الدكتور إسماعيل الحسني (كلية الآداب والعلوم الانسانية مراكش)
إن الموقف الفقهي الذي يتخذه الفقيه من هذه الفتوى أو تلك قبل أن يكون اختيارا مذهبيا هو اجتهاد منهجي في فقه و في تفقه ما في الكتاب المجيد و ما في السنة النبوية و ما نقل عن علماء الأمة الإسلامية من أفهام و آراء من عهد الصحابة إلى يوم الناس هذا. و من صور الاجتهاد المنهجي صورة اجتهاد الفتوى لأن المجتهد المفتي موقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب ما انتهى إليه علمه، و بحسب اكتسبته خبرته. و في المغرب المعاصر كان لأعضاء المجلس العلمي الأعلى موقف فقهي إذ أفتوا في المسائل الآتية:
_ حكم المصلحة المرسلة و علاقتها بقضايا التدبير.
_ حكم استخدام جهاز لرصد الكحول في الدم عند السائقين.
_ حكم من يكفر أهل القبلة.
_ حكم من اتخذ آية " خير أمة أخرجت للناس" شعارا لمؤسسة تجارية.
_ حكم استعمال كلمة www sexy ma.و كلها مسائل قدم فيها المجلس العلمي الأعلى ما يراه مناسبا من آراء و استشارات شرعية.
_ حكم تقدير مقدار زكاة الفطر لعام 2007م.
و الحق أنه لا يسعني في هذا الباب، و انطلاقا مما يمليه علي واجب النزاهة الفكرية و الاستقامة الخلقية، إلا أن أقر بأن المجلس العلمي راكم، و رغم كل ما يمكن أن يقال، حصيلة يتعين على المتابع الموضوعي أن يكون له وعي علمي بواقعها و بمعطياتها حتى يقدر على التفاعل معها تفاعلا إيجابيا. حصيلة لا بد قبل الحكم لها أو عليها من قرائتها و دراستها بكل تمعن و بكل تبصر، و بكل حيادية و نزاهة علمية. لكن، و قبل أن تتبلور هذه الحصيلة التي تحتاج من أهل العلم بالفقه و بمقاصد الشريعة إلى قراءة فاحصة،و دراسة تحليلية_نقدية، ثمة خطابات و ظهائر ملكية حدد فيها جلالة الملك محمد السادس العناصر التي ينبغي أن تؤسس للاجتهاد في الشأن الديني بالمغرب.
أولا التوجيه الملكي لعناصر الاجتهاد الفقهي بالمغرب المعاصر
تضافر على توجيه الاجتهاد في المملكة المغربية جملة من الظهائر و الخطابات الملكية. و إن الباحث فيها و القارئ لها تستوقفه ثلاثة عناصر متشابكة و متساندة تحدد ما ينبغي أن يكون عليه الاجتهاد الفقهي في الشأن الديني المغربي الراهن: التواصل، التحرر، و التنظيم.
1/ التواصل
جاء الإلحاح على هذا العنصر في خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة تنصيبه للمجلس العلمي الأعلى و المجالس العلمية الإقليمية الذي ألقاه بتطوان في 15 دجنبر 2000م . لقد عبر الملك في هذا الخطاب عن إرادته القوية في توفير تواصل يهييء و يؤهل علماء المغرب و يساعدهم على أداء رسالتهم الدينية و الوطنية. و لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا اعتمد هؤلاء العلماء كما قال الملك: " منهج الحوار و الإقناع و التبليغ بالتي هي أحسن".
