بقلم عبد الرحمان أزليم (مـديـــــــر تـربــــــوي)
تقديم:
إنه من خلال رأي المختصين وغيرهم، وقع إجماع وطني على فشل منظومتنا التعليمية فشلا ذريعا أوصلنا إلى تقرير دولي يصنفنا في أسفل السافلين. لذلك طرحت أسئلة عدة حول هذا الفشل، أهو فشل مقصود ؟ أم هل هو فشل عرضي؟ أم أنه فشل حتمي ؟ إنها أسئلة أيقظت كل الأصوات والأقلام، فكتب الكثير و قيل الكثير، فتوج الأمر بتدخل الجهات المسؤولة على القطاع وتكلمت بلغة التقارير لرصد مكامن الضعف والخلل من أجل وضع خطة الإصلاح و جداول الأعمال.
لكن المؤسف في الأمر، والذي أضر بقلوب كل الغيورين على منظومتنا، هو لماذا نحن لا نستيقظ إلا بالصفعات ولا نتحرك إلا بعد الفضيحة أو الكارثة ؟ فهل أزيد من خمسين سنة بعد استقلال البلاد لم تكفينا لوضع الخطط واتخاذ التدابير وسرد التقارير؟ باختصار القول إن جل الحكومات المتعاقبة على البلاد لم تفكر قط في إصلاح المنظومة بنظرة المشروع، لذلك بقيت مبادرات الإصلاح تطغى عليها مواقف حزبية مختلفة ومرجعيات ذات خلفيات متضاربة ملفوفة بأهداف خاصة، أضف إلى ذلك منطق الدولة المخزنية القائم على مبدأي التضعيف والتصعيد. و نتيجة هذا العبث وصول الأمة إلى الباب المسدود وفاضت الكؤوس فأحرج الجميع من الصغير و الكبير، ليبدأ التحرك بوعي وبغير وعي، لربما إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ولنرى هل سيصلح العطار ما أفسده الدهر؟
إن اطلاعنا على التقرير الأخير للمجلس الأعلى للتعليم و بعد تحليله و مناقشته يتضح الأمر أن هذا الأخير جانب الصواب في مجموعة من الأمور الحقيقية التي أدت إلى هدا الفشل، حيث جاء هذا التقرير ذو طبيعة عامة و فظفاظة بأسلوب رسمي بامتياز، وبالتالي لا يجب الإعتقاد أن هذا الأخير وقف وقفة حقيقية على أهم الأسباب التي أدت إلى هذه الأحوال، فرغم ضخامة كمه و كثرة سرده للإحصائيات ووصفة لحالة المنظومة، فإن الأمر يحتاج إلى تفسير عميق لأهم مختلف العوامل التي أدت إلى ذلك، مع مقاربة تحليلية لأسباب هذه العوامل، لأجل وضع الحلول المرضية بحكامة سديدة.
فرغم كل مبادرات الإصلاح التي اتخذت مع بداية العهد الجديد للأمة من خلق الآليات والمؤسسات ومراجعة الأسس والمناهج والبرامج، وتفعيل دور الأكاديميات الجهوية، فإن عدم تتبع هذه المبادرات من الناحية الواقعية والتطبيقية جعلها دون تحقيق الأهداف المتوخاة. الشيء الذي صعد من حدة التقارير الدولية وأيأس الرأي العام الوطني، وأفقد أمله في هذا الإصلاح.
فبعد هذا التقديم المتواضع، وبناء على إحساسنا الجياش وغيرتنا على هذه المنظومة، وانطلاقا من مسيرتنا الدراسية كتلميذ، واعتمادا على تجربتنا كأستاذ، ثم كمدير، نود تقديم مقاربتنا حول فشل منظومتنا التربوية، انطلاقا من تحليل ومناقشة مجموعة من المعطيات والتي في اعتقادنا يمكن اعتبارها من مسببات هذا الفشل. وهي كالتالي:
1- اعتماد مبدأ الإرتجال واللامبلات في اتخاذ قرارات الإصلاح.
