مراكش : عبد الصمد الكباص
ترى بماذا يمكنه ان يحلم هناك؟! سألنا محمد ان كان قد استفاد من احد برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي رصدت لها بمراكش أموال مهمة لم يفهم شيئا مما قلناه له لانه لم يسبق له ان سمع شيئا عن هذه المبادرة واكتفى بالتأكيد بأن لا احد سأل فيه هو وزملاءه سواء كان برنامجا رسميا او مدنيا للتنمية
يعيش محمد وفق نظام بالغ التقشف لأن دخله لا يسمح له بأحسن من ذلك فهو يبيت قرب حماره بالفندق مفترشا الارض، ويلتزم حمية غذائية بالغة القسوة، ليس رغبة في صحة جيدة وجسم قوي وخال من الدسوم والكوليسترول وإنما لضرورة قاهرة تفرض تقليص مصاريف مدخول قليل جدا وغير مضمون وعليه أن يقتسمه وأسرته المتواجدة بالشاوية لذلك فالحليب مثلا اسم محذوف من قاموس تداوله اليومي ويذكره بطعم مادة لم يتذوقها منذ زمن طويل يسمع عنها ولا يراها، وجبته الروتينية التي تتكرر ثلاث مرات في اليوم هي كأس شاي وخبز أسود وعندما ترتقي إلى أقصى درجات البذخ والترف يصحبها صحن صغير من البيصارة أو العدس أو اللوبيا (أي الفصوليا اليابسة)، المهم والاساسي هو ألا يتجاوز عشرين درهما كمصروف يومي
مدار عمل محمد الشاوي هو المدينة العتيقة يجوبها بحثا عن ورش بناء بدرب ضيق لا تستطيع الشاحنات الكبيرة ولوجه، يقول إن العربات الحديدية الصغيرة المجرورة بالحمير تعمل بمراكش العتيقة وسيدي يوسف بن علي أما الاحياء الجديدة كالداوديات والمسيرات وصوكوما والمحاميد فالشاحنات تتكفل بنقل أتربتها وحتى بداخل المدينة القديمة ظهر منافس جديدة ينضاف إلى كثرة العربات هي الدراجات الصينية التي أضحت اكثر فعالية وسرعة في نقل مخلفات البناء والهدم مستغلة صغر حجمها لتتسلل إلى أعماق الدروب والازقة
في نهاية الاسبوع يكون على محمد السفر إلى الشاوية ليعود أسرته المستفرة هناك ويمدها بحصيلة الاسبوع مما ادخره من مال ليكفل مصاريف تمدرس كبرى بناته وعيش الطفلة الثانية والزوجة وكل ذلك مما توفره له وسائل انتاجه: الحمار والعربة
المداخيل غير منتظمة حسب ما يقول محمد في أحسن الاحوال قد تصل إلى 80 درهما في اليوم تخصم منها تكاليف كلأ الحمار والاتاوات التي تقدم لبعض المراقبين مقابل السماح له بمزاولة عمله بدون مضايقة، فهو ينقل كريريسة من التراب مقابل سعر يتراوح مابين 25 و30 درهما حسب موقع الحي وبعده عن مطرح الاتربة بواد ايسيل، وعن كل كريريسة يقدم عشرة دراهم للديبو (مكان طرح الاتربة) مقابل السماح له بوضع حمولته ليتبقى له من المدخول 15 درهما فقط للكريسة الواحدة تقتطع منها نفقات اقامة الحمار بالفندق واطعامه، وحسب تصريح محمد الشاوي فأقصى انجاز له باليوم هو ست كرارس (اي ست حمولات) يحدث ذلك نادرا وقد يأتي يوم لا ينقل فيه ولو حمولة واحدة وفي النهاية يتراوح معدل مدخوله اليومي مابين 40 و 60 درهما، عليه ان يكفي حاجيات عيشه منها ويوفر ما يعول به اسرته مع اقتطاع واجبات الحمار
مكرفسين بزاف مساكن يعلق العربي حارس الفندق بحال محمد الشاوي كثار تيظلوا يجريو بالحمير او الكرارس باش يديو لعائلاتهم باش ايعيشو ماعندهم في مراكش حتى فين ينعسو
عين لنا محمد مكان مبيته بالفندق ليس فيه ما يليق بكرامة انسان وابسط وصف يقدم له سيكون جارحا للاحساس الانساني. ارضية حرثتها قوائم الحمير وفرشها روثهم مكان للنوم من طراز استثنائي محكوم بالجوار الصعب للبهائم
