بقلم : عبد الإله أبوالأشواق (جامعة القاضي عياض)
التشريع الإسباني :
تصدى المشرع الاسباني لهذه المسألة، وقام بتحديد علامات الموت وإن اختلفت من تشريع لآخر، فوفقا لتشريع 30 أبريل 1951 أخذ المشرع الاسباني بمعيار الموت الجسدي،إلا أنه بمقتضى التشريع رقم 42 لعام 1980 قد أخذ بمعيار الموت الدماغي.
ب - التشريعات العربية
أستعرض فيما يلي التشريع السعودي والسوري
التشريع السعودي :
وفقا لقرار وزير الصحة السعودي رقم 108-1-29 لعام 1414 هجرية فإن إعلان الوفاة من الطبيب يستند إلى ضرورة التحقق من الوفاة الدماغية بصورة قاطعة، وأوضح القرار المذكور العلامات التي يتمكن بها الأطباء من تشخيص حدوث الوفاة الدماغية، وبذلك يتضح تبني النظام السعودي هو الآخر لمعيار الموت الدماغي.
التشريع السوري:
نصت المادة الخامسة من القانون رقم 31 لسنة 1972 والمتعلق بنقل الأعضاء على أنه لايجوز فتح الجثة ولانقل أعضاء منها إلا بعد التأكد من الوفاة بموجب تقرير من لجنة مؤلفة من ثلاثة أطباء وفقا للتعليمات التي تصدرها وزارة الصحة، ومسايرة لنص المادة السابقة أصدرت وزارة الصحة السورية بتاريخ 8 يوليوز 1973 توصيتها في هذا المجال والتي تنص على أن تحديد الوفاة يستند إلى تقرير محرر من لدن ثلاثة أطباء، كما يستند إلى توقف العلامات الحياتية الآتية مجتمعة لمدة خمس دقائق وهي :
1 انعدام النبض
2 انعدام دقات القلب
3 توقف التنفس
4 انعدام الضغط الشرياني
بذلك يتضح أن تحديد الوفاة في التشريع السوري يستند إلى توقف القلب والرئتان، مما يعني تبنيه لمعيار الموت الظاهري لتحديد الموت.
2- التشريعات التي التزمت الصمت في تحديدها لمعيار الوفاة
يمثل هذا الاتجاه قلة من التشريعات التي لم تحاول اللحاق بركب التقدم والاكتشافات الحديثة في المجال الطبي، والتزمت الصمت إزاء تحديد لحظة الوفاة.
أ- التشريعات الغربية
أكتفي هنا بالتشريع البلجيكي الذي لم يتعرض لكيفية تحديد الوفاة، وكل ما ألمسه في هذا الصدد هو ما نصت عليه المادة 77 من قانون الأحوال المدنية البلجيكي التي تنص على أن التأكد من حدوث الوفاة يقع على عاتق ضابط الأحوال المدنية الذي يتعين عليه اللجوء إلى الأطباء في ذلك حتى يمكنه التصريح بدفن الجثة، كما أن القانون الجنائي البلجيكي لم يتعرض هو الآخر لهذه المسألة، مقتصرا على تجريم دفن الجثة دون الحصول على تصريح من ضابط الأحوال المدنية وفقا لما نصت عليه المادة 77 من قانون الأحوال المدنية البلجيكي.
ب- التشريعات العربية
أستعرض فيما يلي التشريعين المغربي والمصري
التشريع المغربي :
لم يعرف المشرع المغربي الوفاة، كما أنه لم يحدد المعيار الواجب إتباعه لتحديد لحظة الموت، تاركا ذلك لتقدير أهل الخبرة، و كل ما ألمسه في هذا الصدد ما نصت عليه المادة 32 من المرسوم التطبيقي لقانون الحالة المدنية رقم 37.99 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.239 بتاريخ 3 أكتوبر 2002 من أن التصريح بالوفاة يدعم بشهادة معاينة مسلمة من طرف الطبيب أو الممرض التابع للصحة العمومية، وإذا تعذر ذلك، بشهادة معاينة مسلمة من طرف ممثل السلطة المختصة، وإذا وقعت الوفاة في ظروف غير عادية كالجريمة أو الحادثة أو اشتبه في كونها غير عادية لا يقبل التصريح بها إلا بإذن من وكيل الملك المختص.