إن منطق القول يقضي بأن فشل أي مشروع يرجع بالأساس إما إلى فشل صياغته أو فشل إستراتيجية عمله أو هما معا. وبالتالي ففشل منظومتنا التربوية يرجع بالأساس إلى فشل صياغة مشروعها الذي لم يقم منذ بدايته على أهداف و غايات واضحين بعد استقلال البلاد، إضافة إلى فشل المناهج والإستراتيجية اللذين اعتمادا على مبدأ حقل التجارب فبدأ بالتعريب ثم الفرنسة وإلى التعريب وإليهما معا ثم التقليد فإلى التحديث، فكل ذلك نتيجة الارتجال واللامبلات في اتخاذ القرارات المصيرية والتي لا تسبقها لا بحوث ميدانية ولا دراسات إحصائية. والسبب في ذلك أن أصحاب تلك القرارات لربما كانوا منشغلين بمنظومات تربوية أخرى غربية والسعي إلى الاستفادة من مردوديتها استفادة خاصة دون ترجمة مضامينها لإلى منظومتنا، فأقتصر أمرهم ببعث أبنائهم وأقاربهم للدراسة خارج الوطن إيمانا منهم أن منظومتنا لن تصل إلى المستوى المطلوب. ولا أحد سينازع في فشل إصلاح لم يستهدف واضعه.
فتعاقب حكومات المتعددة خلال كل هذه الفترات وبعقليات متقاربة ومتشابهة أحيانا في الأفكار والأبعاد والأهداف والأطماع، جعل الهوة تتسع بين كل إصلاح وإصلاح. و بين هذا وذلك مرت أزيد من خمسين سنة دون أن تترك على الأقل إرساء الجذوع وتثبيت الجذور حتى يقوم عليها أي إصلاح جديد، فأصبح الأمر يبدو صعبا و مكلفا لأن جسم المنظومة أصيب بأكمله وصار الإصلاح محتار بمن سيبدأ هل بالقواعد والنصوص أم بالبرامج والمناهج أم بالأطر والتلاميذ أم بالبنى والتخطيط. في حقيقة الأمر مخلفات أثقلت كاهل الأمة. نتمنى أخذ العبر والحكم حتى تنجز الأمور في أوقاتها ولا تبقى عالة على المراحل القادمة.
2- استهداف المنظومة وأطرها في مراحل معينة من طرف الدولة المخزنية:
إن أسباب هذا الفشل كذلك في نظرنا، هي تلك المواقف التي اتخذتها الدولة المخزنية خلال عقود الستينيات و السبعينيات، القائمة على الكره والتنقيص والتقزيم، والتي استهدفت رجال التعليم على اعتبار أنهم مصدر التشويش وفضح مصالح الحكومات المخزنية، مما أدى إلى نوع من الإهمال واالإقصاء لمرافق المنظومة وأطرها انتقاما من تطور وعيهم السياسي والفطري في تلك المرحلة و اللذان اتخذا اتجاها قد يفوق وعي و ثقافة الدولة المخزنية نفسها.
وقد أدى هذا الاستهداف إلى تراجع وضعف مردودية أطر المنظومة وخصوصا عندما أصبح المعلم والأستاذ والمدير محل استهزاء وسخرية وتنكيت من طرف مستهدفيهم، فانتشرت أساليب النكتة.
"هذا واحد المعلم و............" "هذا واحد لستاد و .............." هذا واحد لكشاش (المعلم) و..........".
كل هذه الاستراتيجيات والأساليب أدت بإحساس رجال التعليم بنوع من الإهمال والتنكيل والإنتقاض، ونتج عن ذلك ردة فعل قوية لأطر المنظومة تمظهرت في مسلسل اللامبالات والعبث في العمل، وفقدان الثقة والأمل، وعم مبدأ حرب الجميع ضد الجميع. إنها مرحلة ضيعت الكثير عنا وخلقت الكثير لنا.
