مراكش: عبد الصمد الكباص
إيف سان لوران أمير مصممي الازياء في العالم وصديق مراكش الوفي. أذهل الذوق الكوني بطاقته الفياضة في الابداع وبخياله الخلاق بمنابع لا تنضب. أثر كثيرا في حياة الانسان المعاصر ليس فقط في سبل اناقته وإنما في علاقته بالألوان والروائح وطرق ادراكه لجمالية وجودة ولفن الحياة ولقيمة الجسد.
لم يتمثل قط مراكش كمنتوج سياحي، كصورة معلبة لإشباع خيال استشراقي سطحي، ولا كفلكلور معد للترفيه عن الزوار القادمين من أرض الصقيع والضباب، فمنذ زيارته لها لأول مرة سنة 1964 أغرم بها وأدركها كقيمة ثقافية وكحدث فني وانساني كبير، وكحركة متألقة من المعاني العظيمة، وكسحر خاص. حينها لم تكن لإيف سان لوران شهرة تسبقه، وفي عودته إليها للمرة الثانية سنة 1965 كان مصمما على اقتناء منزل بها، لم يذهب اختياره للاحياء الجديدة الذي شيدتها الحماية الفرنسية لإقامة الموظفين الفرنسيين والمعمرين كحي جيليز وليفرناج، الحي الشتوي، المشهورين بتناسقهما وبطرازهما المعماري الحديث، بل فضل بإصرار الاقامة وسط المراكشيين في قلب حرارة حياتهم اليومية، وفي صلب دفق تعاطيهم الحميم مع ثقافتهم التي بها يحيون ويبدعون ويتخيلون، فاقتنى بيتا كبيرا ظل معلمة بحومة باب دكالة بالمدينة العتيقة.
واظب ايف سان لوران على زيارة المدينة الحمراء بانتظام وبقي وفيا لها طيلة حياته. هذه المدينة بالنسبة له لم تكن فضاء للاستجمام وإنما وأساسا منبعا روحيا لإبداعه، فهو يعترف ان مراكش كحياة وكسكان هي التي فتحت عينيه على الالوان والاضواء في وقت كانت فيه فرنسا غارقة في بحر الالوان القاتمة وبالدرجة الاولى الاسود والرمادي.
الالوان الحية المتاخمة لحياة المراكشيين في ملبسهم وفي فضاء معيشهم وكذا في جدران منازلهم وأثاث بيوتاتهم ورياضهم، فتنة حقيقية بالنسبة له أو كشفا قويا لفنان مهووس باختراق آفاق جديدة في الأشكال والألوان والأضواء وهو ما انعكس على مبتكراته في عالم الازياء سواء من حيث الشكل أو اللون، وكذلك من حيث استلهامه للتراث المغربي في مجال الاناقة المجسد في القفطان والطربوش.
أبرز من عرفوه عن قرب بمراكش عبد الرزاق بنشعبان الفنان الفوتوغرافي الشهير، يتحدث عن علاقة إيف سان لوران بمراكش قائلا: «كان له تقدير كبير لمراكش ولساكنتها . وكان يزورها بانتظام وباستمرار ومنذ 1999 بدأ يقضي فصل الصيف بطنجة. قبل شهور كان معنا هنا وعندما هم بالمغادرة كنا في وداعه. كان هناك احساس غامض بأنها المرة الاخيرة التي سألتقي فيها به ذلك ما كانت تعبر عنه نظراته».
إنه أمير مصممي الازياء في العالم، يقول بنشعبان، وليس لكلمة أمير هنا مضمون سلطوي وإنما تقدير كبير واعتراف بعطائه وابداعه وقيمته. فالرجل كان له احترام كبير لمراكش ولأهلها. كان يقدر الآخرين ويحترم الكفاءات المغربية ويدعمها، ويقدس الصداقة... وكان يتصف بكرم كبير ماديا ومعنويا».
ستظل مراكش مدينة لهذا الفنان الذي ساهم بقوة في صناعة الرواج العالمي لاسمها ولشهرتها الثقافية. لكن المراكشيين سيذكرون له دائما وباعتراف وامتنان، انقاذه البطولي لحديقة الفنان الكبير جاك ماجوريل بحي الرويضات في وقت لم يأبه لها احد من اثرياء المدينة واغنياء المغرب.
في سنة 1984 عرضت الحديقة المذكورة التي تشكل تحفة حية بالمدينة للبيع لكي تحول الى فندق ومطعم. كان في القرار درجة قصوى من البشاعة لم يحتملها ايف سان لوران. ولانه لم يكن كما قال عنه الفنان عبد الرزاق بنشعبان - مهووسا بالربح المادي، تدخل واقتنى الحديقة للحيلولة دون خطر اعدامها الذي بدا حينها وشيكا. فحافظ عليها وطورها لتأخذ موقعها في قلب نسيج المعالم التي تشكل نقطة جذب السياح وعشاق الحدائق من مختلف انحاء المعمور.
« ما أثار انتباهي في شخصيته - يقول بنشعبان - انه رغم شهرته العالمية وذيوع صيته وسطوع نجمه، ظل الرجل متواضعا. وعندما تجالسه لا يشعرك بانه نجم عالمي له عطاءات قوية واحدث تغييرات مهمة في سلوك الناس وثقافتهم. تعرفت عليه في التسعينات وكنت احس بخجل كبير لانني امام قامة كبرى. وانا مدين له بالكثير بالثقة التي وضعها في وبتقديره الكبير للصداقة وتثمينه للثقافة المغربية».
ايف سان لوران الذي ولد بمدينة وهران الجزائرية كان يتذوق مراكش كتجسيد حي للتربة المغاربية التي استضافت اقامته في هذا العالم لأول مرة . لم يكن يأتي اليها من أجل الظهور أو لتسليط الاضواء عليه، بل كان منعزلا يقضي جل اوقاته بها إما في العمل أو في الراحة او بالحديقة بين اشجارها واغلب اعماله التي ذاعت شهرتها، تخيلها وصممها بالمدينة الحمراء. رغم ان إيف سان لوران كان مؤمنا بما يعمله دون انتظار اي تكريم او اعتراف من احد، إلا ان أعلى اعتراف مغربي بما أسداه لمراكش، جاء سنة 2001 عبر رسالة ملكية وجهها جلالة الملك محمد السادس الى الفنان عبد الرزاق بنشعبان كلفه فيها بتبليغ ايف سان لوران تقدير جلالته ومن خلاله المغرب لما قام بهذا الفنان من مجهود لصالح مراكش وصورتها. |