مراكش: عبد الكريم ياسين
شكلت ساحة جامع الفناء، الواقعة في وسط مدينة مراكش، على مر العصور، مادة ملهمة للشعراء والأدباء والمؤرخين والمبدعين، من خلال بعدها الثقافي وفضائها العجائبي، الذي يختلط فيه الخيال بالواقع. وتتجلى أهمية هذا الفضاء في العفوية التي أحدثت بها الساحة، حيث وجدت كل أنواع الفرجة.تختلف الآراء حول تسمية الساحة، فهناك من يقول إن ساحة جامع الفناء تعني فناء المسجد، أي ساحته، وآخر يتحدث عن مكان لقطع رؤوس الخارجين عن القانون وتعليقها على الأسوار، في زمن مضى، وهناك من يزعم أن الفناء ترخيم وتحريف لكلمة فنار، أي المصباح.
إلا أن أهم ميزة انفردت بها ساحة جامع الفناء هي ضمان استمراريتها وبقائها مند نشأتها، إذ تعددت وتطورت وظائفها على مدى العصور، حسب الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها مدينة مراكش. ففي عهد الدولة المرابطية، كانت لها وظيفة عسكرية وإدارية، ثم أصبحت، في عهد الموحدين، فضاء للتجارة الموسمية، ومكانا لمبيت القوافل الصحراوية. ومع توالي الأيام، ظهرت أنشطة الترفيه والفرجة لزوار الساحة، لملء أوقات فراغهم.
تعاقبت على الساحة وجوه كثيرة عبر تاريخها الطويل، منها من استمر لون فرجته عبر ممارسين جدد، ومنها من انقرض فنه بذهابه، وهو الهاجس الذي يشغل بال جمعية شيوخ الحلقة التي تأسست مع بداية هذا القرن، وهي تسعى إلى تنظيم الساحة والانفتاح على كل الممارسين لهذا الصنف من الحرف، بغض النظر عن نوع الفرجة، التي يقدمونها، من أجل ضمان استمرار هدا التراث.
يقول عبد الحكيم الخبزاوي (60 سنة)، أحد صناع الفرجة بالساحة، والمعروف بأغنيته المشهورة "كيلي جولي، كَاع البنات تيعجبوني..."، بأدائه المتميز ورقصاته الفريدة ذات الطابع المراكشي القح، وهو يصارع الحياة بالغناء والرقص، (يقول) "ترعرعت بساحة جامع الفنا، وتلقيت أصول الحلقة على يد المعلم عزوز، صاحب الكمان، وعمري لا يتجاوز تسع سنوات. كانت الساحة تتوفر على كل أنواع الفرجة، لكن الآن تغيرت معالمها بشكل كبير".
يضع الخبزاوي نظارته السوداء، كي يخفي عينه اليسرى، التي فقدت وظيفتها إثر حادثة سير، تعرض لها منذ عهد بعيد، ويتحسر على ما آلت إليه الساحة بعد فقدانها لكبار "الحلايقية"، أمثال مولاي أمبارك "الكوشي"، والشرقاوي "مول الحمام"، ومولاي أحمد "حمقة"، والبشير "دكتور الحشرات"، ومولاي عبد السلام "الصاروخ"، وعمر "ميخي"، وكبور "مول البيشكليت"، الذين لم يحظوا باهتمام المسؤولين، وأصحاب القرار في المدينة الحمراء.
يتكرر مشهد ساحة جامع الفناء يوميا، لكنه يختلف من يوم لآخر، أما المدمنون عليها فلا يبارحونها، بل إن زيارتها مرة واحدة قد تكون جرعة كافية للتعلق بها ومعاودة الزيارة. هذا الإحساس جعل أحد الكتاب العالميين، الإسباني خوان غويتيصولو، يسلط الضوء على هذه الساحة المتميزة، التي منحته إلهام الاهتمام بموضوع التراث الشفوي والأدبي المخزون في الذاكرة الشعبية، على ألسنة رواة الحلقة.
ويمكن لزائر ساحة جامع الفنا أن يلاحظ تباين الحلقات، وصانعي الفرجة، واختلاف الألوان والأشياء، فزيارتك لمراكش من دون التجول في أرجاء الساحة الجذابة بحركيتها، يفقدك الكثير من متعة السياحة في مراكش، ويبعدك عن النفاذ إلى عمق المدينة النابض، الذي يجمع بين عمق التاريخ، والانفتاح على العصر، من خلال تلاقح الأجناس والثقافات.
