مراكش: عبد الكبير الميناوي
يجلسُ عبد السلام على كرسي متهالك داخل وكالته العقارية. هي ليست وكالة بالمعنى الصحيح للكلمة. لِنَقلْ إنها محلٌّ من ثلاثة أمتار مربعة : كُرسيان وطاولةٌ عليها إبريق شاي وثلاث كؤوس. لونُ الشاي المتبقي في إحدى الكؤوس الثلاث يؤكدُ أن عبد السلام لم يكسب رزق يومه، بعد.
على عادة المراكشيين، يحتفظُ عبد السلام بروح الفكاهة والمرح : رجلٌ في منتصف الخمسينيات من العمر، لايفهمُ في تكنولوجيا المعلومات والانترنيت نقرة فأرة، ولايتكلم غير الدارجة المغربية، وهو بالكاد يستطيع أن يتكلم بعض المفردات الفرنسية، التي تم تطويعها إلى الدارجة المغربية.
حين تسأل عبد السلام عن مساءات جليز وعالم البالموري ورْياضات المْدينة القديمة ومقاهي وبنايات شارع محمد السادس والمشاريع التي يتم التفكير فيها بمنطقة أوريكا، سيبدو وكأنك تكلمهُ عن مدينة غير مراكش، المدينة التي عاش فيها، وصار يتجول فيها، بعد نصف قرن، نصف تائه، بعد أن صارت تتحول أمام ناظريه إلى شيء آخر.
يبدو أن السرعة التي تسير بها مراكش على مستوى العقار قد تجاوزت عبد السلام، الذي صار مثل لاعب كرة قدم تقدم في السن، ووُضع، في غفلة منه، في متوسط الدفاع لإيقاف زحف رونالدينهو، أو مثل عداء انقطع عن التداريب لسنوات طويلة، قبل أن يُطلبَ منه أن يُجاري إيقاع وسرعة ونفَس هشام الكَروج.
"قبل أقل من عشر سنوات، كانت الأمور عادية"، يتذكر عبد السلام. في ذلك الوقت، وحدهم طلبة الجامعة والموظفون، كانوا زبائن عبد السلام. واليوم، تبدو مراكش كما لو أنها تعيشُ طفرةً نفطية، تحولتْ معها مدينة السبعة رجال إلى وجْهة مفضلة يهيمُ بها سياح الداخل والخارج، على حدٍّ سواء : كلٌّ يأتيها من حيث اشتهى ورغب : الكتابُ والفنانون، السياسيون والرياضيون، التجار ورجال الأعمال، المُبدعُون والمُدّعون ... لكلٍّ حكايته مع المكان والناس والحياة.
مع الأيام، لم تعد وكالة عبد السلام تساير التطورات وطبيعة العرض والطلب، وخصوصاً بعد أن دخل على خط الوساطة كثير من الأجانب أو "النْصارى"، كما يسميهم عبد السلام: "النْصارى يثقون في بعضهم البعض. وهم يستعملون ذلك الشيء الذي يُسمى "لنترنيت" لعرض خدماتهم"، يُضيف صاحبُنا، بكلام ممزوج بالكثير من الهم والغم والدوخة.
وفي مراكش، ليس عبد السلام الوحيد الذي أرهقته سرعة المدينة وتحولاتها، كما أن تعدد الزوار وارتفاع عدد الأجانب، الذين صاروا يفضلون الاستقرار بها، قد جعل المدينة الحمراء تتحرك بإيقاعات متباينة.
والمفارقة، أنه في الوقت الذي يُفرط فيه بعض المراكشيين في ثقافة وطابع المدينة وجوهر حضارتها، نزولاً عند رغبة إعصار المال والإسمنت والسياحة، فإن بعض الأجانب، ممن لبستهم المدينة بألوانها وشمسها ودفئها، قد تحولوا إلى حراس مكان وحاملي "همٍّ" ثقافي.
ويرى بعض مثقفي مراكش أن تزايد عدد المقيمين الأجانب قد ساهم في خلخلة شكل التعاطي مع الشأن الثقافي بالمدينة.
ورغم أن أبناء مراكش لا ينكرون حقيقة أن المقيمين الأجانب قد توفقوا في "نشر صورة عالمية" عن مراكش، فإنهم يقولون بأنهم بدؤوا، الآن، في "تأدية فاتورة عالمية مراكش"، لأنهم لم يكونوا المتحكمين في مسارات فن التسويق.
ولأن المدينة قد تحولت إلى وجهة مفضلة، سواءٌ لزيارتها أو للكتابة عنها، فإن بعض المراكشيين يتساءلون، هذه الأيام، عن "السر" وراء كل "الأضواء الإعلامية، التي صارت تُركز، عالمياً ووطنياً، على مراكش، بشكل مبالغ فيه"، وهم يدافعون عن وجهة نظرهم بالقول إن مراكش "مْدينة اشْريفة"، وأنها "أكبر" من أن يتم "اختزال" حاضرها "الملتبس" أو "المرتبك" في "روبورطاج مسلوق" استغرق من صاحبه "ليْلة ونْهار"، وينادون ب "الموضوعية وحُسن النية عند تناول حاضر المدينة والتوثيق لتحولاتها"، حتى أن منهم من ذهب إلى حد "اتهام بعض وسائل الإعلام" ب "تعمُّد تعهير مراكش وإلصاق الدعارة، المنتشرة في مختلف أصقاع العالم، بسكانها، وتحويلها إلى نمط إنتاج خاص بالمراكشيين، وتسويق شهرتها وصورتها كعاصمة للنزوات المريضة والخيالات الماجنة والرغبات المنحرفة".
وفي مراكش، حيث يتفق الجميع على طرح الأسئلة الحائرة بصدد سرعة وطبيعة التحولات التي طالت العقليات والبنايات (للأسف)، يزداد الاقتناع، أكثر، بحقيقة واحدة، تتمثل في أنه لا أحد سيعرف غداً كيف ولمن ستؤول هذه المدينة ؟ وممَّ ستتشكل ساكنتها ؟ وكيف ستكون ثقافتها ؟ وما الغرض منها أصلاً : هل هي مدينة للتاريخ ؟ للاقتصاد ؟ للسياحة الثقافية ؟ للسياحة الجنسية ؟ للفلكلور ؟ للسينما ؟ أمْ لأشياءَ أُخرى ؟ لا أَحد يعرف، لحد الآن، على الأقل !!
|