ترى بماذا يمكنه ان يحلم هناك؟! سألنا محمد ان كان قد استفاد من احد برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي رصدت لها بمراكش أموال مهمة لم يفهم شيئا مما قلناه له لانه لم يسبق له ان سمع شيئا عن هذه المبادرة واكتفى بالتأكيد بأن لا احد سأل فيه هو وزملاءه سواء كان برنامجا رسميا او مدنيا للتنمية
انهم يعيشون فعلا التجربة الحقيقية للهامش في عمق الفندق من الجهة اليسرى ينفتح باب ضيق يحيل مباشرة على فضاء معتم يطل منه وجه رجل مسن لكن يجسد اكثر حيوية يبتسم وهو يصرح بسنه انا فايت السبعين وكاين هنا منذ سنة 1957 نطل على مكان تواجده فنفاجأ برؤوس البقر التي تنعم بكلأها
ينحدر المحجوب من حي اسول بمراكش العتيقة دأب على تربية الماشية منذ شبابه ويوجد بالفندق منذ اربعين سنة عايش تحولاته عن قرب ينتج الحليب تحدث بنوستالجية مؤثرة عن الايام التي مضت عن الجنانات المجاورة التي كان يقتني منها الكلأ لبقره، والتي اختفت اليوم بعدما التهمتها التجزئات الجديدة وتجمعات السكن العشوائي التي تستفحل يوما بعد يوم
قال ان هذا الفندق قديم جدا، وانه كان هكذا دائما مأوى للدواب وقال ان الفندق المجاور له كان اصطبلا لتربية الخنازير في ملك معمرة اجنبية . حدث هذا في زمن مضى وانقضى، اما العربي حارس المكان وقابضه فيؤكد وان عمر الفندق يزيد عن 75 سنة ظل فيها محافظا على وظيفته الفارق الوحيد هو ان عدد الحمير وعرباتها تتكاثر بموازاة موجات الجفاف وازمات البادية فهو يقدر عدد الحمير التي تستخدم في جر عربات نقل الاتربة بمراكش العتيقة وسيدي يوسف بن علي بسبعة آ لاف حمار ينشط بقوة في دروب وازقة وشوارع المدينة ويتحرك في مسالكها
يؤدي صاحب العربة ثلاثة دراهم وخمسين سنتيما عن كل ليلة يقضيها حماره بالفندق ينضاف الى واجب الإقامة مصاريف الكلأ حيث تكلف تغذية الحمار في اليوم الواحد 17 درهما تهم التبن والفصة والشعير لتبلغ اجمالي مصاريف الدابة عشرين درهما وخمسين سنتيما يساوي المصروف اليومي للحمار مصروف صاحبه كما هو الأمر بالنسبة لحالة محمد الشاوي الذي لا يستطيع تجاوز عشرين درهما في اليوم تغطي تكاليف تغذيته ومبيته وكل شيء في عالم حاجياته الذي يتقلص الى اقصى الحدود• اما عدد الحمير التي تقيم بشكل دائم في هذا الفندق فيبلغ عددها 76 حمارا
انطلقنا بعيدا عن الفندق خارج السور، في طريقنا أينما ولينا وجونا الا وهناك حمير تجر عربات منها ماهو متحرك ومنها من يقف راسيا في ساحة او قرب متجر أو تحت ظل حائط ينتظر دوره في الحركة
قبالة باب الدباغ كان علينا ان نقطع واد إيسيل وان نتوغل وسط تجمع حاشد من السكن العشوائي والمساحات القاحلة التي قطعت أشجارها وجف نبعها اقترب مصير اقتطاعها تجزئات باهظة الثمن الى أن وصلنا المكان المقصود من بعيد يبدو كواحة في قلب صحراء بفعل الاشجار الخضراء العالية التي ترتفع منها لكن عندما اقتربنا وجدناه حفرة شاسعة تمتد لمئات الامتار الحمير بعرباتها تتدحرج نحوها او تغادرها متسلقة المنحدر المرصوف بالاتربة والحجارة
الشكل العام للمكان يبدو هجينا من أعلى: خليط من أشكال لمخابىء مسقوفة بنفايات الكرتون الرث والبلاستيك المتلاشي، بعضها تطل منه رؤوس الدواب (الحمير طبعا) والبعض الآخر تتقافز منه نظرات أطفال وشيوخ ونساء يصعب ان تصدق ان في مراكش نفسها تلتئم الالفة بين قصور شارع محمد السادس وفيلات ليفرناج والنخيل وهذه الكيانات الهجينة التي يتجاوز فيها الإنسان والحيوان تحت سقوف من أزبال ونفايات!!