و الحق أنها مبادئ تواصلية تتناغم مع ما يقتضيه تلاقح الاجتهادات المتحررة حتى تنصهر جميعا في بوتقة اجتهاد جماعي تنظمه مؤسسات الدولة المغربية. اجتهاد من شأنه أن يخرج الفقيه المغربي من قوقعة الانغلاق، و ينقذه من براثن النزعات الذاتية، و يقيه آفات الأنانيات الضيقة. و من ثم تنتظر المجالس العلمية مهام جليلة تتمثل في الإفتاء الجماعي و المؤسسي. و هو ما سبق أن نص عليه الظهير الشريف رقم 300 . 03 . 1 الصادر في 02 ربيع الأول 1425ه \ 22 أبريل 2004م. و تتمثل أبرز الوظائف الأصلية و المهام الرئيسة للمجالس العلمية في " مهمة القيام بأمانة الإفتاء الشرعي في النوازل الطارئة و الوقائع المستجدة، و الانكباب على هذه المهمة الملحة باجتهاد جماعي ينادى بها عند الذاتية و الانغلاق".
2 /التحرر
يبدو عنصر التحرر الفكري واضحا في خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس حول إعادة هيكلة الحقل الديني بالقصر الملكي بالدار البيضاء في 30 أبريل 2006م. و في هذا السياق إن من أبرز ما جاء في هذا الخطاب تنبيهه على ما يستوجبه تدبير الشأن الديني من تشبث "بالمرجعية التاريخية الواحدة للمذهب المالكي السني الذي أجمعت عليه الأمة، و الذي نحن مؤتمونون على صيانته، معتبرين التزامنا دينيا بوحدته المذهبية كالتزامنا دستوريا بالوحدة الترابية الوطنية للأمة".
و في نظري عندما يتشبث الملك محمد السادس بالمرجعية المالكية السنية فلا ينبغي أن يفهم من هذا التشبث الدستوري أي هجوم على حرية التعبير عن الآراء و الاجتهادات المخالفة ما دامت في دوائر المشروعية و الشرعية التي نص عليها دستور المملكة المغربية. لنتذكر أمرا يعلمه الكثير من مؤرخي الفقه الإسلامي عامة، و مؤرخو الفقه المالكي خاصة. و مفاده أن ما ميز و يميز مذهب الإمام مالك رضي الله عنه هو أن صاحبه من أشد الأئمة مراعاة للأقوال الفقهية المخالفة له، كما أنه من أحرص الفقهاء على الاحتفاظ بحق المخالفين في الرأي و الاجتهاد الفقهي. لقد لقيه أبو جعفر المنصور في الحج فقال له: "إنه لم يبق عالم غيري وغيرك. أما أنا فقد اشتغلت بالسياسة، فأما أنت فضع للناس كتابا في السنة و الفقه تجنب فيه رخص ابن عباس، و تشديدات ابن عمر، وشواذ ابن مسعود، و وطئه توطئا..." إلى أن خاطبه بعزمه على العمل بما في كتاب الموطإ فقال له: أردت أن أعلق كتابك هذا في الكعبة، وأفرقه في الآفاق، وأحمل الناس على العمل به حسما للخلاف". فما كان من مالك رضي الله عنه إلا أن قال ما معناه: لا تفعل فإن الصحابة تفرقوا في الآفاق ورووا أحاديث غير أحاديث أهل الحجاز التي اعتمدتها، وأخذ الناس بذلك فاتركهم على ما هم عليه.
واضح ما يعنيه هذا الموقف الفقهي المالكي من حفظ تميز كل بلد، و مراعاة خصوصية كل إقليم. لا بد في نظري من التشبث بهذه النزعة التواصلية والمتحررة في فكر و في فقه إمامنا مالك رضي الله عنه، و التي لا يمكن أن تتناقض مع الاعتبارات التنظيمية في ممارسة الشعائر و الشرائع الدينية الإسلامية. إن تنظيم الفتوى في المغرب عمل هيكلي يدخل ضمن اهتمامات الدولة المغربية باعتبار أن الإسلام هو دينها، و باعتبار أن مذهبها الفقهي هو المذهب المالكي السني . نعم لا شك في ذلك، لكنه لا يمكن أن يؤدي هذا العمل التنظيمي إلى التناقض مع الحقيقة التحررية التي تميز التمسك بهذا المذهب. و التمسك أيضا بالوحدة المذهبية لا يمكن أن يتناقض مع الحقوق التي كفلها الدستور المغربي، وفي طليعتها حرية التعبير عن الآراء والأفكار في دوائر الشرعية والمشروعية التي يرسمها دستور المملكة المغربية.