لكن "هل الذي صفع بيده يحلو له البكاء؟" فقط متمنياتنا أن يع الجميع بخطورة المرحلة ويسع لصيانة المهنة وأهلها
3- غياب التخطيط والدراسات الميدانية لرصد مشاكل المنظومة
فبالاضافة إلى السببين السابقين الإستهداف والإرتجال هناك سبب آخر مفاده هو غياب التخطيط والدراسة الحقيقيين في مختلف مكونات المنظومة التربوية، فباستثناء بعض الإحصائيات الرسمية المتضاربة أحيانا والمغلوطة أحيانا أخرى، نكاد نقول أن برنامج التخطيط والدراسة سواء القبلية أو البعدية لا يعكس الحقيقة في جميع الأحوال، مما جعل قرارات الإصلاح مبنية على إحصائيات مغلوطة وخاطئة، الشيء الذي يترتب عنه فشل في التخطيط وفي النتائج. لذلك فالسبيل الوحيد لوضع برنامج الإصلاح هو التحكم الجيد في نتائج التخطيط والدراسة لأن عليهما يقوم هذا الأخير. فبدون تخطيط ودراسة حقيقيين لا يمكن الحديث عن أي إصلاح.
4- انعدام تتبع العمل التربوي والإداري للمؤسسات التعليمية.
إن أي إصلاح لا تتبعه عملية المراقبة والتقويم فمآله الفشل، لذلك فالفشل الذي نلامسه اليوم داخل منظومتنا التربوية هو نتيجة كذلك لغياب عمليات المراقبة التربوية و الإدارية الجادة.
فبمجرد صدور القرارات والمذكرات الإدارية عن الجهات الوصية وترتيبها وتصنيفها من طرف رؤساء المؤسسات على الرفوف، جعل تفعيل مضامينها "إن كان هناك فعلا مضمونا " تنتهي عند هذه العملية.وهل يمكن انتظار مردودية مؤسسات تعليمية لن تخضع لا لمراقبة إدارية ولا تربوية ولا أي تقويم لسنوات متعددة، لسبب بسيط هو أن المكلفين بهذه العملية منشغلين بمراقبة مؤسسات أخرى التي تدر عليهم أرباحا وتنسيهم رتابة عمل المؤسسات العمومية، ولا حركة للمسؤولين عن هذه الهيئات كأنها خلقت لخدمة قطاع وإهمال قطاع آخر.
فمنظومة التعليم إذا كان هدفها هو التلميذ فإن أطرافها متعددة ومسؤولياتها منقسمة، قسط للمدرس، وقسط للمدير، وقسط للمؤطر، وأقساط أخرى للرؤساء والمصالح الوصية. فلا يعقل أن ننتظر مردودية مدرس أو مدير لم يخضع لأية مراقبة إدارية أو تربوية جادة وبمعايير موضوعية طيلة اشتغاله بمؤسسة معينة قبل انتقاله.
لذلك فمن الواجب والمفروض على الجهات الوصية لإصلاح قطاع التربية والتعليم أن يأخذ بالاعتبار مسألة المراقبة الإدارية والتربوية لكل مؤسسة تعليمية أنشئت من أجل هذه المهمة، كما عليها وضع برنامج لمراقبة الهيئات المكلفة بهذه المراقبة نفسها.