هناك استقبلنا السي محمد الذي يقطن بعين المكان، عمره 70 سنة، قال أنه كان يشتغل دباغا ولما بلغ عتيا ولم يعد له من السواعد ما يكفيه للقيام بهذه المهنة الشاقة ارتكن الى هذه الحفرة التي يستغل نصفها في كراء المبيت لحمير العربات
أبنائي لم يرثوا عني حرفتي الدباغة لم تستهوهم وفضلوا العمل في قطاع البزارات فجئت الى هنا أربي الخرفان وأقوم بكراء المبيت للحمير...أتقاسم هذه الحفرة مع شخص آخر الذي يمارس نفس النشاط . المكان معروف بالدباغ الحفرة هذا ما أكده السي محمد
سألناه عن عدد الحمير التي تبيت عنده فتردد كثيرا في التصريح بالعدد ليقول في النهاية ثمانية لكن أحد الاطفال قاطعه ليصحح له الرقم قائلا: لا، خمسين بهيمة فنهره الشيخ آمرا إياه بالتزام الصمت، ليضيع الرقم الحقيقي بين الاثنين
الى جانب حماره وقف حميد منصتا لحديثنا مع السي محمد الدباغ، قال ان في القسم الثاني من الحفرة يقيم مائة حمار، وكريريسة سألناه عن سبب تواجده بالمكان فأجاب: أنا عندي كريريسة ديال الخشب في الصباح الباكر أذهب بها الى المارشي (سوق الجملة) أقتني الخضرة وأتجول بها بين الاحياء أعيد فيها البيع ...قاطعناه متسائلين عن سر بقائه بالحفرة رغم ان الوقت صباحا وهو موعد العمل فرد: ذهبت هذا الصباح الى المارشي كعادتي كل يوم فوجدت أسعار الخضر ملتهبة، الغلاء يمس كل شيء فعدت لأربط الحمار وأضع الكريريسة لأنني لا أستطيع ان أغامر فأقتني الخضر بأثمنة لن يشتريها مني أحد، كما أن إمكاناتي المادية لاتقوى على مواجهة هذا الغلاء
في العادي من الايام ينتزع حميد من عمله هذا كبائع متجول بالخضر مدخولا يتراوح ما بين 60 و80 درهما تحدث عن لوازم الجولة التي تمثل نفقات جانبية لايستهان بها كدهن السير الذي يكلف عشرة دراهم تدفع لكل مراقب قد يستوقفه وإلا فمصير عربته ومحتوياته سيكون هو المصادرة ومصاريف الحمار اليومية التي تقدم بعشرين درهما وواجبات مبيته في الحفرة يؤدى عن كل حمار وعربته الصغيرة ثلاثة دراهم وعن كل بغل وعربته الكبيرة (الكارو) خمسة دراهم لليلة الواحدة
يبلغ حميد من العمر 29 سنة وهوقادم من الرحامنة يعمل في هذا المجال منذ ما يزيد عن خمس سنوات لم يتزوج لأن ظروفه المادية لا تسمح له بمثل هذه المغامرة يعيل والديه، ويتحمل مسؤولية إسكانهما "راهن ليهوم في سيدي يوسف بن علي ماكاين ما يدار بمراكش غير البهيمة والكريسة، آش غادي ندير بحياتي هنا الى ما صاكتش الحمار والكريسة"
في الحفرة تبدو العشرات من الوجوه محملة بأحلام مدفونة في نفوس محطمة. النظرات منكسرة تتصيد أفقيا يخبو أمامها باستمرار. حياتهم متلفة بين حوافر الدواب التي تتقاسم معهم ذات المكان وذات الزمان وتدس رؤوسها تحت نفس السقوف: سقوف من أزبال وأوحال ونفايات
كلما كلمنا أحدهم إلا ويرد بصوت متباطئ كما لو كان منتزعا من أعماق بئر مسكون بمياه آسنة من طرف إحباطهم لم يعد للقول أي جدوى لديهم. صعدنا من الحفرة مخلفين وراءنا حياة منسية بين روث البهائم والغبار الجاف والبلاستيك اليابس لأناس يتحملون ثقل مأساتهم اليومية في غفلة من مجتمع بكامله
هناك من عمق الحفرة كان أطفال يتقافزون ببراءة. العربات المجرورة بالحمير تجيء وتروح والرافعات الضخمة غير بعيدة منها منشغلة في بناء صروح القصور الفخمة لأثرياء المدينة وضيوفها المترفين والشمس تغيب لتشرق على يوم يطول بمرارة محنة لا أحد منهم يعرف متى تنتهي...
|