مراكش: عبد الصمد الكباص
عندما حل برنار بمراكش قادما اليها من بروكسيل لأول مرة، لم يكن ليتبادر الى ذهنه في أية لحظة أن زيارته هذه ستغير مجرى حياته، فما كان في نيته حينها لا يتجاوز عطلة عابرة تقاس بأيام قليلة ستنقضي سريعا، ليعود الى دياره سالما غانما، طاقة جديدة للعمل ورصيد من الاكتشافات، كما يحدث عادة في الاسفار الممتعة
وصل في ربيع 1999 وعمره خمسون سنة كان عمله حينها مسيرا لشركة... ايامه الأولى بمراكش كانت عادية كباقي السياح: نزول الى المسبح، جولات في السوق القديم وانبهار بجامع الفنا وتذوق لوجبات المطبخ المغربي ليلا، ولم يكن ان يتغير ايقاعه هذا لولا تلك الصدفة العمياء، التي قادته ذات صباح الى بزار استوقفه الفضول عنده، ربما بفعل غواية سجاد رث او ابريق مدهون بزيت قذر ليبدو قديما او شيء آخر...
المهم انه توقف هناك ليصادف شابة مغربية قادمة من الدار البيضاء لا يفوق عمرها 26 سنة وعوض ان يقتني قطعا من الصناعة التقليدية المحلية او تحفا مزيفة باثمنة باهظة، خرج من المحل، برفقة ابتسامة نسائية اصطادته بمهارة
توثقت العلاقة بينهما: خرجات ليلية وسهرات في المحلات الاكثر صخبا وغلاء وهدايا متبادلة وزيارات متكررة لفندق اقامة الاجنبي ودعوات للعشاء، بما يكفل خلق متعة مشتركة وأحلام موحدة واساسا خدع قادرة على قلب رتابة حياة الاثنين
عاد برنار الى بروكسيل، و لم يكن له من مشروع في الحياة سوى الرجوع الى مراكش مرة أخرى للقاء صديقة الصدفة العابرة التي تحولت لديه الى حبيبة. ظلت الاتصالات بينهما متواصلة: المكالمات الهاتفية ذات العبارات الملتهبة في آخر الليل والرسائل التي تقصف بها الشابة المغربية قلب البلجيكي الخمسيني المتعطس الى كل ما يجدد شبابه ويقنعه أن الشيخوخة مازالت شبحا لم ينل منه بعد. والنتيجة، عودة برنار بعد ستة اشهر الى مراكش، حينها كانت الآنسة المغربية التي قضت سنتين بشعبة الأدب الفرنسي بكلية الآداب بن امسيك، دون ان تحصل على دبلوم الدراسات الجامعية العامة، قد هيأت مشروعها بدقة وحددت غايتها بوضوح
طبعا لم يعد برنار الى المدينة الحمراء استسلاما لغوايتها، وانما شوقا لعشيقته التي لم يستطع التخلص من جاذبيتها. صارحته بعد قضاء ايام من المتعة والجنون، ان تعلقها به بلغ حدا لم تعد تتخيل معه امكانية فراقه، لكنها في نفس الوقت لن تستطيع مجاراته في هذه العلاقة لأنها محكومة بتقاليد مجتمع شرقي التقط البلجيكي الاشارة بسرعة، وفهم أن المطلوب هو الزواج منها، فرحب بالفكرة وعبر عن رغبته في انهاء ما تبقى من حياته معها، طالبا منها مهلة لإعداد نفسه
ببيته ببروكسيل توصل الرجل الخمسيني الغارق في اكراهات تسيير شركته بمكالمة من عشيقته المغربية تطالبه فيها بالحسم في مشروع زواجهما، ودست في كلامها هذه العبارة على العموم لا تخف فليست عندي اية مشكلة في العيش معك ببروكسيل التلميح واضح ولا داعي الى الزيادة في تفسيره، فمشروعها هو مغادرة المغرب والعيش بأوربا حسب فهم برنار الذي كان له مشروع مضاد هو تصفية اعماله ببلجيكا والدخول الى المغرب للاستقرار بمراكش مثلما فعل عدد من ابناء جلدته الذين اقتنوا اقامات عتيقة بالمدينة وكيفوها وفق ذوقهم ومتطلباتهم
في نهاية سنة 2000 استقال من عمله ورتب نفسه للانتقال الي المدينة الحمراء، واخذ في البحث عن دار عتيقة. في تلك الاثناء واصل اعداده للزواج من عشيقته المغربية التي اقتادته إلى الدار البيضاء للتعرف على اسرتها
