للمراكشية: عبد الصمد الكباص
المثير في كل هذا، أن (...) ا لم يكن سوى فضاء واحد من فضاءات كثيرة خاصة بالمثليين بمراكش، ذلك ما تؤكده تصريحات الكثير منهم، ففي المدينة أماكن عديدة تدخل معرفتها في إطار الخطاب شبه السري المشترك بين المثليين، والذي وظفت تقنيات الاتصال الحديثة لتوسيع انتشاره وتعميمه وتتوزع هذه الأماكن إلى مواقع للممارسة وفضاءات للالتقاء بالشريك أو الحصول عليه أو اقتنائه
الشابة هو اللقب الذي يعرف به (س) الذي كان يسكن في أحد أحياء المدينة العتيقة رفقة أسرته قبل أن يعتزلهم بشقة بمنطقة جليز أطلق عليه أبناء حيه هذا اللقب حتى أصبح اسما "حركيا" يغطي شهرته التي ذاعت في أوساط المثليين، يعتني بأناقته بشكل فائق، يصفف خصلات شعره بعناية ويحرك جسده الذي تلتصق عليه ملابسه الغريبة بغنج أنثوي واضح، لكن ما يطبع على وجهه علامة فريدة هو إصراره الدائم على رسم حروف رموشه بالكحل وتزيين وجهه بأنواع الماكياج المخصصة للنساء يعتبر ذلك أبناء حيه تحديا مرفوضا للمجتمع وتصرفا فاضحا لسلوك من المفروض أن يكون حتى وإن ابتلى به موضوع إخفاء وستر
الأمور بالنسبة إلى (س) في غاية البساطة، ولاداعي للتستر أو النفاق يقول: "أطلقوا علي لقب "الشابة" لإحراجي، لكنني لا أجد فيه شيئا مخجلا، هكذا أحس بنفسي وهكذا أنا، وهكذا اشتهي أن أكون تضايقت أسرتي مني فغادرت البيت بحثا عن حريتي" لايمانع في الجهر بأماكن التقاء أمثاله من ذوي الميولات المثلية، ففي السابق كانت ساحة جامع الفناء الفضاء الرحب والشاسع لالتقاط شركائه، فهناك يتقاطر السياح الذين يستقطبون بدورهم طينة خاصة من البشر يرغبون في المتاجرة في كل شيء بما في ذلك أجسادهم
في هذا المكان لكل شيء ميقاته، من الخامسة مساء فما فوق تكتظ الساحة وتنشط حلقاتها ويتحلق حولها الآلاف من عشاقها وفي هذه الأجواء بالضبط يشرع "الشابة" في التجوال ملتقطا إشارات زبنائه من المثليين، وفي باقي أوقات اليوم تكون المقاهي المحيطة بها الفضاء الأمثل لإغوائهم،هل يتعلق الأمر هنا بدعارة ذكورية؟
بالنسبة للشابة التسمية ليست مهمة بل المردودية هي الأهم، يلاحظ متسائلا: "يتعايش مجتمعنا مع العاهرات رغم الرفض الظاهر لهن، ويقبل بحضورهن ولا يحرج عندما يجد نفسه أمام دعارة النساء، فلماذا لا يستسيغ دعارة الذكور؟"
يقول "الشابة" نعم أستعمل جسدي للحصول على رزقي بالضبط، كما تفعل أية عاهرة، إلا فبماذا سأعيش وأقطن بجليز الذي لا يخفى على أحد سعر السكن به، وأتجمل فلا أحد يتصدق علي..."
اعترف أنه يكتري شقة سكنه بـ 3000 درهم شهريا وينفق على نفسه ما يناهز أربعة آلاف درهم إضافة إلى مصاريف أخرى فهل تفي المداخيل المحصلة لديه من نشاطه المثلي بكل هذه المصاريف؟ يجيب: "طبعا هناك ما يكفي من المداخيل لتوفير ما أنا بحاجة إليه ومجال اشتغالي يزداد رواجا"
واليوم لم تعد الأمور فيه كما كانت من قبل، بل أصبح هناك أشخاص ينسقون العمل ويديرونه ويستقطبون الزبناء، وهناك أماكن معروفة بين الذين يشتركون في هذه الميولات سواء كانوا أجانب أو مغاربة كعلبة (د.ن) وعلبة (ب) ومقهى (ك) بشارع محمد الخامس والفيلا المعروفة قرب منتيكريستو، والشقق الثلاث الشهيرة بالنخيل ورياض (ب.س) بالمدينة العتيقة ومقهى (س) بجليز.."
إن الوضع بمراكش يحتاج إلى تحليلات اقتصادية تتعلق ببناء معقد من الأموال والوظائق والأرباح والنفقات والمداخيل وتحكمه توازنات تدور بكاملها حول الاستثمار المالي للرغبة، ربما كان ذلك مرتبطا بخصوصية مدينة تجد مصيرها الاقتصادي مرهونا بالمفارقة التي تتواجه فيها صرامة منطق المردودية مع تشدد منطق أخلاقي محافظ، وربما هي مفارقة تشي بتصدع لا أحد قادر على التنبؤ باحتمالاته. أقول فقط ربما...
|