يجب احترام ما عند الغير من آراء و أفهام معنيرة بشرط عدم التطاول على مؤسسات الدولة المغربية، وبشرط عدم الإخلال بالسير العادي للشعائر و الشرائع الدينية الإسلامية. و من ثم لا يمكن أن نعد كل اجتهاد يقدمه هذا الفقيه أو ذاك، و إن لم يكن عضوا في المجالس العلمية، تطاولا يخل بواجب التقدير و الاحترام لها و لأهلها. و إنما هو اجتهاد و رأي لا يمكن الإنكار على صاحبه بأي شكل من الأشكال و بأي صورة من صور الإنكار. و من أقوى ما يسند هذه الوجهة تنبيه جلالة الملك محمد السادس على ضرورة اندماج المجالس العلمية في محيط المجتمع المغربي، و تنبيهه السامي في الوقت نفسه على حتمية انفتاح أعضائها على العلماء غير الأعضاء بها من فقهاء و باحثين مقتدرين ينتمون إلى مجالات علمية مختلفة. إن توسيعنا للمجالس العلمية _ كما قال الملك: " لا يعادله إلا حرصنا على ألا تكون جزرا مهجورة من لدن العلماء غير الأعضاء بها، بل نريدها ملتقى لكل العلماء المتنورين".
3 التنظيم
يظهر عنصر الضبط التنظيمي في خطاب جلالة الملك محمد السادس خلال ترأسه افتتاح الدورة الأولى لأعمال المجلس العلمي الأعلى بالقصر الملكي بفاس 8 يوليوز 2005م. ليست الغاية من تنظيم الفتوى تسميم أجواء الحرية، و لا الإنكار على المخالفين في التعبير عن الرأي. و إنما الغاية من تنظيم الفتوي الحفاظ على الأمن الروحي الذي نقطع به دوابر الفتن و البلبلة. و انطلاقا من هذه الغاية المعتبرة و المتسقة مع المقاصد الشرعية جاءت المادة السابعة من الظهير رقم 300 . 03 . 1 2 ربيع الأول 1425ه. 22 أبريل 2004م، و المتعلق بإعادة تنظيم المجالس العلمية. فتبعا لهذه المادة إن الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء التابعة للمجلس العلمي الأعلى " تختص وحدها دون غيرها بإصدار الفتاوى الرامية إلى بيان حكم الشريعة الإسلامية في القضايا ذات الصبغة العامة".
و الحق إن إصدار الفتاوى إجراء تنظيمي يسبقه إعمال آلية اجتهاد تواصلي و متحرر.و هو أمر واضح أيضا في خطاب الملك بفاس 8 يوليوز 2005م. التنظيم، على الرغم من ضرورته في قطع الطريق على أهل الأهواء و الفتن و الفوضى، فإنه غير كاف وحده إذا لم يسنده اجتهاد ديني فقهي من أهله و من ممارسيه. و هو ما يظهر في قول الملك: " أحدثنا هيئة علمية داخل المجلس العلمي الأعلى لاقتراح الفتاوى على جلالتنا، و فيما يتعلق بالنوازل التي تتطلب الحكم الشرعي المناسب لها، قطعا لدابر الفتنة و البلبلة الدينية. و إننا ننتظر منكم أن تجعلوا من هيئة الفتوى آلية لتفعيل الاجتهاد الديني الذي تميز به المغرب على مر العصور في اعتماده على أصول المذهب المالكي ، و لا سيما قاعدة المصالح المرسلة، و قيامها على المزاوجة الخلاقة بين الأنظار الفقهية و الخبرة الميدانية".