بعد شهرين من ذلك اقتنى دارا بأحد احياء المدينة العتيقة، واثباتا لحسن نواياه سجل العقد باسمها فانتقلت من امرأة معدمة بدون عمل، مشردة بين البزارات، الى مالكة لعقار اصبحت له قيمة كبيرة في ظل التطورات الاخيرة
وبعد ان تخلى عن عمله وحياته الاوربية وعن العقار الذي اشتراه بثروة تفوق مائة مليون سنتيم، فاجأته ذات صباح بأن الزواج لا يمكن أن يتم طالما انه لم يغير دينه واسمه ويصبح مسلما، ليس المهم ان يصير مؤمنا وانما مسلما اسلاما شكليا باشهاد عدلي، فتحول برنار الى حمزة وتم الزواج وحبلت الزوجة ووضعت بنتا واستقرت الاسرة لوقت قليل بالدار التي هيأها البلجيكي بعناية فائقة
بعد ذلك اشتد التوتر بينهما. البلجيكي يتهم زوجته بعدم التزامها في علاقتها به والاستهتار بزواجهما حيث اصبحت غياباتها عن البيت في تزايد مستمر بدعوى زيارة اقاربها بالدار البيضاء وتطورت اتهاماته لها الى حد رميها بالخيانة بعدما وشت بها احدى صديقاتها التي لمحت له ان تكون زوجته على علاقة مع شاب مغربي مقيم بايطاليا وهو ما أكده له مرشد سياحي ساعده من قبل على اقتناء البيت الذي دفع ثمنه، لكنه ملكه لزوجته
الصدمة الاكبر كانت عندما علم بأن علاقتها بهذا المغربي تمت اثناء تحضيرها للزواج منه ظلت الزوجة تنكر هذه الاتهامات معتبرة ذلك ظنونا واهية ووشايات حاقدة لكن دفاعها لم يطفئ نيران التوتر التي اشتعلت في نسيج الاسرة التي لم تستطع الصمود لازيد من خمسة اشهر بعد ازدياد الطفلة فطلقا بعضهما
تخلت الام عن ابنتها وباعت الدار واختفت نهائيا. الزوج يقول انها التحقت بعشيقها بايطاليا لم يعد يهمه مآلها، لكن ما يؤلمه اكثر هو تخليها البارد عن الرضيعة التي يعتبرها كنزه الوحيد في هذه الدنيا. لم يتراجع برنار عن قرار استقراره بمراكش، فقط اكتفى بتغيير مكان سكناه من المدينة العتيقة الى الضواحي .لم يعد يكثر من اختلاطه بالمغاربة، والزواج من احدى نسائهم، بات قصة مفجعة لا سبيل الى تكرارها
تجربته،في رأيه، لا تشفع له بمحاكمة الارتباط بالمغربيات فالحرمان - كما يقول - يحرف الميول الطبيعي للناس. خسر كل شيء من أجلها، تقاعد عن العمل قبل الوقت، غير اسمه وتخلى عن دينه وما له، فلم يحصد سوى الخيبة وهو الذي كان يحلم بنهاية مشوار سعيدة رفقة زوجة بجسد طري وشباب متدفق
ما يحز في نفسه أكثر هو ذلك التحول الذي طرأ على تعاملها معه قبل الزواج وبعده، من قبل كانت تظهر نفسها ملاكا وديعا، ودودا في كل شيء، مبدية تعلقا لايضاهى بشدة وبعد الزواج انقلبت الى النقيض بشكل متطرف والشك تحول لديه إلى قناعة بأنها كان تتعهد تلك الغيابات عن البيت لتذكي نيران التوتر طلبا لتسريع الطلاق بينهما
انه يخشى ان يكون ضحية برنامج دقيق ومخطط واضح جرب مع اشخاص آخرين ولم ينجح الا معه، على الاقل ذلك ما يؤكد له كلام صديقه المرشد السياحي. المرأة التي استدرجت الرجل من بروكسيل الى مراكش عاصمة المتقاعدين الاوروبيين، تلاشت من امام عينيه، لكنها استوطنت بحزن ذاكرته، فمرارة الخيبة أكثر من أن تبتلع بسرعة بل هو لا يستسيغ ان هذه القصة بكاملها لم تكن سوى نتيجة علاقة ابتزاز متبادلة ابتزاز جسد طري لغنى كيان متجه نحو الشيخوخة وابتزاز الثراء بدوره لشباب محروم يبحث عن منفذ للحياة... فأيهما الضحية اذن؟؟
|