بقلم: يوسف عبد الله
عندما سمح بتكوين محطات إذاعية خاصة كان الأمل معقودا’وواسعا في أن تصبح تلك المحطات بمثابة لبنة راسخة في المشهد الإعلامي عموما ’ بما سينجم عنها من آراء وحرية’وأكبر من هذا الغنى المؤمل في التفكير والتحليل’وتبني مع مرور الوقت مشاريع ثقافية’واقتصادية’واجتماعية’تساهم في التغيير المنشود’وبناء المغرب الجديد.
كنا ننتظر و لازلنا – والزمن ينصرف بسرعة – أن تعلن المحطات الإذاعية الخاصة عن هويتها الحقيقية على مختلف الدرجات والأنساق’لتتخذ مرجعا يدل على الهوية بالنسبة للمحطات الإذاعية’وليكون للمستمع والمتتبع دليلا’يمكن أن يبني عليه رؤى عند بناء الموقف’ولم لا أن يصبح مشروعا يتطور بواسطة التواصل’والحوار’والنقاش.
كان هذا هو المؤمل والمنتظر’لأن هذه المحطات تعمل الآن بدون هوية’وليست لها مرجعية تذكر’اللهم إلا تلك المبنية على ما يستفاد- ماديا - من خلال كم المكالمات. هذا الحكم ربما يكون قاسيا’ولكنه الحق والمنطق فيما نسمع لحد الآن حتى شكل هذه المحطات العمراني والتقني يوحي بالانكماش’والضيق’والرغبة في تقنين المصروف وتبخيسه مع إشاعة نوع من البهرجة البراقة التي تشدك في البداية’ولكنها تصدمك في النهاية.
محطتنا المشار إليها – مفردة في العالم – تعمل بدون رسالة إعلامية واضحة المعالم’مقارنة حتى بقنوات الكلام الفارغ’والمضمون الأجوف. نحن نتكلم هنا بغيرة’على جهود تهدرفي تكريس التخلف’وإشاعة وعي هش لايتعلق إلا بأوهام اليوم’والبدن’والنجومية الخداعة.
لنحدد كل ما قلناه لحد الآن في شكل مؤخذات’وفي سياق مختلف مؤسس على ملاحظات عامة’يمكن إجمالها في النقط التالية:
1- مضامين هذه المحطات عبارة عن الاحتفال المتزايد بفئة من الناس يسهل اصطيادها’ وليس لها من منظور بعيد سوى أن تسمع صوتها على الأثير’أوأن ترى مذيعا يقترب منها’ ويجب أن ننبه هنا إلى أننا لسنا ضد هذه الفئة في أن تأخذ حقوقها كاملة على كافة المستويات’ولكن نقف في وجه من يعتبرها صيدا سهلا’ويتخذها مطية مستساغة لتحقيق الأرباح’وتضخيمها’والأدهى أن تصبح بمفردها دالة على المجتمع’وبمشاركتها يستدل على النجاح’أوالفشل.
2-الإعلاميون:وأقصدهنا الطاقم البشري المسموع على أمواج هذه المحطات ’ وهنا يبرز الخلل بشكل واضح ’ وتكبر المتاهة بين الإعلام الممارس ’ والإعلام في رسالته ومبتغاه الأصلي. مسبقا أعرف أن العامل داخل هذه المحطات واقع تحا ضغوط عديدة من أبرزها تحقيق أكبر مشاركة من المكالمات الهاتفية ’ وإلا سيحكم عليه بالفشل ’ وربما – لاقدر الله – ستتخذ في حقه إجراءات أشد
ووضعية العامل هاته تدفعه في كل الأحيان إلى هيستريا في التوجيه ’ والتنظيرلما ينبغي أن يقال ’ ومالا ينبغي ’ وكيف تتحدث ’ واللغة المسموح بها’ والأفكار المرغوب فيها ؟ . وإذا ما وقع أي تجاوز ولو كان بسيطا ’ تراه يزبد ويرغد ’ ويحاول تكرار الترانيم من جديد’ بل ربما ينتهي الموقف بنوع من الجفاء ’ وعدم الترحيب ’ وشيء من المكابرة ’ تنشأ - عن قصد أوغيره – بين هذا العامل الإعلامي وبين ضيوفه ’ وكأنه- من خلال المكالمات القليلة وإن كانت جدية ودسمة – يرى ما سينتظره من الكلام’والتوبيخ في جلسات التقييم مع مرؤوسه .
3-العداء المبيت لكل ما هو أكاديمي وفصيح ’ ويظهرهذا جليا في قلة انفتاح هذه المحطات على الفئة التي تمثل هذا الاتجاه ’ لأنها في نظرهم لاتمتثل للتعليمات ’ ويصعب صيدها ’ والسير به ا في الاتجاه الإعلامي الأعوج داخل برامج المحطات المذكورة ’ ويكون حضورها سببا في عزوف أصحاب المكالمات الجدد ’ أوأولائك الذين ينتدبون مسبقا ’ ويطلب منهم التدخل في مختلف البرامج ’ حتى يدل ذلك الكم المنتظر على النجاح ’ وهو نجاح مؤقت ’بدأت شمسه في الأفول منذ مدة ليست بالقريبة ’ وربما سيؤدي هذا الوضع إلى إفلاس المحطات الإذاعية باكرا’وقد بدأت تداعياته تظهر في الأفق .
والخلاصة هي أننا لانريد هذا المصير الكئيب لمثل هذه المشاريع الإعلامية ’وإنما نريد لها الجد والاجتهاد والوضوح ومحاولة تقديم فسيفساء المجتمع ’وكأنها لوحة واحدة ’وليست متناحرة أومتناقضة ’لتكون الرسالة الإعلامية لهذه المحطات هادفة ’وذات محصول يمكنها من المراجعة ’ والنقد ’ والتخطيط المحكم للأهداف ’والتطور عاما بعد عام ’وليس كما هو الحال ا لآن: الركود’ والضبابية ’ والخوف ’ والاجترار ’ والتكرار .
|