5- غياب معايير لاختيار الموارد البشرية للمنظومة:
إذا توقف الفكر الحديث عن مقولة مفادها أن الموارد البشرية هي أساس نجاح أي مشروع أو فشله، فإن السياسة التعليمية في بلادنا مازالت بعيدة كل البعد عن هذا المعيار مند بداية الاستقلال حيث حينما تتقدم الدولة لتوظيف أطر التربية والتعليم لا تأخذ في الحسبان سواء بعض المعايير المعرفية مع غض الترف عن كل المعايير الأخرى من أخلاق و سلوك ومبادئ إنسانية، مما فتح الباب لتسرب طبقة معينة إلى القطاع التي تفتقد أدنى شروط السلوكات اللائقة بالمجال فنتج عن ذلك انتشار العمل بدون ضمير مهني و ظهور ظواهر أخلاقية تمس بالتلميذ، من تحرشات جنسية واستغلالات بمختلف تمظهراتها، مما جعل النظرة تتغير في حق رجل التعليم وسحبت نسبة عالية من الثقة، فأمس ذلك جميع شرائح المنظومة بسب هذه الطبقة الحقيرة الدنيئة مما أثر على المردودية بمختلف أشكالها، فساهمت إلى جانب الأسباب الأخرى في فشل القطاع أو السعي وراءه. فكل ذلك نتيجة لمبدأ اختيار الموارد الذي لا يقوم على أي معيار موضوعي في بدايته ولا على أية برامج لتتبع و تخليق المهنة وأطرها لرصد كل هذه الظواهر المشينة التي تمس بالقطاع وبأسرته، فلا أحد يتحدث عن هذه المواضيع حتى تصير فلذات الأكباد وضحايا أولئك الذين لا تحركم لا ظوابط مهنية ولا مبادئ أخلاقية و إنسانية بقدر ما تحكمهم نزواتهم الطائشة والجامحة.
و الجميع يتذكر الحالات المعروضة على محاكمنا من مختلف المدن المغربية، بعضها صدرت فيها أحكام لم تشفي غليل الضحايا وأسرهم وبعضها ما زال ينتظر برفوف المحاكم، و الجيل الصاعد هو من يعاني من مخلفات هذه الظواهر. لذلك نتمنى من واضعي الإصلاح وضع صوب أمام أعينهم برامج تخليق المهنة ورصد الطبقات الحاملة لعدوى الأمراض الأخلاقية والضرب على أيديها قبل فوات الأوان، لعل منظومتنا تستدرك ما فقدته منذ سنوات ولت.
6- اعتماد نظام المركزية في اتخاذ القرارات:
إن تطور النظم الإدارية بالمغرب خلال السنوات الأخيرة أفرزت نظام اللامركزية الإدارية ونظام الجهوية، والذي ترتب عنه تفويض بعض الاختصاصات والمسؤوليات لبعض المؤسسات كالأكاديميات الجهوية في قطاع التربية والتعليم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو : هل فعلا هذا النظام يعكس الحقيقة على مستوى الواقع؟ أم أنه مجرد نظام إداري مسطر على مستوى القوانين من دون التفعيل والتطبيق الفعليين، ربما وفي نظرنا أن نظام المركزية في اتخاذ جميع القرارات التي تهم المنظومة التربوية مازال يلعب دورا أساسيا في فشل هذه الأخيرة. لأنه بمجرد ما يسافر إطار إداري أو تربوي من أجل تسوية وضعيته المادية أو الإدارية في مراكز القرار لدى الجهات المركزية بمقر الوزارات الوصية، ويستغرق منه ذلك أياما أو أسابيعا فهذا يكفينا بالإقرار بفشل نوع هذه الأنظمة، حيث ما دام كل أطر المنظومة مرتبطين ماليا وإداريا بنظام المركزية، لا يمكننا الحديث نهائيا عن آية جهوية ولا لامركزية، وربما بعض الإخوان الإداريين والتربويين الذين مروا من تسويات أوضاعهم يعرفون هذه الأمور حق المعرفة. أما عن الآثار المترتبة فحدث ولا حرج، آثر يمس بأحوال الأطر ماديا ومعنويا و يضرب مصلحة التلميذ عرض الحائط.
