كتبها: عبد الصمد الكباص
عبد الجبار لوزير ، ما الذي يتجمع تحت هذا الإسم ؟ و مالذي ينتشر خلف هذه الشهرة التي لازمته لعقود طويلة ؟ إنه حفر في أعماق فرح أبهج قلوب المغاربة في وقت أحزنتهم فيه السياسة كثيرا، بقساوتها و دمويتها ، و حماس مرحلة خاب في واجهة السياسة ففجر نفسه في الفن ..
إنها مغامرة نسجت نفسها من خيوط متشابكة لصدف ماكرة و جميلة و مفارقات توترت في قلب سؤال اخترق تاريخا متوثبا،انطلقت بدهشة جامع الفنا و امتدت بعبور من تحت إبط الموت عدة مرات و مواجهة مشنقة الإعدام و إطلاق ثلاث رصاصات بهدوء في رأس خائن بباب جهنم و قنبلة سينما مرحبا، لتجعل منه اختبارا للبطولة في مسرح
التاريخ قبل خشبة الفرجة ...
سيرة عبد الجبار لوزير هي سيرة مدينة .. مراكش التي سمعنا عنها ولم نعد نراها .. هي كذلك سيرة لمة خفيفة ، كوكبة مضيئة من الفرح التلقائي و البسيط، تقاطعت فيها أسماء كمحمد بلقاس و عبد السلام الشرايبي و المهدي الأزدي و كبور الركيك و الشحيمة ... و سيرة جمهور باذخ بنشوة الحياة لم تنل منه بعد كآبة الميولات الظلامية ، و قصة أسلوب في تشكيل تحفة اليومي لشعب حالم و مضغوط.. ورغم كل شيء متحمس ...
إنها سيرة عصر ذهبي للفرجة ، للحاجة الجارفة للفرجة قبل أن تتشتت عيون الناس و أهوائهم بين الفضائيات و دعاوى الحزن و أشرطة اليأس و الكآبة .
إنها سيرة حياة في ثلاث طلقات و نكتة و حلم كبير ...
أتاي المدوخ 2
إحساس فظيع بالغبن اجتاحني بعد علمي بنفي محد الخامس ، إحساس كان يهيء فصلا آخر أكثر صخبا من حياتي . شرعت في البحث عن المقاومين و التنقيب عن سبل الالتقاء بهم .. في تلك الأثناء كان ابن ابراهيم طالب ضرير يدرس بابن يوسف، يجتمع بنا بغرفته بسيدي بالعباس و يشرع في بسط مواضيع للنقاش لجس نبضنا . قال لنا ذات يوم «انظروا كيف أن النحل و هو كائن جد صغير يلتف حول ملكته إذا طارت يطير معها و إن خرجت من الخلية يرافقها . .» فأجبته : « و الله هذا ما أعانيه هذه الأيام و أتحرق شوقا للتعرف على رجال المقاومة للقيام بواجبي» فغير مجرى الحديث بسرعة . و بقيت ألح عليه و أداوم على حضور اجتماعاته إلى ان قال لي ذات يوم : هل أنت مصر على الالتقاء بالمقاومين ؟ أجبت «نعم» فطلب مني التريث قليلا الى أن يستشير مع بعض رفاقه . حينها لم أكن أعرف بأنه عضو في خلية حمان الفطواكي .
بعد أيام قليلة من ذلك قال لي : سأكلفك بمهمة . ستذهب الى جامع الفنا أمام جوطية الورزازي (حيث يوجد مقر نادي البحر الابيض المتوسط حاليا ) لتلتقي رجلا سيمدك بأمانة تخصني . علامة التعرف عليه هي أنه عند مصافحتك سيمسك بخنصرك ..