و هكذا لا بد من تشغيل هذه العناصر التواصلية و التحررية و التنظيمية من أجل ابتكار اجتهاد مغربي معاصر. المجتهدون فيه ينهجون سبل التواصل الخلاق فيتحاورون ويقنعون و يقتنعون، كما أنهم يبلغون فلا ينزوون و لا يتقوقعون. و يلزم عن سلوكهم و نهجهم التواصلي سلوك متحرر و مسؤول إذ يحفظ لمؤسساتهم و تنظيماهم واجب الاحترام و التوقير من لدن الجميع. و إن من شأن ممارسة هذا النوع من الاجتهاد التواصلي و المتحرر و المنظم نتائج متعددة.
منها أنه هو الطريق للفصل بين العالم و غير العالم، أي هو الفيصل الذي نميز به بين الرشيد و السفيه، و هو المقياس الذي نقيس من خلاله العالم من المشعوذ. و بذلك _ و كما قال جلال الملك محمد السادس: "نقوم بتحصين الفتوى التي هي أحد مقومات الشأن الديني، بجعلها عملا مؤسسيا، و اجتهادا جماعيا، لا مجال فيه لأدعياء المعرفة بالدين، و لتطاول السفهاء و المشعوذين، و لا للمزاعم الافترائية الفردية".
و منها أيضا أن الاجتهاد التواصلي و المتحرر و المنظم سبيل من السبل الناجعة للخروج من حال الجفاء و الفصام التي تميز العلاقة بين الموروث من الأحكام الفقهية و المستورد من الأحكام القانونية. لقد سبق لعاهل البلاد جلالة الملك محمد السادس أن نبه على أن الأصل المصلحي المرسل هو العماد الذي تتأسس عليه _كما قال: "سائر الأحكام الشرعية و القانونية المنسجمة و المتكاملة التي تسنها الدولة بقيادتنا، كملك وأمير للمؤمنين، في تجاوب مع مستجدات العصر، و التزام بمراعاة المصالح، و درء للمفاسد، و صيانة الحقوق، و أداء الواجبات".
ثانيا الموقف الفقهي للمجلس العلمي الأعلى المغربي
هذا تنبيه ملكي حاول أعضاء المجلس العلمي الأعلى أن يسندوه نظريا بإصدار فتوى فقهية يبرزون من خلالها شرعية تدخل الإمام في التشريع. و هكذا _ و كما جاء في متن هذه الفتوى التي ألقاها الكاتب العام أمام جلالة الملك محمد السادس_إن "الإمام الأعظم بما له من إلزامية القرار، و من قدرة على توجيه النظر الاجتهادي، يظل هو المؤهل لتقنين ما يحقق المصالح الحقيقية، و يدرا المفاسد التي تتراءى في صورة مصالح" . لكن هل يكفي هذا الإسناد النظري_الأصولي من أجل الاستجابة لهذا التنيه الملكي؟ و هل يكفي هذا الاختيار الفقهي_المقاصدي حتى يتحقق تفاعل إيجابي مع ما يرومه الملك من ابتكار اجتهاد تواصلي و متحرر و منظم؟ ذلك ما أتردد كثيرا في الإقرار به إذ أعتقد أن الهدف المحوري الذي يقصده الملك من هذا التنبيه أكبر من إصدار فتوى في الاحتجاج على شرعية الاستدلال المصلحي لأنه توجه فقهي، على الرغم من أهميته و نجاعته النظرية، فإنه مفتقر لما يكفي من إسناد اجتهادي تطبيقي يتناغم مع الهدف الملكي البعيد و المتمثل في ممارسة اجتهاد مغربي تواصلي و متحرر و منظم في الأحكام الشرعية و القانونية التي تسنها الدولة المغربية بقيادة محمد السادس كملك للمغرب و كأمير للمؤمنين.
