مركش : عبد الصمد الكباص
أي مشاريع فكرية وابداعية بلورت في مقاهي المدينة الحمراء؟ وأي وثائق خطيرة حررت بها؟ وأي افكار توضحت بها؟
يكاد الفنانون والكتاب والشعراء والصحافيون ينتشرون بمقاه بعينها، الشاعر احمد بلحاج آية وارهام يراود عزلته المبدعة ما بين مقهى الكتبية ومقهى فرنسا، يأتي إليهما قبيل الغروب محملا بكتاب او مجلة، القهوة السوداء لا تفارق طاولته، تمتزج نكهة مشروبه بنظراته المبحرة في تأملات لا تقطعها إلا زيارات اصدقائه من المبدعين الذين يستغرق حديثه معهم في الاصدارات الجديدة واسئلة الكتابة والحياة
وفي مقهى فرنسا دائما يتسلل بين كراسيها الكاتب الاسباني خيسوس غريوس صاحب رواية زرياب، الوقت المفضل لديه هو ما بعد الظهر، لأنه يستنفد صباحه بانتظام من السابعة والنصف إلى الواحدة في الكتابة. لايحمل معه كتبا ولا دفاتر، ماعدا علبة سجائره المفضلة التي يدخنها، يتذوق كؤوس النعناع متخللة بدردشته مع اصدقائه المغاربة الذين يفضل الحديث معهم بالدارجة، لا يكتب في المقهى ولا يقرأ وإنما يشحن نفسه بطاقة جديدة لاستئناف عمله في اليوم الموالي
مقهى نيكوسيان لايتعين بكراسيه وموقعه فقط، وانما كذلك بالشخصية التي تواظب على ارتياده منذ عقود طويلة، انه الفقيه والدبلوماسي مولاي الصديق العلوي الذي يشكل حضوره اليومي بها علامة مميزة بجلبابه الابيض المعد بعناية، يجلس مولاي الصديق في الجهة الممتدة على شارع محمد الخامس من المقهى، رغم ان عمره يتوغل في الثمانينات، إلا انه يستدرج صباحاته كل يوم إلى طاولته حيث ينكب بنهم على قراءة الجرائد، غير معني بما يحيط به إلى أن يلتحق به مريدوه واصدقاؤه ليجرفهم ابحار عميق في ماضي مراكش وجامعة ابن يوسف وطرائف رموزها من المثقفين والسياسيين، مضافا إليه نقاش حول الكتب والشعر والتاريخ وذكرياته اثناء مهمته الدبلوماسية بالمشرق العربي أو برفقة الملك الراحل الحسن الثاني ومن حين لآخر تظهر إلى جانبه شخصيات اخرى كامحمد بوستة وغيره من مسؤولين سياسيين ووزراء سابقين
منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي والشاعر والفنان التشكيلي اسماعيل زويرق يداوم على الجلوس بمقهى المعتمد، السارية التي يتكئ عليها معلومة، ليمتد نظره إلى الافق الذي تطل منه صومعة الكتبية، لاتحلو الجلسة للشاعر إلا بهذا المكان بالضبط، وطاولته لا تستلطف كثيرا القهوة السوداء او السجائر، بل الشاي أو الحليب الممزوج بنكهة اخرى
العلاقة بهذا المقهى أخذت بعدا ابداعيا لدى الشاعر زويرق الذي حولها إلى مادة شعرية في بعض قصائده يمكننا ان نتذكر قليلا أعمالا كقوة الاشياء ومذكرات فتاة رصينة ليسمون دوبوفوار او باريس وليمة متنقلة لهيمنغواي، لنقف على الاهمية التي يحظى بها المقهى في حياة مثقفين كبار ليس فقط كسارتر وسيمون بل آخرين كميرا لوبونتي والبير كامو وسيوران ومارغريت دوراس وديريدا
يمكننا كذلك ان نتذكر محمد شكري والحيز الذي تحتله مقاه بعينها في اعماله ومذكرات لقياه مع كتاب اجانب كتينسي ويليامز وجان جينيه وبول بولز، وبالمقابل في مراكش يمكننا ان نتذكر مقاه محددة لنسترجع كتبا ولوحات واحداث، انها سيرة مقلوبة لعلاقة الابداع بالفضاء
يبقى أن ننبه إلى أن المقاهي بمدينة يوسف بن تاشفين لم تكن فقط شاهدة على صياغة احلام ومشاريع ونقاشات وإنما كذلك على عداوات رُتبت بها وخصومات واشاعات
|