أصبحت الساحة تحتل موقعا سياحيا بامتياز، يمكن تصنيفه في خانة السياحة الثقافية بالنظر لعدد الرحلات السياحية، التي تتوافد عليها من جميع أنحاء العالم، وتضم أزيد من 500 شخص يمارسون مختلف الأنشطة، سواء كانت فولكلورية، أو كوميدية، أو حلقة الرواة الحكواتيين، من دون الحديث عن ممتهني الحرف الهامشية، إضافة إلى عدد لا يستهان به من العشابة (حوالي 30 عشابا)، حولوا الجهة الشرقية من الساحة إلى عيادات متعددة الاختصاص، منهم من يفترش الأرض ويستعمل جلودا ومحنطات، ومنهم من يعرض أدوية في قنينات مختلفة الأحجام، حتى يخيل لك أنك في مصحات للعلاج في الهواء الطلق.
يقول (م.ب) أحد العشابة من منطقة سوس، بينما كانت يده منشغلة بتعديل مجموعة من الكتب فوق طاولته الصغيرة، إنه ورث المهنة عن أجداده، ومارسها منذ حوالي 40 سنة في مدينة سلا. ويضيف "اشتغلت بساحة جامع الفنا منذ 35 سنة رفقة العشابين الأخوين الصحراويين، سي عباس العيدي، والحاج بوجمعة كحل العيون، كنا ثلاثة فقط، أما اليوم فقد انتشرت هذه المهنة وأصبح الكل يشتغل بها". وأردف موضحا "يوجد حاليا بالساحة حوالي 30 عشابا لكن لكل واحد زبناءه".
وفي الوقت الذي يرفض فيه العشاب السوسي خلط الأعشاب "راس الحانوت والمساخن" كان بجواره عشاب صحراوي يشرح مزايا خلطها لتتفاعل داخل الجسم وتقضي على المرض فـ "عنبر كاكا"، يؤكد العشاب الصحراوي، كفيل بإخراج البرد من الجسم والمحافظة على "فحولة الرجال، ويضفي جمالية على المرأة". عبارات وغيرها جعلت حلقته تكتظ بالجمهور. وما إن احتشد جمع غفير حوله حتى وضع العشاب الصحراوي إحدى رجليه بحركة رياضية فوق عنقه، بعد ذلك تمدد على الأرض، في إشارة إلى رشاقة يستمدها من تناول "عنبر كاكا"، وهي مادة تؤخذ غالبا مع الشاي كما هو الشأن لدى جميع العشابة في الساحة.
ويرجع سبب"احتلال" العشابة لهذا الفضاء من الساحة، حسب العديد من مرتادي ساحة جامع الفنا، إلى تقلص حلقات مروضي الأفاعي والرواة الحكواتيين، إذ أصبح عبد الرحيم ،الملقب بالكرواد، الحكواتي الوحيد الذي ما زال يمارس في الساحة بصفة مستمرة.
يستمد قصصه عن طريق الرواية الشفهية، ويخوض صراعا يوميا من أجل بناء معمار الحلقة لسرد الحكايات والقصص المتواترة عن سابقيه، بل يبدع أحيانا في نسجها من خيال مدهش مؤسسا خطابا عجائبيا، في محاولة منه لشد انتباه المتفرجين.
ومند إعلان ساحة جامع الفناء تراثا شفويا إنسانيا، في 18 مارس 2002، بدأ اهتمام السلطات المنتخبة بالساحة الواقعة في نفوذ ترابها، بالتنسيق مع جمعية شيوخ الحلقة من أجل إيجاد طريقة لمنح الحلايقية بعض المساعدات، غير أن الفكرة ظلت مشروعا يراود صانعي الفرجة، فالخوف من المستقبل هو القاسم المشترك بين الشباب الذي اقتحم عالم الحلقة، إبداعاتهم تخفي وراءها مصيرا مجهولا، فكم من أشخاص انسحبوا من هذه الساحة لصعوبة حصولهم على دخل يوفر لهم القوت اليومي ويضمن استمراريتهم واستمرارية ما يقدمونه من فن.
وقبل غروب الشمس بقليل تبدأ الملامح النهارية للساحة تتغير، بعد دخول ممارسين جدد ليسوا بحلايقية، وإنما أصحاب مأكولات، وما إن تغيب الشمس حتى تتحول الساحة، ربما، إلى أكبر مطعم في العالم بالهواء الطلق، فأكثر من نصف الساحة تشغلها المطاعم المتنقلة، التي بلغ عددها حوالي 72، جرى تنظيمها وفق تصميم موحد يتوفر على كافة المواصفات والتجهيزات الضرورية، بعدما كانت المبادرة لفائدة أصحاب عصير البرتقال، وبائعي الفواكه الجافة، الذين يعرضون منتجاتهم بدكاكين مصممة على شكل عربات الكوتشي، الأمر الذي أصبح يقلق المهتمين بالساحة، من جمعيات وأدباء وباحثين وشعراء وفنانين مخافة اندثار التراث الشفوي من ساحة جامع الفناء.
عن المغربية |