كان النهار يرخي زمام هيبته، على ساحة جامع الفنا، بمدينة مراكش.
الشمس شارفت على المغيب، الشفق يبدو بلون أحمر منفتح وراء صومعة مسجد الكتبية
، التي تقف شاهدة ولو من بعيد على زمن يمضي، والأحداث فيه تتكرر، تكاد تكون روتينا لا تستقيم دونه الحياة في هذه الساحة المفعمة بالضجيج وخطى أناس يدوسون المكان الفسيح، قرب مبنى بنك المغرب في عاصمة النخيل. الجلبة تسمع هنا وهناك، كل واحد ينغمس في فعل شيء ما،
تنتشر كذلك على هذه الساحة، تجتمع بلاغة الجوع والعطش،
قرب عربات لبيع المأكولات، ومطاعم في الهواء الطلق ملأى بعشاق «الطنجية والكعاوي»
، أما «الشامية» فصحن منها مع مشروب «الخذنجال» مبتغى أغلب رواد ساحة جامع الفنا.
تختلف البشرات والسحنات، سياح بملامح الفايكينغ، والجرمان، وآخرون، جلود سيقانهم بيضاء تظهر تحتها أوردة خضراء.
لم يكن الوصول إلى ساحة جامع الفنا بالأمر الهين، انتظار سيارات الأجرة يصيب بالدوار، تبدو الشمس أقرب في عاصمة النخيل، تطول الدقائق والانتظار، بعض سائقي سيارات الأجرة يتصيدون الأجانب ولا يعيرون اهتماما لزبناء الداخل.
أخيرا وقف محمد ، لوحنا له ولم يتردد في الوقوف، رجل طاعن في السن يمسك المقود بكلتا يديه، كان يسوق سيارته ببطء.
يؤكد محمد أنه يمتهن سياقة سيارة الأجرة منذ ما يزيد عن 36 سنة. يسرح بعينيه في شارع محمد السادس الممتد أمامه على مسافة 8 كيلومترات.
يقول إن السياح الأجانب يُحرجونه حينما يسأله بعضهم عن التقاعد، يسترعي انتباههم ويحفزهم على السؤال الشيب الذي يعتمر رأس بلمحجوب.
يفيد بأن لجنة خاصة تجوب شوارع المدينة، تقوم بمراقبة كل تعسف قد يؤتيه سائقو سيارات الأجرة ضد زبنائهم.
عدم تشغيل العداد أو الزيادة فيه عن طرق غش يسلكها بعض السائقين، يعطي سببا كافيا لسحب رخصة الثقة.
هذه اللجنة تصادر رخص الثقة من كل من ثبت في حقه تلاعب ما، لكن الأَمَر هو التمييز الذي يعتمده بعض السائقين، يتصيدون الزبناء الأجانب أما المحليون فليس لهم سوى الانتظار تحت أشعة الشمس.
مرت سيارات أجرة تحت أرقام تسلسلية مختلفة، سائقوها رفضوا الوقوف للمنتظرين من السكان المحليين،استجابوا للسياح الأجانب، حتى قبل التلويح لهم!
محمد يرى أنه من الواجب إعطاء الأسبقية لمن أشار أولا، لسيارة الأجرة، دون أدنى اعتبار للجنسية أو البشرة، غير أنه يؤكد أنه يفضل أن يُقِل «ولد البلاد».
يستنكر محمد قرارا آخر صدر عن ولاية مراكش، والذي يتغيا تحديد مدة الاستفادة من رخصة الثقة الممنوحة لسائقي سيارات الأجرة، في مدة 5 سنوات، يتساءل عن وضعه وهو يملك هذه الرخصة منذ 36 سنة، يرى أن القرار جائر، وأنه سيضيع عليه سنوات عمله وراء مقود «الطاكسي».
محمد ليس غير سائق لسيارة الأجرة هذه، لا يملك كْريمة، ويخاف المستقبل في غياب معاش، أو تعويض عن عمله.
