للمراكشية: محـمـد الـقـنـور
كمعظم رؤساء الدول والحكومات ممن زاروا المدينة الحمراء الألفية، احتلت مراكش مكانا مميزا لدى الزعيم الليبي معمر القذافي، ليس فقط في تصريحاته الملتهبة التي تعود فيها على شتم العرب والتبرؤ منهم بقوله أنه لا يشرفه أن يكون عربيًا، أو دعوته الغريبة للتآلف بين الفلسطينيين والإسرائيلين وتأسيس وطن إسمه "إسراطين"، حولت صاحب الكتاب الأخضر إلى رجل "طالع ليه الدم" مما آل إليه الوضع العربي، وخطاباته النارية التي تحولت إلى نكت لاذعة في قول الحقيقة بلا رتوش أو مقدمات، وسخرية مفرطة من الغرب بصورة خاصة.
إن الظاهرة القذافية مسلسل مفاجآت لا ينتهي، وأكثر من هذه المفاجئات تلك العلاقة الحميمية والذكريات التي ظلت تربط الزعيم الليبي بعاصمة المرابطين، مدينة مراكش، علاقة حب ومودة إستطاع أن يلقنها لنجله.
الزعيم الليبي معمر القذافي ما يزال يطلق إسم مراكش على المملكة المغربية بكاملها، فهي المدينة العربية الأكثر ثأثيرا على مساره السياسي، قبل أن ترتبط لديه بمؤتمر تأسيس اتحاد دول المغرب العربي، فهي العاصمة التاريخية للمغرب العربي زمن الدولة المرابطية والموحدية، وهي أكثر مدن الغرب الإسلامي التي إحتضنت مدافن ومزارات كبار العلماء والفلكيين والمتصوفة والأدباء ممن توافدوا عليها في الزمن الإمبراطوري من مصر والشام، من الحجاز وبلاد الرافدين من الأندلس وحتى من سمرقند مثل سيدي السمرقندي دفين حي سيدي عبد العزيز التباع، والملقب لدى العامة بــ "سمارة قنديل".
القذافي زعيم ليبيا، زاد غرامه للمدينة الحمراء – واخا عزيز عليه اللون لخضر– منذ أن صافح إلى جانب الملك الراحل الحسن الثاني والزعماء الثلاثة الآخرين الرئيس الجزائري السابق الشادلي بن جديد، والرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد سيدي احمد الطايع، والرئيس التونسي زيد العابدين بن علي، من شرفة بلدية مدينة مراكش، الجماهير المصطفة على أرصفة شارع محمد الخامس أمام عرصة مولاي عبد السلام، والتمس من الملك إقامة خيمته المفضلة لاستقبال ضيوفه في باحات إحدى الفيلات المعروفة في النخيل بمراكش قبل أن يلتمس نفس الطلب من ساركوزي الرئيس الفرنسي نصبها بسنوات، قرب الفندق الذي أقام فيه بباريس خلال زيارته لفرنسا في دجنبر الفارط .
فالمغرب بلد متحضر، هادئ في نظر طاقم حارساته، ينعم فيه القذافي بالراحة والهدوء، "إلى ماقاداتو خيمة يدير جوج، عطا الله تواسع" فقد سبق له أن نصب خيمته في وجدة إثر إعلان بيان وجدة الوحدوي بين المغرب وليبيا في 18/08/1984 لإقامة الإتحاد العربي الإفريقي وفي مراكش، مع مبادرة اتفاقية مراكش لاتحاد المغربي العربي في سنة 1989 باعتبارها مرحلة أولية نحو الوحدة العربية الشاملة، عندما كان يتجول راكبا أو ماشيا في ممرات النخيل الخلابة والهادئة، حيث السكينة وسمفونيات النخيل .
ليس مثل قمة منتجع شرم الشيخ الساحلي على البحر الأحمر في مصر الشقيقة، حيث نصب الزعيم الليبي خيمته العروبية الشهيرة بالقرب من الفندق الذي يستضيف أعمال القمة العربية، إلا أن أجهزة الأمن المصرية منعت مرافقات الزعيم الليبي «الحارسات الثوريات» من دخول الفندق الذي تعقد فيه القمة، مما أدى إلى وقوع اشتباك بالأيدي.
علاقة القذافي بمراكش لها أكثر من واجهة، فهي في نظره مدينة رمزية، تختزل كل دلالات الوحدة والجماهيرية، في يوم من الأيام كانت مدينة إمبراطورية، وعاصمة سياسية وإدارية لكل دول المغرب العربي الخمسة بالإضافة إلى الأندلس، زمن المرابطين والموحدين وفي عهد السعديين وبعض السلاطين العلويين، لذلك حرص على زيارتها، وزيارة ضريح مؤسسها يوسف بن تاشفين وهي الزيارة التي أثارت أكثر من علامة استفهام.
لمراكش عند القذافي طابعها الخاص، ومناخها الخاص وسحرها الخاص، يتداخل فيها الماضي الأندلسي بالطابع العصري، ويتوحد بين أحياءها التقليدي مع الحداثي ويختلط الحاضر مع الماضي في مزيج رائع وفريد، فبمجرد دخوله إلى منطقة الأسواق العتيقة التي كان يحرص على زيارتها، كان يشعر – حسب تصريحات بعض المقربين منه- أنه دخل إلى عمق التاريخ، وأصبح جزء من سمفونية بصرية تختلط فيها رائحة الماضي الأندلسي وفنانيه وشعرائه وملوكه ومتصوفيه من المباني التراثية المرممة الزاهية بالزخرفات والنقوش، ومن الأزقة الضيقة المكتظة بالمشاة والباعة الجوالين والحوانيت والدكاكين، وتتوحد مع ثقافة الصحراء وامتداداتها وأمجاد الأمازيغ وأهازيج الجبال القادمة من قمم الأطلس الأشم .
وما زالت الظاهرة القذافية تبعث كل يوم على الإستغراب والدهشة، وتدعو أحيانا إلى الإبتسام والتساؤل، فمن تصريحاته المثيرة حول انقراض البرابرة "زعما ماكاينين شلوح" إلى الحلم بأوروبا المسلمة، ومن تبني فكرة إنشاء "الدولة الفاطمية الثانية" في شمال إفريقيا، معتقدا أن مثل هذا الإقتراح يأتي لإخماد "العافية اللي شاعلة" بين السنة والشيعة، إلى دعوته البابا بنديكتوس السادس عشر إلى معرفة حقيقة الإسلام واعتناق الدين الإسلامي، مرورا بمطالبة اليهود والنصارى بالطواف حول الكعبة ما دام الله بعث بمحمد نبيا لكل الناس والكعبة هي بيت الله، إذن فالكل – في نظر القذافي- مدعو إلى الطواف وليس المسلمين والعرب فقط .
"باغي يضــسـر جورج بوش على الحرمين حتى هوما".
ومن معالجات القذافي التي أثارت ضجة مؤخرا لدى المثقفين والمهتمين في بعض المناطق الأمازيغية بجهة مراكش تانسيفت الحوز ما قاله عن الأمازيغية في المغرب العربي من أن قبائل الأمازيغ انقرضت من زمان منذ أيام مملكة نوميديا... وهي في نظر الزعيم الليبي، قبائل لا تعرف بالمرة، ويمكن أن تكون سامية أو شرقية جاءت لكنها انقرضت وانتهت، معتبرا أن الأمازيغية ليست لغة وإنما "هي بحال شي هضرة ديال الغوص، ما فيها لا خيال و لا تجريد" هو اللي قال.ناري كون سمعوه الدراري ديال الدغرني الذي عاد من إسرائيل مؤخرا.
|