بقلم رشيد لمهوي
Nomade121@hotmail.com
" ليس الانسان سيد معرفته لانه يوجد. بل هو سيد وجوده لانه يعرف ".عبد الصمد الكباص
سيرة فكر
لامراء ان عملية التفلسف تحمل في عمقها مخاطر جمة. حيث ان الولوج في غمارها يستلزم مهارات وتقنيات وقدرات هائلة في التعامل مع اللغة ، اضافة الى ذكاء مفرط وحذر شديد.الاكيد هو ان التفلسف بمثابة صيغة في التفكير المتاني في العالم من حيث هو معطى قبلي هذا من جهة اولى وهو صيغة تعامل مع هذا العالم الذي تمنحه كيانات جوهرية مجردة من جهة تانية. التفلسف يخلق المفهوم الذي يتدبر العالم ويصنعه ويحوره .في هذا السياق يجب التاكيد على ان التفلسف هو منذور لخلق المفهوم الذي يصيغ العالم او الوجود ليغدو قابلا للفهم.ويجدر بنا القول على ان الفيلسوف هو المفهوم، بحيث ان لا يمكن ان نعين واقعة التفلسف دون استحضار امكانية المفهوم الذي لا ينفصم عن خالقه الفيلسوف .هذا الاخير هو النقطة التابثة الذي يتحرك المفهوم في فلكها. وينشئ من خلالها امكانات العالم الوجودية.
بمناسبة هذا الحديث لا يسعنا الا ان نتحدث عن احد الاسماء الفكرية التي نحتت توقيعها عن جدارة واستحقاق. وساهمت في صقل التجربة الفكرية بالمغرب.وهو المفكر عبد الصمد الكباص.وكما يحلو للبعض نعته بزعيم الفلاسفة الجدد.
ارتبط هذا الاسم في بداياته الاولى بمرحلة التسعينات من القرن الماضي.حيث كانت المحطة الاساسية في علاقته الصميمية مع الفلسفة التي توجت بميلاد حلقة الشعراء المفقودين التي كانت تضم اضافة الى الكباص كل من سعيد بوخليط ،ضياء الدين وعزيز ايت ايبور. لكن الاسمين الاخيرين انسحبا من الحلقة لاسباب خاصة تتعلق بهما .بينما واصل كل من سعيد بوخليط و عبد الصمد الكباص مشوارهما الفكري والنظري والتعمق في الاشكاليات الفلسفية التي كانت دافعا حيويا في التساؤل وخلق افق نظري خاص بهم.
للإشارة فحلقة الشعراء المفقودين هي اللحظة الحاسمة التي وضعت فيها الاسس التي سيقوم عليها مشروعهم الفلسفي ، وهي اللبنة والارضية الصلبة التي انطلقت عبرها اهم المفاهيم والتصورات و النظريات التي ستجد صداها بعيدا في الكتابات اللاحقة. اضف الى ذلك هي ارضية حيث سيتجسد الفعل المعرفي ويجد تصريفه الفعلي في كتابات الكباص الراهنة .
حلقة الشعراء المفقودين لم تراهن في بداياتها على السؤال الفلسفي فحسب بل طال اهتمامها مجال الشعر كذلك.
كانت المجموعة المكونة للحلقة تجتمع في منزل احد افرادها وهي اجتماعات تتخذ من الليل افقا للشعر ومتعة جمالية في إلقائه. انها ليالي طويلة تستمد حيويتها من مساهمات افراد الحلقة المفتونين بالشعر ولحظاته الجمالية. ليالي بمثابة احتفاء بالحياة والوجود. في هذه الليالي التي تضيئها الشموع بأضوائها الخافتة تحفز على قراءة قصائد شعرية من طرف اعضاء حلقة الشعراء المفقودين. انها فعلا لحظة تعبر بجلاء عن العلاقة الوطيدة التي تجمع الفلسفة بالشعر.