كانت صومعة مسجد الكتبية، تلقي بظلالها على الساحة الواسعة أمامها، ودعنا محمد بعد أن توقف هنا، مخافة أن يقحم سيارته في زحام لن يخرج منه سريعا.
أعمال تهيئة تهم الساحة لم تتم بعد. تمر حافلة حمراء اللون يمتطيها سياح تتألق بشراتهم تحت أشعة الشمس، كانت من طابقين، الطابق العلوي يجلس فيه أكثر ركابها الذين لا يريدون سقفا يحول بينهم وشمس مراكش الحارة.
تُسمع نغمات الناي والكمان من بعيد، رائحة الشواء تقتحم الأنوف، حلقات متناثرة هنا وهناك، أناس يشرئبون بأعناقهم إلى الأمام، يتابعون حركات وسكنات حكواتيين، وآخرون يتحلقون حول مجموعة موسيقية تتخذ من الغناء الشعبي وسيلة لتلقف دريهمات يجود بها المتحلقون.
بعد كل أغنية يطوف رئيس المجموعة يمد «بنديره» لتسقط القطع النقدية تباعا وسطه محدثة طنينا.
وصلات غنائية تؤديها المجموعة الموسيقية، قائدها قصير القامة، تقاسيم وجهه تحيل لعمر الكهولة، يغيب الشعر عن قمة رأسه الدائري.
يئن البندير تحت ضربات راحته عندما «يحمى الطرح»، يمتزج طنين «البندير» بتصفيقات الحضور.
تتوقف الموسيقى ليتفوه «قائد الأركسترا» بتعليقات لاذعة ومضحكة في ذات الآن، يغرق الجميع في الضحك، يستغل القهقهات ليطوف من جديد على الواقفين في الحلقة.
يضحك أحمد ملء شدقيه، تبدو نواجذه، يحمر وجهه وعيناه تنحبس فيهما الدموع يقول إنه ينحدر من مدينة طنجة بشمال المغرب، بلكنته «الجبلية» يضيف «فين ما جيت لمراكش، لا بد ليا ما نزور جامع الفنا»
يشتغل أحمد في شركة لنقل البضائع والإرساليات، غالبا ما يمر من مدينة النخيل، يتوقف لما يزيد عن الساعة في هذه الساحة، يُروح عن نفسه، ويريح جسده من كلل الجلوس وراء مقود السيارة لساعات طويلة.
يؤكد أن فرقا موسيقية تحترف الغناء هنا، أحسن من بعض المطربين المشهورين، بمقابل «وضيع» يجود به مرتادو ساحة جامع الفنا.
جماعة من السياح يتقدمهم مرشد يستفيض في إبراز ما يخفى عنهم في الساحة، يرهفون السمع، وعيونهم تمسح المعالم والوجوه.تطربهم النغمات، إيقاع الشعبي أعجبهم يدندنون معه، تتمايل أجسادهم، وأصبحوا هدفا لقائد الأركسترا، الذي غنم ، بمعية فرقته الموسيقية ، مبلغا محترما منهم.
أمارات الاعجاب والاستغراب تقتسم وجوه السياح البيضاء.
الكرينات، النفاخ، بولمرايات.. »
حل وقت صلاة المغرب، صوت المؤذن يصل المسامع.
عبد المولى يريد التوجه للمسجد، يقول إنه متوضيء لكن ذلك لم يمنعه من مداعبة الثعابين التي يملكها، دون أن يلامسها.
يقول إنه يطعمها مرة كل 15 يوما، «أقفل عليها في صناديق خاصة لمدة 15 يوما بعد كل وجبة أكل» يفسر أنه ينتظر بذلك ذوبان ما أكلته الثعابين في بطونها.
يغذي عبد المولى الثعابين والأفاعي من البيض، والفئران.
يؤكد أن سم الثعبان لا يفارق هذا الأخير، يدحض الفكرة السائدة لدى البعض، من أن الثعبان يتخلص من سُمِّه فوق حجر ما كلما أراد الشرب، «سم الحنش واللفعى بحال ريق الإنسان» يعزز عبد المولى ما قاله.