ذهبت في الموعد المحدد وبقيت أنظر حولي منتظرا الشخص المعني . التفت جهة مقر الشرطة القريب مني فرأيت رجلا يخرج منه و يراقب تحركاتي بنظرات مخيفة . تقدم نحوي قائلا :« ماذا تفعل هنا ؟ هل هذا مكان للوقوف ؟ هيا تحرك أمامي » فسحبني اتجاه مقر الشرطة و هو يتفحص ملامحي باحثا فيها عن علامات الخوف . فلم يعثر عليها . بدأنا نتسلق أدراج المخفر . في الدرج الثالث أمسك بخنصري ، فصرخت «أنت ؟» ليصدني بقوة « أصمت » .. بعد خروجنا من الكوميسارية همس في أذني « سلم على سي بن ابراهيم و قل له الامانة راه مقضية .. »
أدركت بعدها أنني كنت أخضع لاختبار الخلية . الاختبار الثاني عندما رغب حمان الفطواكي رحمه الله في رؤيتي. في الحقيقة لم اعرف ذلك . قال لي بن إبراهيم «عندنا مهمة .. سنستلم كمية من الأسلحة بساحة سيدي بلعباس . أمام المسجد .. » ذهبنا في الوقت المحدد . عندها لاحظت تواجد حمان الفطواكي بالمكان بعيون تراقبنا ، فقلت لابن إبراهيم «أحد الخونة يحوم حولنا و يطوف بنا من كل الجهات و ينظر إلينا بشكل مريب .. » سألني « من ؟» أجبته « داك المخزني ديال الكلاوي حمان الفطواكي » فقال « إذا كان الأمر هكذا فلننسحب » .. في تلك الآونة لم يكن حمان معروفا لدى العموم كمقاوم، بل كواحد من أعوان الباشا .
بعد ذلك تقرر تنفيذ هجوم على سينما مرحبا مهمتي كانت هي توفير الدعم و الحراسة للعناصر التي ستلقي القنابل . أخفي مسدسي و أقف في الخلف متأهبا للتدخل إذا ما استدعى الأمر ذلك . و كنت من قبل قد تدربت على استعمال القنابل قرب قنطرة وادي يسيل بطريق سيدي يحيا . الوسيلة التي كنا نستعملها في التداريب حجرة من نفس حجم و وزن القنبلة . أذكر ان المجموعة التي ستنفذ المهمة تتكون من ثلاثة أشخاص . أما التعليمات فتنص على عدم إلقائها وسط الجمهور حتى لا تخلف العملية خسائر في الارواح، لأن الهدف منها ليس هو إحداث مجزرة وإنما خلق جو من الخوف . ليومين متتالين كانت المجموعة تذهب حتى باب السينما دون ان تقوم بالمهمة . و في اليوم الثالث قلت لهم «أعطوني القنبلة و سأقوم بتفجيرها » .
تسللت من الباب الخلفي و القيت بها في الاعلى فانفجرت ثم أخذت دراجتي و قصدت بيتنا مرورا من باب الخميس و درب الجديد وصولا إلى درب الشاوي . خلعت جلبابي وهممت بالخروج مرة أخرى فقالت لي والدتي « ما شفتيش هادوك أولاد الحرام أش دارو ثاني .. راه قنبلو السينما» فأجبتها « كولي أعود بالله من الشيطان الرجيم باش عارفتيهم أولاد الحرام ؟» بعد اعتقالي و علمها بحقيقة الأمر قالت لي « واترني كنت تنهدر عليك بلا مانعرف ..»
غادرت المنزل وعدت الى مكان الحادث فوجدت الكلاب البوليسية تمشط المكان و الدنيا مقلوبة رأسا على عقب و سيارات الإسعاف تنقل الجرحى منهم من فقد أذنه و منه من أصيب في عينه أو أنفه أو ذراعه لكن دون قتلى ..
علم ابن إبراهيم بتواجدي هناك فالتحق بي على الفور « ماذا تفعل هنا ؟ » متسائلا . أجبته « أتابع تطور الحدث » فقال لي « انسحب فورا قد تتعرف عليك الكلاب » . وناولني عشر ريالات مقترحا علي الذهاب إلى الحمام قائلا « سير تحيد الخلعة » فكان ردي « انا مامخلوعش ، و لكن الحمام غادي نمشي ليه ..»