التشريع المصري :
لم يعرف المشرع المصري الوفاة، كما أنه لم يحدد المعيار الواجب اتباعه لتحديد لحظة الوفاة، تاركا ذلك لتقدير أهل الخبرة، وهم هنا الأطباء وتبعا لذلك لم يحدد قانون الأحوال المدنية المصري رقم 58 لسنة 1980 معيار الموت تاركا ذلك إلى الطبيب، ووفق تقديره المطلق، وأصول مهنته الطبية، إذ أحالت المادة 23 من القانون المذكور تشخيص الوفاة إلى مفتش الصحة المختص محليا بتوقيع الكشف الطبي على الجثة.
تعقيب على التشريعات
حازت التشريعات التي التزمت الصمت بشأن تحديد لحظة الوفاة التأييد من قبل بعض الفقه على أساس أنه ليس من عمل المشرع تعريف الموت، لكونه مسألة طبية خالصة، فضلا عن أن العلم يتطور ويكتشف الجديد في هذا المجال، الأمر الذي يصيب التعريف القانوني بالجمود والتخلف عن مواكبة التقدم في مجال الطب.
وفي المقابل تعرض نفس الاتجاه للانتقاد من قبل العديد من الفقهاء وهو ما أتفق معه، ومن هذه الانتقادات أن من شأن هذا الاتجاه منح الأطباء صكا على بياض للاعتداء على حق الإنسان في الحياة - وهو أعلى الحقوق الشخصية على الإطلاق - وذلك دون أدنى مسؤولية تلاحقهم، وتبدو خطورة الصك على بياض، بالنسبة للأطباء الذين أجهدهم محاولة إنعاش المريض لاسترداد وعيه، إذ يخشى أن تحبط هممهم فيتسرعوا بإصدار قرار بوفاة المريض بغية وقف جهودهم هذه، وذلك إذا شعروا بأنه لافائدة مرجوة من وراء جهودهم، ناهيك عن البلبلة والخوف الذي يسود الأفراد خشية تعرضهم لهذا التشخيص الخاطئ من جانب الأطباء، لاسيما في ظل غياب معيار محدد للحطة الوفاة، وكذلك القلق الذي يسيطر على أسرهم خشية أن يتسرع الأطباء في إيقاف أجهزة الإنعاش.
لذا يفضل أن يتصدى المشرع في هذه الدول ومنها المغرب لتعريف الموت، وتحديد العلامات التي يتعين على الطبيب الاستناد إليها للتأكد من حدوث الوفاة، ولا يخشى من ذلك أن يتخلف القانون عن التقدم الطبي في هذا المجال، فليس هناك ما يحول بين المشرع وبين ملاحقة موكب التقدم في هذا المجال، وسن تشريعات تتماشى مع الاكتشافات الحديثة في هذا المجال، فالتشريع وإن اتسم بالثبات والاستقرار فإن ذلك الاستقرار نسبي، والنسبية لاتتعارض مع ملاحقته لركب التقدم في أي مجال، وهو ما سارت عليه التشريعات المقارنة الأخرى التي تصدت لتحديد لحظة الوفاة.
تعقيب عام
الواقع أن معايير الوفاة المختلفة التي ظهرت في هذا الصدد يكمن أساسها في أن الموت لايحدث فجائيا، وإنما يحدث على مراحل، ففي البداية يصاب الجسم بتوقف أحد الأجهزة الثلاثة الرئيسية عن العمل مثل القلب أو الرئتين أو المخ، ثم يبدأ الجهازان الأخيران في التأثر بتوقف الجهاز الأول عن العمل، مما يصيب كلا منهما بالتوقف عقب ذلك، ثم يعقب ذلك موت الخلايا والأنسجة وتختلف فترة الموت بالنسبة للأنسجة والخلايا تبعا لقدرة كل نسيج على تحمل توقف وصول الدم إليه، حيث يستمرعمل الخلايا والأنسجة طيلة هذه الفترة، كما كانت عليه قبل حدوث الوفاة الجسدية ( الكلية ) ثم يعقب ذلك المرحلة الأخيرة وهي مرحلة تحلل أجهزة الجسم إلى عناصرها الأولية.