لقد كانت فترة التسعينيات فترة للإنشغال والبحت في مختلف الإشكاليات التي استحوذت على عقول اعضاء حلقة الشعراء المفقودين ،وهي اشكالات مرتبطة باللغة والشعر والفلسفة. وقد حاولوا مقاربة هذه المفاهيم مقاربات مختلفة تتسم بطابع الجدة ومنظورية مغايرة عن نظيراتها . وتمت معالجتها باسلوب متميز يميل الى التجريد المحض.وتركيبات لغوية تنحو نحو التعقيد.في هذا السياق صرح الكباص في احدى الحوارات التلفزيونية مؤخرا وبالضبط في برنامج مشارف الذي يسهر على تقديمه الشاعر عدنان ياسين ان مسالة التعقيد ضرورية حيث ان الفكر الفلسفي بشكل عام لا ينحو منحى البساطة بقدر ما يميل الى التجريد. وقد وجدت كتاباتهم الاولى المقرونة بقلق وجودي ظاهر منابر وقنوات لتصريفها. حيث شكلت جريدة بيان اليوم فرصة حقيقية لهؤلاء الكتاب الشباب التي لم تدخر جهدا في نشر افكارها الاكثر جراة. إضافة الى جريدة مسافات التي عمل الكباص باستمرار على نشر مقالاته في صفحاتها. بالإضافة الى مساهمته الفعلية في تحمل مسؤولية الاشراف على صفحتها الثقافية.
ان مجرد الكلام حول فكر الكباص هو في حد ذاته مغامرة لاتخلو من مجازفة نظرا لما يكتنزه فكره من تجريد في تخومه القصوى وجدة منقطعة النظير. وليس من السهل متابعته بحيث يتطلب مجهودا ذهنيا فائقا وحذر ويقظة. من المفاهيم الاكثر انتعاشا والتي تؤرخ لمرحلة تاريخية من عمر كاتبنا مفهوم المجرى الانطولوجي ويعني به حيز لسيلان العالم ،كثرته المسترسلة ، تدفقه المستمر . وذلك باعتباره -اي العالم – احتمالات حدوث لانهائية منها يستمد ما ياخذ بعده الوقائعي حيث يكون وقوعه الزماني هو المسوغ الاحتمالي لتحقق كينونته .وهذا التحقق الذي يؤسس وقائعية العالم يتميز بانهياره وتعديمه وتجاوز لنفسه كنقط منفصلة عن بعضها البعض ،كل واحدة منها تلغي الاخريات ولاتحدث إلابتعديمها للباقي .ومنها ما ياخذ بعده الماهوي إذ يكون وقوعه الزماني لم يعين بعد، لم يتعرض بعد للتعديم، ولكن تبقى احتمالاته المتعددة منفتحة على المستقبل . وهذا الحيز ليس كيانا منفصلا او مستقلا عن سيلان العالم بل هولا يتاسس الا من خلال هذه الكثرة والتعدد والتشتت والاختلاف.
فالولوج الى ثنايا هذه الفلسفة ينكشف لنا على انها لاتقوم على المعرفة بل على العكس من ذلك فهي تقوم على اللامعرفة ،انها بمثابة انزياح عدمي نحو كينونة المستحيل .انها ليست امتداد لصدى اصلي تبدو فيه كاستئناف مسترسل لوحدة مستقرة فيه. بالإضافة الى انها ليست بحثا فكريا تنظيريا عن مركز يؤشر على ذلك العمق المفترض الذي فيه ترتكز الحقيقة التابثة والمضمونة التي لاتتزحزح. انها فلسفة بدون مركز ينتظمها تلتف حوله ليضمن انسجامها وتناغمها وتجانسها الموهوم. ولاتتشكل بهوامشها وانما هي ذاتها هوامش نفسها.انها هوامش فلسفية بدون مركز. والجدير بالذكر هنا على ان العنوان الاصلي لكتاب المجرى الانطولوجي هو هوامش فلسفية بدون مركز.يبدو ان هذا النوع من الكتابات الفلسفية هو تحول نوعي وكيفي في التفكير الفلسفي بالمغرب المعاصر ،هو إضافة نوعية تخرج عن المالوف والمتداول الذي هيمن عليه الفتور على امتداد زمني مديد. هي كتابة تنشد نمطا مغايرا على مستوى صياغة المفاهيم والاشكاليات. بحيث تجاوزت تلك النظرة السائدة التي يهيمن عليها منطق الدراسة والتكرار. وسعت الى تاسيس نظرة مسكونة بالمغايرة وبمنطق مغاير في التفكير. لم يعد همها تناول نظريات ونماذج مهيأة سلفا بقدر ما اصبح همها التفكير في العالم والتفكير فيه على نحو اخر ينزاح عن انماط التفكير السابقة.