تنظيم الخلايا كان مطبوعا بسرية كبيرة . أعضاء خليتنا كانوا ثلاثة، إضافة إلى بن إبراهيم و كنا نجتمع فيما بيننا دون أن نعرف شيئا عن الخلايا الأخرى و لم نتعارف إلا بعد اعتقالنا . حمان الفطواكي نفسه لم نعرف أنه زعيم التنظيم الا عند التقائنا به في السجن .
قررت إحدى خلايا المقاومة اغتيال رئيس الغرفة التجارية بباب السوق . كان من المفروض حسب الخطة أن يلقي أحد عناصرها قنبلة على الهدف و يتكفل بحراسته ثلاثة آخرون . في آخر لحظة قبيل التنفيذ جاءت تعليمات جديدة تفيد تأجيل العملية . فتراجع الحراس الثلاثة الذين اختفوا من المكان على أن يختفي المكلف بالتنفيذ الذي دخل الى مرحاض يوجد هناك و عند خروجه وجد رئيس الغرفة أمامه فقرر من تلقاء نفسه تفجير القنبلة في وجهه . . القى بها و تدحرجت الى أن وصلت الهدف لكنها لم تنفجر . تبين أنها قنبلة باردة و هذا هو سبب تأجيل العملية .
كان بعين المكان ابن الرئيس المستهدف يدعى «بومبولة » و هو صاحب عضلات شديدة فارتمى على المنفذ و شل حركته و التحق به كلاوة ، أي أعوان الباشا الكلاوي ، و قادوه إلى مخفر الشرطة، فكان ذلك بداية تفكيك تنظيم حمان الفطواكي . توالت الاعتقالات بتطور التحقيقات، و اعتقل رفاق حمان كبوبكر و علال، أما الفطواكي فتمكن من الهرب . كان يقطن بحومة سيدي بن سليمان . و البوليس ضغط على صهره قصد التبليغ عنه إذا ماظهر . و هددوه بانهم سيعتقلونه مكانه إذا لم يفعل. و بمجرد حلوله بمنزله بلغ عنه فطوق عناصر الأمن البيت و اعتقلوه . و في طريقه صدم رأسه بركن حاد من الجدار فانفتح جرح غائر في جبينه وتدفقت شلالات من الدماء غمرت جسمه فنقلوه على وجه السرعة إلى المستشفى لعلاجه . و خلال عودته في اتجاه المخفرأزاح الشرطي الذي كان يحرسه بضربة قوية و ارتمى من سيارة جيب التي كانت تقله و انبطح أرضا أمام سيارة جيب الثانية عسى أن تدهسه، لكن القدر كان أقوى من رغبته فتوقفت السيارة رغم السرعة التي كانت تسير بها عند رأسه ، فانكتب له عمر جديد . لتبدأ معاناة تعذيبه التي توالت معها عمليات تفكيك الخلايا التابعة له الى أن وصل دور خلية ابن إبراهيم التي كنت عضوا فيها .
كان بعض الرفاق يقترحون علي اللجوء الى الصحراء بعدما شاع خبر الاعتقالات التي بدت قريبة مني . ورغم ان الكثيرين منهم قطعوا الرحال الى هناك، إلا أنني ظللت متمسكا بالمكوث بمراكش و مواصلة العمل في الخلية .
صرح بعض السكان بأن عمليات تبليط حيهم سرعان ما توقفت بمجرد ما تم تبليط جزء من الحي ، بدعوى ان مقاولة أخرى هي التي ستتولى إتمام الأجزاء الأخرى، خاصة وان المقاولة التي أنجزت العملية الأولى لم تلتزم بالشروط الواجبة عليها،حيث ساد الغش كل العملية تحت انظار التقني الذي رغم اخطائه التي فضحها مؤخرا رئيس جمعية أحد أحياء المحاميد بردهات البلدية
|