ذات نفوذ تقليدي في لبنان والذي يمتلك فيه مفاتيح حل اكثر من الولايات المتحدة نفسها .
هذه التوجهات الفرنسية الجديدة التي اصبحت تبارك كل ما تقوم به الولايات المتحدة من انتهاكات لحقوق الانسان الفردية والجماعية في العراق وافغانستان وفي كل مكان والتي اضحت في حالة من التوحد مع السياسة الامريكية دون ان يكون لذلك انعكاسات ايجابية واضحة علي المصالح الفرنسية، بدأ يثير سخط فئة كبيرة من الفرنسيين، لا سيما وان تاثيرات اعجاب ساركوزي بالنموذج الامريكي طالت حتي الشؤون الداخلية. ويري الكثيرون ومن بينهم رئيس الوزراء الاسبق دومينيك دوفيلبان بان سياسة ساركوزي هذه اضرت بهيبة فرنسا التي بذلت علي مدي عقود جهودا كبيرة من اجل الحفاظ علي استقلال قرارها السياسي ومن ورائها الاتحاد الاوروبي الذي كان باستمرار هدفا امريكيا علي المستوي السياسي والاقتصادي وحولت فرنسا القوة الكبري الي وضع تابع، تماما كما كانت بريطانيا توني بلير ، الذي رحل وسكنت روحه الامريكية قلب وعقل ولسان ساركوزي
زهير حمداني / جريدة القدس العربي
|