وإزاء تعدد مراحل الموت على النحو السابق إيضاحه، فإن هناك من اكتفى بمجرد توقف القلب أو التنفس أو كليهما عن العمل وهو ما يعرف بالموت الظاهري، وهناك من اكتفى بموت المخ وإن أضاف إليه البعض توقف التنفس كذلك وهو ما يعرف بالموت الدماغي، وهناك من تطلب توقف الأجهزة الثلاثة معا وهو ما يعرف بالموت الجسدي، وأخيرا هناك من تطلب ضرورة موت الخلايا والأنسجة في كافة أنحاء الجسم وهو ما يعرف بالموت الخلوي، أما تحلل عناصر الجسم فإن هذه المرحلة الأخيرة تعتبر خارج مراحل الموت، وإن كانت تعقب موت خلايا الجسم، إلا أنها تحتاج إلى فترة طويلة، والأكثر من ذلك نجح العلم في حفظ الجثث من التحلل عن طريق التحنيط.
وأساس هذا الاختلاف في تحديد معايير الوفاة راجع أيضا إلى رغبة البعض خاصة من الأطباء في فتح الطريق أمامهم لاستئصال الأعضاء البشرية من الموتى للأحياء من المرضى للاستفادة بها في علاجهم، وكذلك لتشريح الجثة لأغراض علمية وتعليمية.
فمما لاشك فيه أن المصلحة الطبية تقتضي التبكير في تحديد لحظة الوفاة، فإذا اعتد الطبيب بمعيار الموت الدماغي أمكنه الاستفادة بصورة أفضل من أعضاء الإنسان أكثر مما لو أخذ الموت الجسدي، وكذلك إذا اعتد بمعيار الموت الجسدي فإن الطبيب يمكنه الاستفادة ببعض الأعضاء البشرية على عكس الاعتداد بمعيار الموت الخلوي.
وإذا كان من مصلحة بعض الأطباء التعجيل في تشخيص الوفاة، فإن رجل القانون يميل إلى عدم التعجيل في إعلان الوفاة إلا بعد التأكد بصورة قطعية لاتقبل الشك أو الجدل، وما ذلك إلا لأنه يضع في اعتباره الآثار القانونية التي تترتب على إعلان وفاته دون أن يعير اهتماما بنقل الأعضاء بالدرجة الأولى.
في ضوء ما سبق فإنني أرجح معيار الموت الخلوي لكونه الموت الحقيقي، والذي لايساوره أدنى شك، إلا أنه لما كان الاعتداد به يغلق الباب أمام إمكانية الاستفادة بالأعضاء البشرية من الموتى إلى الأحياء، وما لذلك من أهمية كبرى للأحياء المرضى، فإنني أرجح في هذه الحالة معيار الموت الجسدي الذي هو أقرب للموت لاسيما وأن الأجهزة الحيوية الثلاثة للجسم وهي القلب والرئتين والمخ قد توقفت تماما عن العمل، ووصفي للموت الجسدي بأنه أقرب إلى الموت راجع إلى أن الخلايا والأنسجة في الجسم في هذه الحالة لاتزال حية إذ يستغرق موتها بعض الوقت مما يسمح بالاستفادة من الأعضاء البشرية كما سلف القول، وتبعا لذلك وتطبيقا للقاعدة الفقهية التي تؤكد على أن " تقدر الضرورة بقدرها " أرى الاعتداد بمعيار الموت الجسدي عندما يتعلق الأمر بميت جسديا، كان قد أوصى بالتبرع بأعضائه ووافقت أسرته على ذلك، متى كان هناك من هو في حاجة إليها وذلك وفقا لضوابط مشروعية نقل الأعضاء والتي يجب أن يكون منصوصا عليها في القانون، بينما في غير هذه الحالة - نقل الأعضاء البشرية وفقا للضوابط القانونية – فإنه لايعتد بمعيار الموت الجسدي وإنما يتعين الأخذ بمعيار الموت الخلوي.
