مراكش/ عبد الصمد الكباص
كما هي عادة النساء العاملات ، تخرج سعيدة كل صباح، لتقصد مقر عملها ككاتبة بإحدى العيادات الطبية بمراكش، حيث تستنفذ يومها بالكامل، ولا تعود إلا بعد أن تجنح المدينة للظلام. ليس في كل ذلك ما هو استثنائي، فهي تظهر لعائلتها وأقربائها إيقاعا يوميا رتيبا تقضيه بين الطبيب ومرضاه، ترتب المواعيد والاستقبالات، تتكفل باستخلاص واجبات الفحص من زبناء العيادة، إضافة طبعا إلى السهر على النظافة اليومية لمكان العمل.
قد لا تعود سعيدة إلى بيتها إلا في ساعة متأخرة من الليل. بالنسبة لأسرتها المكونة من أمها المسنة وأخيها المراهق وأختها الأصغر، فذلك يرجع إلى كثرة المرضى ذلك اليوم، وتأخر الفحوصات، على الأقل، هذا ما تقوله لهم. لكن الطبيب يعوضها عن الساعات الإضافية بعطائه الجزيل. وهو ما يبرر أمامهم المداخيل الوفيرة التي تنعكس في نفقاتها السخية بالبيت، وفي أناقتها الباذخة وتفننها في اقتناء أصناف غالية من مساحيق المكياج، لتلميع بشرتها، وتجميل ملامح وجهها، وأساسا في النقلة النوعية التي عرفتها حياتها باقتنائها المفاجئ لسيارة مستعملة أسعدت الأسرة كثيرا.
ليست عطاءات الطبيب المشغل هي وحدها مصدر هذا الرخاء النسبي الذي أضحت تعيش فيه. فعائلتها مقتنعة أن معاملتها الجيدة للمرضى، زبناء العيادة، ولطفها معهم، يجعلهم كرماء معها، ويزيد ذلك من فائض داخلها. أمها تدعو لها بالمزيد، وإخوتها راضون، وكل شيء في الظاهر يجري على ما يرام.
في الحقيقة ليس كل ذلك سوى تركيب منمق لواجهة تظهرها «سعيدة» لأسرتها، تسوقها في محيطها القريب لترسيخ صورة المرأة «المحترمة» المتفانية في خدمة والدتها وأخويها، باجتهاد مشروع. أما واقع الأمر فغير ذلك تماما. فهي تشتغل ككاتبة في عيادة طبية بأجر زهيد. لكن بعد انتهاء وقت عملها في المساء تنتقل إلى مهنتها الثانية، التي توفر لها دخلا إضافيا يضاعف عدة مرات دخلها الرسمي مع الطبيب.
تقتص «سعيدة» ثلاث ساعات أخرى من مسائها بعد مغادرتها العيادة، لتلتحق بزبناء من نوع آخر، زبناء لا يرغبون في استشارات طبية ولا فحوصات ولا أدوية، وإنما في طراوة جسدها، وكل ما تمنحه رفقتها من متعة ولذة. في الساعات الإضافية من العمل المسائي تلتحق سعيدة بمواعيدها المرتبة من قبل، عن طريق اتصالات هاتفية مباشرة من طرف زبنائها، الذين يطلبون خدماتها الجنسية، أو بوساطات مختلفة، في الغالب يقوم بها نساء اختصاصهن تسهيل الحصول على هذه الخدمات في سوق مفتوحة للذة والمتعة، ولها قدرة فائقة على التكييف مع التطور التكنولوجي بمختلف تجلياته.
تختار سعيدة زبناءها بعناية. فهي تبتعد عن أصحاب السهرات المطولة التي تستدعي المبيت، وتنتقي أصحاب اللقاءت الخاطفة التي لا تدوم أكثر من ساعتين. والخروج عن هذا القاعدة أمر نادر. لأنها تجد فيها صمام أمان يحميها من الشكوك ويصون صورتها المحترمة في وسطها الأسري. لذلك فأغلب الطالبين لخدماتها الجنسية رجال «يخطفون» متعا سريعة، خارج فراش الزوجية، لأن وراءهم بيت ينتظرهم، عليهم العودة إليه فورا. وهذه الصفقة تكون مريحة للطرفين. فالزبون «يقطف» إشباعا سريعا وخفيفا دون أن يخدش وجه الزوج الوقور والأب المحترم الذي يسوقه في وسطه القريب. وهي تكسب دخلا إضافيا من دون خسارات كبيرة وفي وقت قياسي.
