مراكش: عبد الصمد الكباص
لصوص ونشالون وقتلة ومغتصبون ومروجو مخدرات، مجرمون في سن البراءة، مشتركهم الوحيد طفولتهم الجانحة التي انزاحت بهم بعيدا عن وضعهم الطبيعي في وسط أسري دافئ وعالم يحترم طفولتهم ويصون براءتهم
هم كثيرون بمركز حماية الطفولة بمراكش وكثيرة هي جنحهم وجرائمهم أيضا• تأتي السرقة والسرقة الموصوفة في المقدمة بـ %25 من الحالات، متبوعة بتكوين عصابات إجرامية بـ 15 بالمائة، ثم ترويج واستهلاك المخدرات بنفس النسبة، والسياحة الجنسية بـ 5 بالمائة وترتفع الى نسبة أكبر في ذروة الموسم السياحي. أما %40 المتبقية فتتقاسمها جرائم وجنح مختلفة كالقتل وهتك العرض، إضافة إلى التشرد والتسول والعنف ضد الأصول وإضرام النار في ملك الغير والتهديد بالسلاح
ومن خلال قراءة بيانات نزلاء المركز بمراكش منذ سنة 2000 يتضح أن الجنوح يبرز بقوة عند الفئة العمرية التي تتراوح من 15 سنة حيث أن أغلب حالات الأطفال المتورطين في هذه الجرائم ينتمون ذات الفئة. في سنة 2000 مثلا كان عدد نزلاء المركز 209 طفل مهم 149 طفلا تتراوح أعمارهم ما بين 15 و17 وفي سنة 2001 أصبح هذا العدد 277 طفلا أما الأن فإن عددهم تضافع بالعشرات وما يدعو للقلق أكثر بمراكش ،حسب مدير مركز حماية الطفولة ، هو التزايد المستمر لظاهرة تورط الأطفال في جريمة تكوين العصابات الإجرامية، فعددها يتضح بشكل مثير وهو ما يمثل مؤشرا يدعو لدق ناقوس الخطر في ظل بنية مجتمعية تطالها تغيرات متسارعة فذلك لا يدل فقط على حدة المشكل الأمني الذي ستواجهه المدينة طالما أن الأطفال يتحولون إلى نواة لانتشار الإجرام، لكن بالأساس يشير الى استقرار الشروط الاجتماعية لانتاج الإجرام والتحفيز عليه
خلال التسعينيات من القرن الماضي ظلت أحياء بعينها بالمدينة الحمراء هي بؤره التوتر التي تصدر الأطفال المجرمين وهي تلك الأحياء التي استوعبت موجات الهجرة القروية سنوات الجفاف المتتالية لكن في السنوات الأخيرة يلاحظ أطر المركز أن إجرام الأطفال انتشر في أحياء أخرى في قلب المدينة وأساسا في التجمعات الهامشية المسجلة بها
تحول الطفل الى الفعل الإجرامي يمر بقنوات معقدة تتعلق بالدرجة الأولى بطبيعة الوسط التربوي والبنية العائلية، يشير أطر مركز حماية الطفولة بمراكش إلى أن الطلاق والتفكك الأسري بسبب غياب الأب أو الأم أو هما معا أو نشأة الطفل في وسط منحرف إضافة إلى اللامبالاة التربوية، كلها عوالم منتجة للأطفال المجرمين فالشروط الأسرية والتربوية المختلة المشار إليها أعلاه تؤدي الى تفرغ الطفل الى نفسه ومن ثمة الى البحث عن زمرة بديلة وللاندماج فيها يجب عليه الرضوخ إلى ميولاتها عن طريق الاجتهاد في اظهار كفاءته الانحرافية، وفي هذه المرحلة بالضبط يبدأ المرور الى الفعل الانحرافي الذي ينعكس في عدة ممارسات كالتشرد والتسول ومحاولة السرقة واستهلاك السجائر والمخدرات كلما توفرت النقود واستهلاك مادة السيليسيون
في هذا المستوى، أي المرور الى الفعل الانحرافي، يكون إصلاح الطفل ممكنا لأنه لم يتحول بعد إلى الفعل الإجرامي الذي يستفحل في التورط النفسي والاجتماعي للطفل في عالم الإجرام فيصبح من الصعب إصلاحه• وهناك حالات استثنائية لا تتعلق بالفقر أو التفكك الأسري تقود الأطفال الى الفعل الانحرافي ،يتعلق الأمر ـ حسب ملاحظات أطر مركز حماية الطفولة بمراكش ـ بالأطفال المدللين
وتوجد حالات كثيرة مرت الى الفعل الإجرامي بالصدفة• كما هو حال الأطفال الذين تاهوا عن بيوت أسرهم فاضطروا الى التكيف مع الوسط الإجرامي لضمان استمرارهم في العيش وفيما يخص تصنيف جرائم الأطفال حسب العينات المتواجدة بمركز مراكش فغالبا ما يكون القتل بالنسبة لأطفال البوادي بالصدفة كذلك وقد يكون قتلا جماعيا خلال اشتباك أثناء اللعب (كرة القدم) أو نتيجة تبادل للضرب بسبب خلاف حول الماء
كما يتورط أطفال البوادي في جرائم هتك العرض والاغتصاب و المثير في إجرام الأطفال أن الكثير من أفعالهم الإجرامية تكون بترخيص من الأسر ومباركتها كما هو الحال بالنسبة للسرقة والاتجار في المخدرات والسياحة الجنسية إذ أن هذه الأسر تستفيد من هذه الأنشطة كدخل بالنسبة لها وتوظف أطفالها في عالم الإجرام من أجل مردودية مادية• يلاحظ عبد الله شخمان مدير مركز حماية الطفولة، أن الأطفال المتورطين في الجنح الجنسية المرتبطة بالسياحة بمراكش يحظون بدعم أكبر من قبل أسرهم، خاصة فيما يتعلق بالزيارات والتموين والتغذية وكذلك الأمر بالنسبة للأطفال المتورطين في ترويج المخدرات والسرقة، بل يقومون بأفعالهم الإجرامية بعلم أسرهم وتواطئها معهم
وفي ذروة الموسم السياحي يتطور عدد الأطفال الذين ينخرطون في السياحة الجنسية كخدمة مادية يقدمونها لأسرهم في هذه الحالة، فترخيص الأسر للأطفال بممارسة أفعالهم الإجرامية والاستفادة من مردودها المادي يعتبر مشاركة لهم في هذه الأفعال.. إنهم في عمر الزهور، جرائم وسطهم تتعقبهم وإخفاقات مجتمعهم تلتهم أحلامهم وتغتال براءتهم• فمن المجرم إذن؟!
|