كما يجب الأخذ بمعيار الموت الخلوي كأساس لنزع أجهزة الإنعاش الصناعي عن المريض الذي أصبح ميتا جسديا دون أن يكون ميتا خلويا، وكذلك كأساس لتشريح الجثة لأغراض سواء علمية أو تعليمية، خاصة وأن الانتظار لعدة ساعات بعد حدوث الوفاة الجسدية تكفي للتأكد بصورة أكيدة لاتترك مجالا للشك في حدوث الوفاة، وتكمن العلة في اشتراط مرور فترة زمنية على حدوث الوفاة، خشية أن تدفن الجثة ويتضح بعد ذلك أن صاحبها لم يمت وإنما كان في حالة سبات عميق، وهو ما أشار إليه بعض الأطباء من حدوث وقائع عديدة في دول مختلفة مثل الهند وإيطاليا وانجلترا والمغرب ومصر وغيرها، حيث شوهدت جثث بعد دفنها وقد غيرت وضعها الذي دفنت عليه، مما يؤكد حدوث الدفن قبل الوفاة الحقيقية للشخص.
وهو مادفع ببعض الأطباء إلى المطالبة بعدم نقل الشخص بعد الوفاة من غرفة العلاج التي مات فيها إلى المشرحة إلا بعد مرور أربع ساعات على إعلان الوفاة، حتى يتم اتخاذ إجراءات طبية خاصة للتأكد من حدوث الوفاة، كما أن ذلك يعد تحسبا لإمكانية ظهور بعض العلامات التي قد يستدل منها بأنه لايزال حيا.
والجدير بالذكر أن إثبات موت الشخص جسديا أو خلويا هو من اختصاص الأطباء وليس رجال القانون، إلا أن دور رجل القانون في هذا الصدد يتجسد في وضع ضوابط لضمان حيدة الطبيب في عمله، كاشتراط أن يكون التأكد من الوفاة بواسطة لجنة طبية مكونة من ثلاثة أطباء، وأن يكون قرار اللجنة بالإجماع، وألا يكون من بين أحد أعضاء اللجنة من سيقوم بالاستفادة بالجثة في الأغراض الطبية ( علاجية أو علمية )، مع ضرورة التريث في إعلان الوفاة إذ يتعين الانتظار بعد ثبوت توقف الأجهزة الثلاثة الرئيسية في الجسم مدة تتراوح بين 10 إلى 30 دقيقة كي يتأكد الطبيب خلالها من الموت الحقيقي للشخص، وذلك بظهور بعض العلامات التي يستدل منها على بدء الموت الخلوي للأنسجة والخلايا بالجسم، وبذلك يكون قد وفقنا بين وجهتي نظر القانون والطب بشأن تشخيص الوفاة.
والجدير بالذكر أن ترجيحي لمعياري الموت الخلوي والجسدي لايعني هجر معيار الموت الدماغي كلية، إذ يمكن الاعتداد به في حالات المحكوم عليه بالإعدام، فبمجرد أن تتم عملية الإعدام فإن المحكوم عليه يعتبر قد مات ولوكان قلبه لايزال ينبض أو أن جهاز تنفسه لايزال يعمل، وذلك لأن المحكوم عليه بالإعدام لن يتقدم أحد لإنقاذ حياته، ومن تم يمكن الإستفادة بأعضائه، وذلك دون تشريح جثثه لأغراض علمية إذ يشترط الانتظار لحين موته خلويا لانتفاء الضرورة في هذه الحالة.
ونفس الأمر بالنسبة لمن يصاب بحادث نجم عنه انفصال رأسه كلية عن جسده، أو تمزيق جسده إلى أشلاء في مسرح الحادث، لما توحي به هذه الإصابة بما لايدع مجالا للشك من أن هذا الشخص ميت لامحالة، ومن تم لامبرر للانتظار حتى يتم موته جسديا، لذا يمكن الاستفادة بجثثه لأغراض علاجية.
|