فهل هناك أدنى شك في الفشل مادام توقيع وثيقة إدارية واحدة من طرف إطار يقتضي منه التعسف على وحدة دراسية أو وحدتين من أجل تحقيق هذا الغرض. فعلى هذا الأساس فإصلاح المنظومة التربوية يقتضي منا إصلاح النظم الإدارية وتفعيل نظام اللامركزية والجهوية تفعيلا حقيقيا في مختلف مصالح أطر القطاع الإدارية والمالية. كما يجب منح اختصاصات وصلاحيات حقيقية في اتخاذ القرارات التي تهم كل جهة حسب خصوصيتها الاجتماعية والاقتصادية والإدارية والتربوية، الشيء الذي سيقلل من متاعب الشغيلة، ويمنح فرص التكافؤ، و يربح رهان التوافق ويحارب أنواع التملص بواسطة الرخص والغياب المقنن، ففي القرب اختصار وفي البعد خسارة.
7- غياب نظام برنامج الأنشطة الموازية داخل المؤسسات التعليمية:
بعد سردنا لمجموعة من الأسباب المؤدية والمساهمة في فثور مردودية منظومتنا التربوية، هناك بعض الأسباب الأخرى والتي لا تقل أهمية عن سابقتها و من بينها قلة أو انعدام برنامج الأنشطة الموازية في جل المؤسسات التعليمية، على اعتبار أن واضعي البرنامج يقللون من أهمية هذه العوامل التنشيطية، إيمانا منهم أن العملية التعليمية التعلمية مقتصرة فقط على عملية تحصيل المعارف بناء على النظريات التقليدية، والتي ربما لا يعلمون غيرها، الشيء الذي يؤدي بهؤلاء إلى عدم التفكير في مضمون وهدف هذه البرامج ولا حتى في وسائل ونفقات تدبيرها. وطبعا الكل يعلم نتيجة وآثار إهمال هذه الجوانب داخل مؤسساتنا. وربما بروز الظواهر الاجتماعية خلال هذه السنوات الأخيرة من انحرافات، وأنواع العنف، لخير دليل على فشل المنظومة في تقويم سلوك أفراد مجتمعها. لأنه أصبح دور المؤسسة التعليمية بمختلف أسلاكها إما أن تخرج طبقة اجتماعية رفيعة المستوى تتبنى العلم والمعرفة لأنها قابلة لذلك (أساتذة، أطباء، محامون، صحفيون، رجال أعمال إلخ.....) أو أن تخرج منحرفون فاشلون ( لصوص، مجرمون، مهاجرون سريون إلخ.....)، وكل هذا لسبب بسيط هو أن مؤسساتنا تحتوي فقط على مجال واحد للتخرج وهو المجال القائم على المعرفة والعلم ومن دونهما فلا مجال لكل من سولت له نفسه اختيار مجال آخر يقوم على التنشيط والإبداع.
ومن هذا المنطلق فكل طفل أو تلميذ أو طالب برزت رغبته في العلم والمعرفة، وساعفته الظروف طبعا فإنه قد يشق طريق النجاح والفلاح فيعود بمنفعة لنفسه ولمجتمعه، أما إذا قدر الله وبرزت رغبته في الميول للإبداع بمختلف مجالاته فإن هذا الأخير يصل إلى الباب المسدود لأن أمله فقد في العلم و المعرفة. والمؤسسة لا توفر غيرهما مما يؤدي إلى العزوف ثم كره المؤسسة، ويليه الطرد ثم الشارع، فالعادات السيئة، فالانتقام ليختم بالإنفجار فتكون الحصيلة ثقيلة على المجتمع.
