بقلم أحمد الريسوني (عن جريدة المساء المغربية)
مسألة الحج من المال العام للدولة. وهي مسألة تتضمن حالات وأشكالا متعددة، ينبغي التمييز بينها وبين أحكامها.
-1 هناك مَن ترسلهم الدولة، أو أيُّ جهة تابعة لها، للقيام بعمل ما، أو مهمة ما، في موسم الحج، فيؤدون مناسك الحج بجانب المهمة الموكولة إليهم. كما هو شأن أعضاء البعثات الإدارية والطبية والعلمية، وكذلك الوفود أو الشخصيات المكلفة بإجراء لقاءات ومشاورات ومفاوضات، مع وفود وشخصيات من بلدان إسلامية أخرى، سواء تعلق ذلك بالحج، أو بغيره من مصالح الدول والشعوب وقضياها. المهم أن كل من أرسل لغرض ولمهمة، فهؤلاء يجوز لهم أن يذهبوا ويحجوا على نفقة الدولة، أو تحديدا على نفقة الجهة المرسِلة لهم. ولهم أن يتقاضوا مكافآت وتعويضات زائدة عن نفقات الحج، بحسب ما هو معمول به. وهذا طبعا إذا كانت المهام المنوطة بهم جدية وأكيدة.
-2 هناك مَن يذهبون إلى الحج على نفقة صناديق ومؤسسات حكومية، أو حُبُسية، مخصصة أو مخصص جزء منها لهذا الغرض، وتكون مداخيلها وملكيتها عائدة إلى فئة معينة؛ مثل صناديق التقاعد، وصناديق الأعمال الاجتماعية. فمن كان مستحقا بمقتضى مصارف هذه المؤسسة وقوانينها، ولم يكن سبق له الحج، وتم اختياره بطريقة عادلة، فله أن يحج على نفقة تلك الجهة.
-3 أما إرسال أشخاص لمجرد الحج وما يدخل في رحلته من تعبد أو تبضع أو منافع خاصة، وذلك على سبيل التكريم والمكافأة والتنعيم، مع الإنفاق عليهم، وربما الإغداق عليهم، من مال الدولة، لا لشيء إلا لمواقعهم وصفاتهم... فهذا لا يجوز، وهو من أكل المال بالباطل، وهو من التخوض في مال الله بغير حق. والأدهى أن هؤلاء المستفيدين غالبا ما يكونون قد حجوا من قبل مرة أو أكثر، ومن الميسورين أو الأثرياء. فهذا لا يجوز لأي مسؤول أن يتصرف به، كما لا يجوز للمستفيدين أن يقبلوا ذلك ولا أن يطلبوه. فإذا فعلوا، فالأموال التي أخذوها، والنفقات التي أنفقت عليهم على هذا النحو، تبقى دَيناً في ذمتهم. وقد ذهب القاضي أبوبكر بن العربي إلى أن الحج، حتى من أموال الزكاة، ومن مصرف «في سبيل الله». وذكر ما ينسب إلى الإمام أحمد من أن مصرف «في سبيل الله» هو الحج، ورد عليه بقوله: « وهذا يَحُل عَـقْد الباب، ويخرِم قانون الشريعة، وينثر سلك النظر. وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر» – (أحكام القرآن 4/ 337). وحتى الفقير الذي يُعطى من مال الزكاة، من باب فقره، فإنه لا يعطى للحج، لأن الحج غير واجب عليه، وإنما يعطى لفقره وحاجته. فإن حوَّل ما أخذه للحج، أو استعان ببعضه على نفقات الحج، فهذا شأنه، لأن المال أصبح مالَه.
-4 أما الحالة التي تشير إليها مذكرة النواب المصريين، وهي أن يكون من وراء الإرسال إلى الحج غرض سياسي يرمي إلى الاستقطاب والتأثير على مواقف المبتعثين، فهي حالة أدهى وأمر، وهي جناية دنيوية وأخروية، والحكم فيها أوضح من أن يحتاج إلى كلام. ومثل ذلك أيضا، إذا تم الأمر لمجرد المحاباة واعتبار القرابة أو الصداقة، أو لمصلحة شخصية... ومما يجدر التنبيه عليه، أن هؤلاء الذين يحجون بأموال ونفقات غير جائزة لهم، قد يظنون أن حبهم للمقام العظيم، وتشوقهم إلى الرسول الكريم، يسمح لهم باقتناص هذه الفرصة المتاحة للحج إلى بيت الله الحرام، وزيارة الحبيب المصطفى، وتخصيص فترة للتعبد والتطهر... والحقيقة أن هذا كلَّه من تلبيس إبليس، والمقامُ العظيم -سواء بمكة أو بالمدينة- لا يليق بـــهما الذهاب إليهما بهذه الـــطريقة
|