حياتها اليومية تتوزع بين مهنتها الرسمية ومهنتها السرية. بين الاحترام الذي تسعى إلي إظهاره للعين، والشبهة التي تجتهد بذكاء في إخفاء معالمها، بين خدمة المرضى ومساعدة الطبيب، وبين تأجير الجسد وبيع اللذة لرجال يدفعون من أجلها الكثير. تدبير هذا الجوار الصعب بين المهنتين يستلزم منها مجهودا كبيرا، يصرف بكامله في إجادة ارتداء الأقنعة المناسبة في المواقف المناسبة. لكن الاحتفاظ بمهنتها ككاتبة في عيادة طبية رغم مدخولها الهزيل، يشكل جزءا من هذه المهمة.
فهي كما تقول بنفسها تحتفظ بهذه المهنة من أجل تبرير مداخيل المهنة الثانية أمام عائلتها ووسطها، وتوفير التغطية اللازمة لها. أما مدخولها في حد ذاته فلا أهمية له. فهي تقطن في حي شعبي بمراكش، عيونه لا تفلت أدق التفاصيل في حياة أفراده. وكل تغير قد يطالهم، مهما بلغت درجة تفاهته، يكون موضوع تأويلات لا نهاية لها، تتناسل في الألسن وتتناقلها الأفواه مع الزيادة والتضخيم طبعا.
حيازتها لسيارة مستعملة، وإنفاقها السخي على أسرتها وعلى نفسها، يثير شهية الفضولين، ونهم العيون المتعطشة للبحث عن ما يخفى.. لذلك فمهنتها الرسمية هي الستار الاجتماعي الذي به تحمي حياتها الأخرى من تهم فضولهم وكلامهم. لسعيدة 25 سنة، وجسد ناضج، وأحلام كبيرة، أولها أن تتزوج وتستقر. في قرارتها ليست مقتنعة بأنها تمارس الدعارة. على الأقل هذا ما تصرح به حتى لدى زبنائها الذين تؤجر لهم جسدها. فهي تعتبر نشاطها الليلي نوعا من الترويح على النفس، وشكلا من الترفيه، وأسلوبا للإفلات من رتابة اليومي، وقساوة الحياة.
ورغم أنها تتقاضى مقابلا ماديا عن مجهودها الجنسي من قبل زبنائها، إلا أنها لاتعتبر ذلك أجرا، وإنما هدايا من عشاق عابرين. تنتظر سعيدة حظها في الزواج، عندما ستأتي الفرصة لن تدعها تفلت. لأن الاستقرار في نظرها أهم مكسب في حياة المرأة. أما غواية السهرات والليالي الحمراء، فيجب أن تكون مؤقتة. ولأنها تميز نفسها عن العاهرات ولاتعتبر ذاها من زمرتهن، فطمعها في الزواج أقوى. أكثر من ذلك فمنهن من اقتنصن أزواجا وفارقن عالم الدعارة نهائيا. فما الذي يعوزها لكي تحظى بدورها بحقها في الاستقرار. ونشاطها الليلي لاتعتبره عائقا أمام طموحها. لأن الأمر يتعلق بمهارة تدبير السر وحفظه.
ساعات إضافية العيش في تماس بين حياتين، الواحدة علنية للعلاقات الرسمية كالعائلة والمعارف، والثانية سرية تنجز نفسها في العتمة، وخلف حجب سميكة تجيد إخفاءها، ذلك هو الإيقاع اليومي لـ (ج) صاحبة صالون للحلاقة بمراكش. عمرها 33 سنة، مطلقة وأم لطفلتين. دخلها من الصالون لابأس به، حسب ماتقول، لكنه لايكفي لكل تطلعاتها. لذلك فهي تمارس مهنة إضافية بالليل، تسمح لها بدخل تكميلي. تقول إن طليقها اختفى مخلفا وراءه طفلتيه اللتين لايفي بواجباته اتجاههما، لذلك فهي التي تتحمل كل نفقاتهما. ذلك هو مبررها في تأجير جسدها واحترافها للعمل الجنسي ليلا، وفي نهاية الأسبوع.