الحق أننا لا زلنا في أشد الحاجة إلى هذا الإسناد الإجتهادي الذي يقترن بالتواصل مع الداخل و الخارج، و يتصف بالتحرر من التبعية للخارج، و التنظيم الذي يحفظ الهوية الذاتية للمجتمع المغربي. و لهذا أنا أتفهم نقد البعض لبطأ الأداء الاجتهادي الذي يمكن أن يوجه للمجلس العلمي الموقر في هذا المضمار. بل و هذا ما سبق أن استشعره استشعارا دقيقا في رمضان 1425ه \ أكتوبر 2006م الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى فضيلة الأستاذ محمد يسف. إن سبب بطء الحركة العلمية لمجلسه المحترم متمثل بحسب اعترافه في "أن العمل من خلال المؤسسة العلمية لم يشرع فيه إلا سنة 2004م، فقسط كبير من الوقت أنفقته المؤسسة في وضع الأرضية التشريعية و التنظيمية و الآليات التنظيمية... فإذا كان من عتاب نوجهه للعلماء فإننا سنعاتبهم عن أدائهم بعد سنة من الآن و لا نبرىء ساحتهم من التقصير إذا هم لم ينجزوا في ظرف زمني مناسب ما هو منوط بهم " . فهل قدر المجلس مثلا على بناء و ابتكار اجتهاد تواصلي و تحرري و مؤسسي في القضايا ذات الصبغة العامة من مثل مسألة الاقتراض البنكي؟
نلاحظ أن المجلس العلمي الأعلمي المحترم طرق هذه المسألة في مناسبات مختلفة:
_ المناسبة الأولى جاءت كرد فعل مباشر أعقب صدور الفتوى في المغرب، و ترجم في بلاغ صادر عن "الهئية العلمية للإفتاء التابعة للمجلس العلمي الأعلى" . يتضمن هذا البلاغ الغضب و الانتقاد، بقدر ما ينطوي على الاستنكار و التحذير حتى لا أقول التحقير. و ينضح كأسه بالقسوة بقدر ما يحكم على صاحبه بالتنطع، و الغرور، و الطمع، و التطاول، و عدم اللياقة. و إن المتتبع النزيه، فضلا عن الملاحظ الموضوعي، ليقف مشدوها إزاء الوقع الكبير و الأثر القوي الذي أحدثه البلاغ السابق في النفوس، وفي العقول. بل لا يستطيع المرء أن يخفي اندهاشه حتى لا أقول استغرابه من اللغة "العلمية" التي استعملت في هذا البلاغ، و التي تسيطر فيها إيحاءات الصراخ، و العويل، و التهديد. و تغيب عنها الدلالات التواصلية التي دعا الملك في ظهائره و خطبها إلى واجب تفعيلها.
لا بد أن ننبه على الواجب الذي يقع على كاهل المجالس العلمية، و الذي سبق للملك أن وجه أعضاءه إلى ضرورة استلهامه و التشبع به، إذ قال في هذا الصدد "عليها أن تكون القدوة و المثال، و ان تعكس روح الإسلام القائمة على الوسطية و الاعتدال و الداعية إلى التعاطف و التراحم مما يتطلب اعتماد منهج الحوار و الإقناع و التبليغ بالتي هي احسن". كلها أوصاف تواصلية أكاد أجزم بعدم حضورها في البلاغ السابق لأنه لا وجود فيه لإيحاءات الإنصات، و التفهم، و التحاور التي اعتاد الناس سماعها من علماء الإسلام في المغرب طيلة تاريخه الطويل. ناهيك عن ما يفرضه الواجب الإسلامي و الإنساني من تلقي مخالفات الآخرين في البداية بالصدر الرحب، و مناقشتها بالسليم من أساليب المنطق.
يمكن لفتوى الشيخ القرضاوي أن لا يحالفها التوفيق، لكن لا ينبغي للناقد لها، و لا يجوز للمعترض عليها أن ينسى أنها اجتهاد. و الاجتهاد عمل من الأعمال العلمية التي لم يكتف الله تعالى بالعفو عن المخطإ في نتائجها فحسب، و إنما نقل الخطأ فيها من مرتبة العفو و التجاوز إلى مرتبة نيل الأجر و الثواب.
_ و المناسبة الثانية تخصيص المجلس العلمي الأعلى يومين دراسيين بتاريخ 28_29 نونبر 2006م لموضوع "الشريعة الإسلامية و المعاملات البنكية". و قد استدعى في هذه المناسبة خبراء من خارج المغرب.