نسج الكباص علاقة صميمية مع الكتابة ،ونعثر في محاولاته الاولى وكان ذلك في سن مبكرة في عمر لايتجاوز السادسة عشر حيث حاول تحليل مفهوم الاجتهاد .وهو بمثابة نص قصير حمله الى عالم الكتابة بكل ما تحمله في طياتها من معاناة وقلق وجودي لفهم العالم . الكتابة بالنسبة اليه ليست صدفة بقدر ما هي اختيار شخصي يتغيا سبر اغوار ولغز العالم ،الطبيعة،المجتمع،الذات، المعرفة. سحر الكتابة اغواه وافتتنه ،صارت جزء لا يتجزا من ذاته.هذا السحر الذي انتابه في وقت مبكر من العمر دفع به الى فكرة نشر مقالته حول الاجتهاد في إحدى الجرائد الوطنية .بالفعل صمم في اعماقه على تنفيذ هذه الفكرة ،فهب مسرعا للسفر الى مدينة الرباط ،وجد العنوان الذي نوى قصده ،استقبله مدير الجريدة بحفاوة وتبادل معه اطراف الحديث ،لكن اجابته كانت سلبية بحيث راى المدير ان المقال لا يصلح للنشر وهكذا قفل خائبا الى مدينة مراكش . لم يكن يدري مدير الجريدة على ان هذا الشاب الذي رفض نشر عمله سيصبح في يوم من الايام زعيم الفلاسفة الجدد.
من مضامين إنجيل كوندورسيه الموثقة بقوة في تلابيب تعاليمه المبشرة بعصر جديد وذات رسوخ تابث في اذهان التابعين والمريدين وهو ان التقدم العلمي والتقني لايساهم في تحقيق السعادة البشرية فحسب بل يعمل اكثر من ذلك على منح هذه السعادة مشروعيتها الاخلاقية. انطلاقا من السياق الذي تصاغ وفقه وفي خضمه حميمية الوجود والمعرفة من حيث ان المعرفة بمثابة مفتاح سحري لتشكيل السعادة الانسانية سواء في صيغة الحاضر او في افق مستقبلي قريب . وهو ما يدحضه الكباص في كتابه المتميز المشترك مع عبد العزيز بومسهولي الزمان والفكر.في نص قصير بعنوان الانشطار الانثروبولوجي من خلال قدرته على تحليله الوضع الملتبس للإنسان الذي يستلزم تاملا طويلا . فوثيرة التقنية المتسارعة زكت هذا الوضع الملتبس للغاية . يقول عبد الصمد الكباص على ان الخطرلا يكمن في العالم الخارجي ولا في عنف الطبيعة ولا في غيب الاقدار المحتومة انطلاقا من تصميم إلهي ،وانما في هذه القدرة المريبة على المعرفة التي كانت فيما مضى مصدر اعتزاز بالنسبة للانسان لانها تتعالى عن المشروط الحيواني الخاضع لحتمية عضويته . اما في عصر التقنية فقد اصبحت مصدر خوف وقلق ورعب وحولت المستقبل الى خطر وشيك ليس فقط لانها تختزل العلاقة بالعالم الى مجرد علاقة معرفية تؤول الى استحواذ وتسخيروانما لان افقها اصبح لامحدود ولا يمكن التحكم فيه".