تتحدث (ج) عن صداقات سخية. تقصد بذلك زبناءها. ليس في الصالون طبعا، وإنما زبناء الجسد. فهي تعتبر مايمدونها به من نقود مقابل المتع التي يحصلونها من جسدها تعاطفا سخيا منهم، إزاء وضعها كمطلقة، وكأم لطفلتين محرومتين من الأبوة. وكما هو شأن «سعيدة» تتهرب (ج) من صفة العاهرة. فهي لاتعتبر نفسها محترفة بغاء، بل امرأة محترمة لها قدرها من النزوات كباقي البشر. وأكثر من ذلك، فكل ما تقوم به من نشاط ليلي هو بوازع إفراطها في احترام نفسها كأم، وصيانة لصورتها أمام طفلتيها.
فهي تعشق شرب الكحول، تلك نشوتها . لكنها لاتستطيع ممارستها ببيتها، تقديرا منها لمسؤوليتها اتجاه أسرتها. لذلك فهي تهرب متعها بدافع «أخلاقي» إلى خارج فضاءاتها الاجتماعية الرسمية. وهو ما لايمكن أن يكون متاحا إلا بالليل. كما أنها لاتستطيع أن تستقبل أصدقاءها المتفهمين جدا ببيتها، لأن ذلك سيصبح سببا كافيا لاتهامها من قبل الفضوليين بأنها حولت منزلها إلى ماخور، وسيكون أيضا كافيا ليجر عليها سيلا لا نهاية له من المشاكل.
لاتتقاضى (ج) أجرا فقط من زبنائها عن الخدمات الجنسية التي تقدمها لهم بشكل مباشر. و لكن عن تسهيل الحصول على متعهم من نساء أخريات تتوسط بينهم.
عملها في صالون للحلاقة يفيدها في ذلك كثيرا، بحكم العينات المختلفة التي تتقاطر عليه، لاتخفي أنها من حين لآخر تتوسط حتى لبعض النساء المتزوجات. فمنهن ـ حسب ماتزعمه ـ من يكون دافعها مادي، ومنهن من تسعى وراء تغيير الروتين..لاتتفاوض كثيرا حول الأجر لأنها تعول على سخاء الزبناء وتفهمهم. لكن في حالة التوسط فنصيبها يكون هو مائة درهم من الزبون ومبلغ مماثل من المرأة شريكته. تضطر في غالب الأحيان إلى مرافقة النساء اللائي تتوسط لفائدتهن إلى منزل الزبون. تقول إنها تفضل ذلك للاطمئنان على سير الأمور بين الطرفين. لأن بعض النساء يدعين باطلا أن الزبون لم يمنحهن التعويض المستحق، يفعلن ذلك طبعا للتمليص من مدها بنصيبها. لذلك فهي تفضل أن تكون قريبة من الحدث.
والمسألة لاتقف عند هذا الحد، بل تتجاوزه إلى مسؤولية «أخلاقية» اتجاه الزبون. فهي قد تضمن نفسها. لكنها لاتستطيع ضمان أخريات. وهي تحكي عن فضائح تسببت فيها نساء توسطت لهن لدى زبنائها. فكان ذلك مثار إزعاج كبير، ومصدر تشويش لأناس يثقون فيها وفي اختياراتها. كما هو شأن تلك الشابة التي تبدو هادئة ووديعة، وعندما التحقت ببيت الزبون وشربت قليلا من الخمر أخذت تصرخ وتشتمه، إلى أن روعت العمارة بكاملها. أو تلك التي فتحت نافذة شقة رجل آخر فهددته بأن تلقي بنفسها منها.. وهذه أمور تسيء لعلاقتها بزبنائها، وتشوش على سمعتها.. وبالطبع هناك السرقات التي تصبح شبه هواية يومية لبعض النساء اللائي ما أن يدخلن شقة حتى يسطون عل أي شيء ثمين، كالساعة أوالهاتف المحمول أو النقود، فعوض أن تمتع الزبون تنكد عليه. لذلك تجد (ج) نفسها مضطرة لمرافقة كل من تشك في أمرها.
|