_ و المناسبة الثالثة و هي انعقاد الدورة السادسة للمجلس العلمي الأعلى بتاريخ 26_27 أكتوبر 2007م. و قد خصصها لموضوع "المعاملات البنكية البديلة".
الملاحظ، و على الرغم من التغطية الإعلامية التي رافقت و واكبت هذه المناسبات، أنه لم يتسرب عن المجلس العلمي موقف واضح من الاقتراض البنكي، كما لم يصدر عنه رأي صريح في الفوائد البنكية، و لا فتوى محددة في موضوع المعاملات البنكية المستجدة. لا هو حسم في الموقف الواجب اتخاذه من الاقتراض البنكي من أجل امتلاك السكن، و الذي كان موضوع فتوى الشيخ يوسف القرضاوي، و لا هو أوضح الموقف الواجب اتخاذه من المعاملات البنكية "البديلة" التي بدأت تروج في بعض الأبناك المغربية.
في كل المناسبات السابقة كان المجلس العلمي الأعلى يرجئ الحسم في الموضوع. يبدو ذلك في البيان الصادر عنه مباشرة بعد فتوى القرضاوي وما أعقبها من ردود متفاوتة في التقرير و التقريع. و مما جاء في هذا البيان: " يتوجب مع مراعاة ملابسات الموضوع، بذل المزيد من التأمل، و التشاور، و تبادل الرأي إدراكا لمعالجة علمية موضوعية، يتحقق معها الحفاظ على مقاصد الشريعة مع مراعاة مصالح العباد و رفع الحرج عنهم". لقد فسر المجلس العلمي الأعلى تريثه في موضوع الاقتراض البنكي أو ما أصبح يسمى في المغرب بالمعاملات "البديلة" بكثرة البحوث التي قدمها أعضاء المجلس العلمي الأعلى، و التي أدت بهم _ كما قال فضيلة الأستاذ محمد يسف: " إلى انتظار تدقيق النظر فيها بما يجعلهم مطمئنين أن ما سيصدرونه حولها سيكون مطابقا لما تفرضه الضوابط الشرعية" .
و في نظري _ و بغض النظر عن أي اعتبار أو إكراه _ إن لهذا التريث وجاهته العلمية بشرط أن لا يسقط في فخ الانتظارية السلبية. وتبدو الوجاهة العلمية للتريث المنهجي و البنائي في البعد الإشكالي للمسألة الربوية. و الإقرار بهذا البعد ليس وليد الوقت الراهن بل هو قديم قدم الإسلام نفسه. و قديما قال الإمام الشاطبي في موافقاته : " إن الربا محل نظر يخفى وجهه على المجتهدين، و هو من أخفى الأمور التي لم يتضح معناها إلى اليوم" .
و إذا سلمنا بالبعد الإشكالي للمسألة الربوية كان الإنكار على المخالفين في هذه المسألة مناقضا ليس فحسب لعنصر التواصل المنتج مع الغير، و إنما هو مخالف أيضا لعنصر التحرر المستقل في الاجتهاد الفقهي، واللذان نبه عليهما الملك محمد السادس. عنصران إذا أخللنا بمقتضياتهما نكون قد هدمنا القاعدة الأصولية التي تقرر بوضوح: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، و لا ينكر على المخالف في المختلف فيه. لابد للموقف الفقهي المطلوب أن يكون متوازنا و يحل المعادلة التي تتكون من طرفين: طرف التواصل المفيد مع الغير و التحرر المسؤول من المجتهد، و طرف تنظيم الاجتهادات الفردية وتأسيسها حتى تتبلور في رأي و موقف فقهي تواصلي و متحرر و منظم. و ذلك ما حاولت مقاربته و إبرازه في كتابي الأخير الاقتراض البنكي و الاضطرار الشرعي، إذ قدمت من خلاله دراسة للموقف الفقهي من فتوى الشيخ يوسف القرضاوي في مسألة امتلاك السكن بقرض ربوي بالمغرب.
|