الى الصحفي لحسن لعسبي
أطلانطا (الولايات المتحدة) : المصطفى روض
كيف هو إيقاع الحياة لديك؟
هل يشبه إيقاعي اللولبي المستعصي على القبض ام ترى إيقاعك يتمايل بشكل متواز مع شروط الوجود الملتبس و المتفرع الى اتجاهات لاتقاطع فيها سوى تقاطع الأحاسيس الممزوجة بمرارة المعيش؟
كم أتمنى أن تكون في هدوء لايشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة حتى تستطيع الإنصات الى هذيان إلهامات اللحظة المسكونة بعشق الوحي الشعري المبثوث الى مسامعك وفق إيقاع سمفوني، تستشف منه عذوبة القول المتموسق بمحسناته
البديعية و التي لها قدرة النفاد الى الأمكنة الجوانية للجمال الروحي.
و أنت الآن تعبر خفافا أزقة عروس الجنوب،أتمنى لو تعرج الى حي "القنارية" لتحتسي حريرة "إلان" او تأكل "الطنجية"، قبل أن تجذبك طقوس الحلقة لجامع الفناء، و بذلك قد تستعيد تلك المتعة الثقافية التي ألهبت، يوما، روح الكاتب الإسباني الكبير "خوان غويتسيليو" جعلته يدخل غمار الممارسة النصية لتحويل مشاهد تلك الطقوس الى نصوص إبداعية و ليصل به المقام الى حد النزول الى
قاع الثقافة المغربية المهمشة ليصور غنى إبداع ممارسيها، و عمقها الشعبي، و سحرها المطلق غير الخاضع لضوابط أية استراتيجية او تخطيط مسبق، سوى الإجتهاد العفوي لرجال شعبيين ينتجون، صباح مساء، و بإتقان قل نظيره، الضحك في أزمنة الحزن المغربي حيث لابديل عنه في علاج أمراض الحياة الإجتماعية وقرحة المعيش.
كانت نصوص "غويتسيليو" بمثابة الملقط الذي نزع تلك الثقافة الشعبية من دائرة النسيان كي تظل متوهجة، و قابلة لتجديد الحياة فيها مثلما قابلة للعبور الدائم الى مختلف القارات، على شكل صور حية، في مخيلة السياح و الزوار ومثقفي العولمة.
و أنا قابع في شقتي بأطلانطا، لاأدري لماذا حضرتني هذه الخواطر السيالة عن جامع الفناء و طقوسه و علاقتها بالكاتب الإسباني "غويتسيليو"؟ ربما رسالتك الإليكترونية، و هي تزف لي خبر وجودك بمراكش، أثارت في نفسي نوسطالجيا شقية إزاء تلك المدينة القابعة في لاشعوري بكل مافيها :
أسواقها و أحياؤها الشعبية، أسوارها و مآثرها التاريخية، نخيلها و لون تربتها الممتد.. أضرحتها و فرقها الغنائية الشعبية، دون أن أنسى، بالطبع، رجال الحلقة في ساحة جامع الفناء الذين طبعوا حياة الساكنة "البهجاوية" و السياح بالفكاهة اليومية الدائمة.
و من بين هؤلاء الرجال اتذكر رجلا كان في حلقته يحاور حماره باستمرار ليقنعه بتدخين سيجارة و هو مستلقي على الأرض. كان مشهدا ساخرا لواقعية لا لون لها سوى لون النزعة العفوية المؤطرة ببساطة الرجل الذي يحاول في كل مرة ان يرفع من الدراما الشعبية المباشرة المؤثثة بموسيقى تعبيرية تحدثها عجلات عربات "الكوتشي" المارة عن قرب، حيت المشهد في الحلقة ينتهي بوصول الفرجة ذروتها الممزوجة بقهقهات المتفرجين و بدموعهم.
كما أتذكر "بقشيش" ذلك الرجل العيساوي الذي يتراكض الجميع لأخذ مكانه في حلقته لما تكتسيه من فرجة نادرة. كان بهلوانيا في حركاته..وحادا في نظرته.. ووجهه لايعرف الضحك وإن كان يتقن توليده وسط الحضور.
والفرجة المركزية التي يصعد فيها من درجة الضحك هي حضور السياح. و كان يعجبه أكثر السائح المرافق لزوجته، حيث يذهب إليه ليوهمه بأنه ساحر له القدرة على إدخال قطعة نقدية من أذنه اليمنى ليخرجها من أذنه اليسرى، و نفس الشيء يفعله، و هو يرمي بالقطعة النقدية في فمه، ليوهمه بأنه يخرجها من مؤخرته.
لكن ذروة السخرية كان ينهيها بالمناداة على زوجة السائح، فيطلب منه التقاط صورة له معها، تنتهي بأن يقبل "بقشيش" الزوجة بقوة و هي تضحك دون ان تفهم إن كانت القبلة جرأة ذكورية ام جزء من ديكور فانطازيا الحلقة.
و حين يتسلم "بقشيش" المكافأة من السائح، يلتفت الى إخوانه المغاربة الذين يغذقون عليه بالقليل من النقود لاتشفي غليله، ليقول لهم : "شوفوا أولاد العاهرات، 50 درهم، و بوسى من الفوك"، فكان الجميع يتفجر ضحكا في تلك اللحظة. وعندما يغادر السياح الحلقة، يصيبها الملل، فيبدأ في التلاسن مع النساء، و عندما يغضبن، يقول لهن : "أشوفو العيالات: الزوينة دجي لكدام، و الخايبة ترجع اللور"، و بذلك تنطلق موجة إضافية من الضحك لتستعيد حلقة "بقشيش" عافيتها في إنتظار حلقة اليوم الموالي.
|