على خلاف معظم المطربات والمطربين العرب ظل اسم أم كلثوم مكتفيا بذاته فنادرا ما يسبقه لقب آخر مثل "المطربة" أو "المصرية" أو "الراحلة", وكأنها استغنت باسمها المستقر والمنفرد عن أي اسم أو لقب سابق أو لاحق, بعد أن ظل هذا الاسم عبر نصف قرن يشكل جانبا كبيرا من الذوق الغنائي العربي.
ويرصد كتاب عن أم كلثوم, كيف استطاع صوتها استيعاب كافة التيارات الشعرية والموسيقية وتطويعها إلى طريقتها في الأداء, أي أنها بمعنى ما " كلثمت" الكلمة واللحن معا, ابتداء من ألحان أستاذها الرائد أبو العلا محمد, مرورا بألحان معلمها محمد القصبجي والشيخ زكريا أحمد, ورياض السنباطي, وصولا إلى ألحان الشباب مثل محمد الموجي, وسيد مكاوي, وإن برزت البصمة الشبابية بصورة أكثر وضوحا مع أعمال بليغ حمدي.
ويأتي أحمد رامي في مقدمة الشعراء الذين كتبوا لأم كلثوم , إذ غنت له أكثر من 150 عملا, ويليه محمود بيرم التونسي بحوالي 40 عملا. في حين لحن لها السنباطي أكثر من 100 عمل يتراوح بين الأغنية القصيرة والقصيدة الطويلة عامية أو فصحى, ويأتي بعده القصبجي الذي لحن لها أكثر من 70 أغنية آخرها عام 1944, وهي رائعته (رق الحبيب), بعد أن أنقذته أم كلثوم من أغاني الركاكة, التي لحنها لمنيرة المهدية مثل (بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة), و(انسى اللي فات وتعال بات ليلة الثلاث), و(والله زمان يا دلعدي ما شفنا ليلة زي دي), لكنه اتخذ طريقا آخر منذ لحن لأم كلثوم مونولوج (إن كنت أسامح), الذي بيع منه عام 1928 مليون نسخة.
أما زكريا أحمد فلحن لها نحو 70 أغنية ولولا خلافهما الطويل في الأربعينيات لأثمر تعاونهما عن أغان أخرى.
والكتاب الذي جمع مادته ايزيس فتح الله ومحمود كامل, يقع في 482 صفحة كبيرة القطع, وطرحت طبعته الثانية (دار الشروق) في القاهرة بالتعاون مع مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي بمكتبة الاسكندرية, ويعد الكتاب باكورة (موسوعة أعلام الموسيقى العربية).
ويتضمن الكتاب بابا عن السيرة الذاتية والفنية لأم كلثوم, وبابا تفصيليا بأغانيها مرتبة ترتيبا هجائيا من الألف إلى الياء, يليه باب ثالث بأغانيها مع المؤلفين والملحنين ابتداء من الشيخ أبو العلا محمد حتى سيد مكاوي.
ويكشف الكتاب التوثيقي عن ذكاء أم كلثوم في تنويع مصادر إبداعها, إذ لم تكتف بالشعراء المصريين, بل سعت لغناء قصائد من عيون التراث العربي إضافة إلى قصائد لشعراء عرب كما حدث مع اللبناني جورج جرداق, والسوداني الهادي آدم, والباكستاني محمد إقبال, الذي غنت قصيدته (حديث الروح).
ويسجل الكتاب أنه ردا على غنائها هذه القصيدة, أقامت سفارة باكستان بالقاهرة في مارس 1968 حفلا منحتها فيه وسام (نجمة باكستان), وجاء في كلمة سفير باكستان في الحفل أنه "حين غنت السيدة أم كلثوم لإقبال, أسهمت في تعريف العالم العربي به, وأيضا حين غنت لإقبال فانها تضيف اسما إلى الأسماء الضخمة التي خلدتها بأغانيها لهم."
كما يكشف الكتاب عن ثلاث محاولات لأم كلثوم في مجال التلحين أولاها عام 1928, حين غنت طقطوقة يقول مطلعها (على عيني الهجر ده مني-ده كان غصب عني), والثانية عام 1936, حين لحنت مونولوج (يا نسيم الفجر ريان الندى- ما الذي تحمل من دار الحبيب), وكلاهما من تأليف رامي, أما المحاولة الثالثة فغير معلوم تاريخها ولا مؤلفها وعنوانها (تبارك من تعالى في علاه), ولما سئلت أم كلثوم عن سبب توقفها عن التلحين أجابت "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله."
ويسجل الكتاب أغنية غير مشهورة لأم كلثوم عنوانها (الخلاعة والدلاعة) غنتها في منتصف العشرينيات تمشيا مع موجة الغناء الهابط في تلك الفترة وما قبلها, ويقول مطلعها "الخلاعة والدلاعة مذهبي- من زمان أهوى صفاها والنبي. لما يخطر حبي عندي بمشيته- تلقى قلبي له يميل من فرحته. شوف دلاله ولا قده وطلعته-تفرح القلب يا ناس كده والنبي", والأغنية من ألحان أحمد صبري النجريدي, الذي لحن لأم كلثوم نحو 13 أغنية في البدايات. وقيل إن "معلمي" أم كلثوم تضايقوا مثل كثيرين من هذه الأغنية فقام الشيخ أبو العلا محمد وزكريا أحمد ورامي باقناعها بسحب تلك الأسطوانة "غير اللائقة", وقيل إنها تبرأت من الأغنية, حتى إن الكاتب الصحفي البارز آنذاك, محمد التابعي, دافع عنها بذكاء ناسبا تلك الأغنية إلى واحدة من " أمهات كلثوم الزائفات" اللاتي ملأن الأجواء استغلالا لشهرة أم كلثوم "الحقيقية".
|