من باريس للمراكشية: فؤاد زويريق
-مساء يوم الاثنين 20 أكتوبر 2008 كان المسرح الشعبي بباريس "لافوار موديرن الباريسي" (Lavoir moderne paresien) على موعد مع العرض الأول لمسرحية أنتيجون للكاتب الألماني برتولد برخت رائد المسرح الملحمي ومن تقديم فرقة قطرة الذهب (compagnie la goutte d’or).
كشف العرض عن رؤية فنية متميزة أبهرت الجمهور و تمثلت أساسا في الإخراج و السنوغرافيا و قد نجح المخرج المغربي المراكشي المقيم بفرنسا عبد الجبار خمران في تحويل مسار أسطورة أنتيجون لتصب في القالب الدراماتيكي لغزو العراق من خلال الإيحاء غير المباشر والإسقاط الفني المحبوك، ليقدم عرضا يتناسب و الظروف الراهنة للحدث. وللمخرج تجارب عديدة في الإخراج نذكر منها مسرحية “بنادق الأم كرار” لبرتولد بريخت و التي قدمت بشراكة مع معهد غوتة بمناسبة الذكرى المئوية لولادة الكاتب، وشاركت في فعاليات مهرجان المسرح الجامعي بالدار البيضاء دورة 1998.
نجحت المسرحية في فرض إيقاعها على الجمهور ولاقت تجاوبا حقيقيا لكونها خرجت عن المألوف في معالجة الحدث بابتعادها عن المباشر جدا، و الاعتماد على المسرح الملحمي الذي يرفض مبادئ المسرح الدرامي، ويبتعد عن الأسس التقليدية المكونة له. اعتماد المخرج على بعض المقطوعات الموسيقية - التي بالمناسبة برع في تأليفها السينوغراف و الموسيقي زكريا حدوشي - أعطت للمسرحية نكهة خاصة جعلت المشاهد تترابط فيما بينها بشكل متناغم ينم عن معالجة فنية محترفة، كما أن استخدام آلة (الهجهوج) في بعض المقاطع الموسيقية، أعطى لهذه المشاهد بعدا رمزيا إضافيا خصوصا إذا عرفنا أن هذه الآلة تستخدم في الموسيقى الكناوية المنحدرة من أقاصي تاريخ العبيد القدامى في المغرب.
حاول المخرج أن يحيد عن فخاخ السكون الممل بإقحام مشاهد و حوارات كوميدية تجاوب معها الجمهور تجاوبا كبيرا، ولعل اللجوء إلى بعض المشاهد التي اعتمدت كليا على الحركات الإيمائية و التشخيص بالأقنعة كرست الاجتهاد الفني لدى المخرج وأعطت للمتلقي فضاء حرا لاكتشاف فنتازيا الجسد و الاستمتاع بهمسات الصورة المحملة بدلالة مؤثرة للغاية.
من أهم ما شد انتباه الجمهور، السنوغرافيا التي نجح زكريا حدوشي في إعطائها بعدا ملحميا مسايرا للعرض بدءا من الديكور إلى الموسيقى...الإضاءة كانت نوعا ما معبرة في بعض المشاهد إذ وفقت في إبراز مكامن القوة في الديكور عندما استعملت كخلفية زرقاء باهتة في نهاية العرض.
اعتمدت مسرحية أنتيجون على أسطورة إغريقية موجزها. قتل الملك أوديب أباه و تزوج أمه جوكاستا أنجب منها إيتيوكليس وأخاه الأصغر بولينسيس وأنتيجون وأختها إسمين.عندما اكتشف أوديب جريمته فقأ عينيه ونُفي من طيبة و رافقته أنتيجون. بعد موته رجعت أنتيجون إلى مدينتها حيث خاض أخواها إيتيوكليس وبولينسيس حرباً أهلية للفوز بعرش أبيهم، وخلال المعركة قتل الأخوان أحدهما الآخر، ليصبح بالتالي الخال كريون الملك و السلطة المطلقة في طيبة. قرر الملك الجديد دفن إيتيوكليس في جنازة مهيبة كبطل، و اعتبار بولينسيس متمردًا وخائنًا، وأمر بعدم دفن جثته لتنهشها الوحوش والطيور عقابا له، ومنع أي شخص من دفنه و إلا فسيلقى مصيرا مماثلا. إلا أن أنتيجون تمردت على قراره و دفنت جثة أخيها، ليحكم عليها خالها كريون بالدفن حية في قبر صخري. لتصبح بعد ذلك رمز للتمرد على السلطة و علامة أسطورية على الشجاعة و يقظة الضمير.
يقول المخرج في هذا الصدد: تحمل "آنتيجون"وجع المدينة والناس بصوتها، ترفع "لاءها" حقا أزليا، أمام حاكم فان..هنا يتحول الرفض إلى قدر، والكلمة "كلمة :لا" إلى بركان. تقودها المشيئة إلى عالم الأموات، لكنها تترك عبرة للأحياء.."حريتك أن تكون ما لا يريدون لك أن تكون..". ..تتقاطع رمزية "آنتيجون" و معيش بغداد/العراق:المدينة مشتعلة، الأحياء تحترق، والجثت في الشوارع، كلمة لا : إرهاب،والمقاومة تمرد وقول الحق خروج عن القانون.
برع في تشخيص المسرحية مجموعة من الممثلين المحترفين المقيمين بفرنسا و كلهم خريجو المعهد العالي للمسرح بالرباط، ولعل هذا ما أعطى المسرحية بعدا احترافيا، وخلق أجواء مثيرة في الصالة ونذكر هنا منى بلغالي وليلى ميال وغسان الحاكم وعبد الجبار خمران.
s_zouirik@hotmail.com |