فبناء على هذه النتائج الوخيمة لابد للمشرع التربوي أن يأخذ في الإعتبار عند تفكيره في الإصلاح الشامل للمنظومة، عوامل التنشيط الموازي لعملية التعلم القائم على برنامج متكامل ومتنوع يراعي خصوصيات مختلف الأسلاك الدراسية، من دون أن ينسى تهيئ وإعداد أطر هذه المادة وما تستلزمها من نفقات ووسائل، حيث من غير المنطقي أن تحتوي المؤسسة على أزيد من أربعين إطارا من مختلف التخصصات من دون وجود ولو أستاذ واحد يختص بتنفيذ وتدبير مواد الأنشطة الموازية، من مسرح وموسيقى ومختلف الفنون الأخرى. لأن منظور التربية والتعليم اليوم تغير بكثير عن الأمس. أما التلميذ فأشكال وأنواع واتجاهات، وبالتالي فكلما لم تستجب عملية التربية والتعليم لجميع حاجيات ورغبات المتعلمين في مختلف التخصصات والفنون فإنها ستبقى قاصرة الأهداف، وبالتالي ستصبح المؤسسات تنقذ ثلث التلاميذ وتضحي بالثلثين. فكم من تلميذ كان سيصبح فنانا مرموقا لولا تهيأت له الظروف واستثمر مؤهلاته تحت رغباته داخل مؤسسته، لكن حرمانه وإهمال ميولا ته جعل منه فعلا مبدعا و لكن في المحرمات.
ولذلك نتمنى لمشرعنا التربوي أن يأخذ العبر والحكم من النتائج التي آلت إليها عقود من التربية والتعليم القائمين على الإهمال و الحرمان لجوانب في شخصية المتعلم قد تصنع منه فردا سويا أو مريضا. ليفتح المجال لكل حاجيات ورغبات المتعلمين تحت برامج أنشطة موازية مدروسة، في أحضان مؤسساتهم برعاية أساتذة متخصصين داخل فضاءات وبوسائل قد تنسي المتعلمين إغراءات الواقع السلبي وتشجعهم على السعي وراء العلم والمعرفة. ولتصبح المدرسة أما بدل الأم مدرسة، إذا أعددناها أعددنا شعبا طيب الأعراق.
8- فصل الإعلام عن خدمة المنظومة.
لا يخفى على أحد أن اليوم أصبحت وسائل الإعلام بمختلف ألوانها سلطة رابعة في المجتمع حيث بإمكانها مراقبة وتقويم عمل السلطات الثلاثة (التشريعية، التنفيذية، القضائية). لكن السؤال المطروح هل فعلا وسائل إعلامنا تقوم بهذا الدور؟ أكيد الجواب بالنفي، على اعتبار أن مجال الإعلام ببلادنا تعيقه عدة إكراهات مادية ومعنوية، الشيء الذي يضع مبدأ المراقبة والتقويم في فصل تام مما زاد من وثيرة الفشل لجميع المجالات والتربية والتكوين بوجه خاص، نظرا لغياب الوعي التعليمي والتربوي عند جل طبقات المجتمع، و الذي هو من اختصاص وسائل الإعلام. أضف إلى ذلك أن عملية تتبع العمل الإداري والتربوي لأطر المنظومة والتي ساهم فيها وسائل الإعلام في جزئها الكبير، تكاد تغيب إذا استثنينا طبعا عرض بعض الحالات ومناقشة بعض المواضيع فقط بشكل عرضي و محتشم وبدون أهداف مسطرة سلفا.
فمتمنياتنا من الإعلام الوطني أن يضع صوب أعينه خدمة المنظومة التربوية بشكل هادف وذلك بنشر ثقافة تربوية وتتبع مشاكل القطاع بشكل حازم ورصد مكامن الخلل على مستوى المناهج والبرامج والأطر، لعله يساهم في وضع اللبنات الأساسية في إعادة إصلاح هذا المجال. فبدون إعلام بناء ومراقب ومقوم فلا يمكن الحديث عن أي إصلاح.
وختاما لهذا المقال المتواضع أود التذكير أن عملية إصلاح المنظومة التربوية إصلاحا حقيقيا يتوقف إجمالا على رصد أولا كل المشاكل والإختلالات التي تعترض كل من التلميذ والأستاذ والبرنامج والمنهج والإطار الإداري وبنية المؤسسات والتسيير والتدبير، ثم محاولة معالجتها معالجة المشروع بناء على مخططات تدريجية، لعلنا نتبوأ المراتب المحترمة عند التقارير الدولية القادمة.
و الله ولي التوفيق
|