الأكيد ان الانسانية التي كانت في القرون الفارطة ،في القرن السابع عشر على وجه التحديد تفتخر وتزهو بنفسها بصفتها الكائن الحي الذي يدرك وجوده معرفيا. هذه المعرفة التي تتضمن استقلاليته وتقدمه ونموه ،وتهيئ له شروط حياتية رغيدة وتمنحه القدرة على ان يعمر في الارض زمنا اطول. وقد فطن الكباص على ان هذه القدرة على المعرفة هي معقل أصلاني للخطورة المتاخمة لوجود الانسانية بالذات. لقد ولى زمن تحكم الانسان بزمام معرفته وغدت غير قابلة للمسك بقدر ما وجدت نفسها هي التي لها سلطة التحكم. فقدرة الانسان على المعرفة التي انفلتت تداعياتها من قبضته افرزت نتائج لا تحمد عواقبها في ظل عصر التقنية . والقنبلة الذرية ليست الا هذا التهديد الذي تشكله التقنية على الكائن كقدرة على الوجود . هذا الانفلات المعرفي يجد ترجمته في ذلك الصباح الباكر المشؤوم الذي لم يتلذذ به الياباني البسيط وهو يحاول ان يطل من نافذته المهترئة اركانها على البحر وهو يشاهد ببصره سقوط القنبلة الذرية وانشطار جزيئاتها القاتلة المسمومة على ارض هيروشيما التعيسة. على ضوء هذا الكلام ينحت الكباص مفهوم فلسفي عميق قابل للتامل فيه وهو الانشطار الانثروبولوجي ويحدده على الشكل التالي الوضعية الوجودية التي تنفض فيها الوحدة الغائية لكل من الوجود و المعرفة . والتي تصبح فيها قدرة الانسان على المعرفة معقل اكبر خطر يهدد قدرته على الوجود . وعلى قاعدة هذا الانشطار سيتحدد مستقبل الوجود الانساني بكامله.في هذا النص القصير الذي يحمل عنوان مثير لا يكتفي الكباص فيه بطرح افكاره الفلسفية الخاصة ولكن يفتح مائدة مستديرة يشكل الحوار الجدي مع الفلاسفة كمارتن هايدغر وفيشته وايمانويل كانط وسيغموند فرويد اساسها الحي. فالفرويدية وجدت ان الانسان في وضع ملتبس ايضا حيث يصعب على نرجسية كائن يعتقد ان كينونته تتركز فيه ككوجيطو، بمعنى ككائن يفكر و يسلك وفق وعي لكن العكس هو الذي يحدث حيث ثمة التحكم المطلق لمنطقة اللاشعور الذي يتحكم في وعيه. وهو الوضع المشابه الذي يطرحه الكباص حيث ان هذا القطاع –اللاشعور بالنسبة لفرويد- يتشكل من صميم قدرته على المعرفة ،فليس وجود الانسان هو الذي يتحكم في العالم بواسطة المعرفة ،وانما المعرفة هي التي تشغل وجود الانسان من اجل ارادة التحكم.
تجدر الاشارة الى ان فيلسوف مدينة مراكش يزاول مهنة الصحافة .والجميع يعلم كمية المجهود الذهني و البدني الذي تستنزفه هذه المهنة او مهنة المتاعب كما يحلو تسميتها. وليس من السهولة التوفيق ما بين الكتابة الصحفية و الكتابة الفلسفية. إلا ان الرجل استطاع وبسلاسة متناهية التعامل مع الوضع و حمل الامور على محمل الجد ان ينجح في الربط الناجح ما بين الصحافة و الفلسفة. ويمكننا القول على انه صحافي بالنهار و فيلسوف بالليل.
بلغت تجربة الكباص الفكرية اوجها مع تاسيس مركز الابحات الفلسفية بالمغرب و الذي يتشكل من ثالوت بارز بالاضافة الى الكباص هناك عبد العزيز بومسهولي و حسن اوزال. الذين كرسوا حياتهم من اجل تطوير الفكر المغربي الذي يعيش في سبات دوغمائي عميق. وعلى رغم قصر هذه التجربة فقد نجح اعضاء مركز الابحاث الفلسفية من اثبات الذات الفكرية المغربية في اوساط خارجية سواء في مصر القاهرة او في تونس قرطاج ،وتركوا انطباعات محمودة في طريقتهم المختلفة في تناول الاشكاليات التي تؤرق مضجع العصر الراهن.
كعادتها مدينة مراكش لا تقتصر على جلب المبدعين الاجانب المشدوهين بالمدينة الحمراء وبنمط عيش سكانها البسطاء الذين يستسلمون امام غوايتها ويعشقونها الى درجة الاستقرار في ارضها، بل هي مدينة تنجب ادباء وشعراء وكتاب وفلاسفة يعملون على تحسين صورتها باعتبارها مدينة عالمية ذائعة الصيت.
مراكش صيف 2008 |