تزحف الثعابين في حلقة عبد المولى، بينما أفعى «الذيل الجرس» تنفخ أوداجها، الشرر يتطاير من عينيها، لونها أسود فاحم، لسانها يطل من فمها بين اللحظة والأخرى.
تسري القشعريرة في الأبدان وعبد المولى يدنو بيديه منها، يقول إنها تعرف بـ «النّْفَّاخْ».
أما الثعابين في حلقة عبد المولى فأسماؤها تختلف بين «بوسكة ، الحريشة، أمُّ الكْرينات ، وبوالمرايات» هذا الأخير يشير صاحب الثعابين إلى أنه «حنش صياد».
ينفي عبد المولى عن نفسه الكرامات و«الحْكمة»، يؤكد بأن «الستار الله»، فهو يجازف بحياته كلما قصد مدينة زاكورة لصيد الثعابين والأفاعي.
يجزم أن الثعابين لا ترى ولا تسمع ، فهي لا تتوفر على آذان، يفيد بأنها تستعيض بحاسة الشم عن باقي الحواس، لافتا الاهتمام إلى «حنْش بوسكَّة» الذي يرى أنه يتوفر على سم زعاف، هو الأخطر والأقوى من بين باقي سموم الثعابين الأخرى.
استأذن عبد المولى بالانصراف، قاصدا المسجد لأداء صلاة المغرب، ترك أحد أعوانه ليراقب الصناديق التي تحوي الثعابين، لحين رجوعه، لم يكن يريد ملامسة الثعابين «كتنقض الوضو» يقول وهو يهرول نحو المسجد.
«عالم الغيب» بـ 10 دراهم...
غير بعيد عن حلقة عبد المولى وثعابينه، يقتعد شيخ في الستينات من عمره الأرض، تحت مظلة شمسية كبيرة، ينادي على المارين أمامه، يحمل في يده قلما من قصب، يبدو سواد «الصمغ» على رأس القلم.
يقول إنه يقرأ الطالع، لا يملك فنجانا، ولا كرة بلورية سحرية يفضح زجاجها خبايا الغيب، يكتفي بالنظر مليا إلى الكف، ليسترسل في الحديث عما يغيب عن ذهن صاحب الكف فيما سيأتي من أيام.
نزلنا عند رغبة فضولنا لمعرفة ما يقوله في ماض وواقع نعلمه، ومستقبل يختص بعلمه الخالق.
عشرة دراهم، يحدد قاريء الطالع ثمن رحلة من 5 دقائق بشأن ما نجهل من حقائق، كما يوضح.
« سعدك سعد، ووعدك وعد» وهلم جرا من العبارات المنمقة، السجع، الجناس، والطباق.. تصبغ كل ما يتفوه به العرَّاف، بينما يده تخط طلاسيم وخطوطا لا تعني شيئا في ورقة صغيرة.
أخبرناه ، كذبا عن قصد، أننا ننتظر خطيبة من الولايات المتحدة الأمريكية، أطرق رأسه للتفكير قليلا، وكأنه يستنطق «جِنِّيا» في قرارة نفسه، ليجيب أن «لوراق راهم فالطريق» مشيرا إلى أن «الكرين كارد» ستطرق الباب عما قريب!
قارئة «الصوطة، الكبال والراي»..
ودعنا قارىء الكف، لنقف عند امرأة ملثمة تضع نقابا يحجب تقاسيم وجهها دون عينيها.
ليست بقارئة فنجان، وإنما قارئة «كارطة بلدية»، لم تجادل في الثمن، تبدو قنوعة.
ربما لا ترى عناء في ترديد كلام تحفظه عن ظهر قلب، مقابل 5 دراهم.
يتشابه كلامها وكلام العراف في إشارتهما لبعض محطات الحياة، التي نادرا ما تختلف من إنسان لآخر، أمور عائمة وعامة «الحب، الحسد، دسائس الأصدقاء، غراميات...»، لكن الطريقة تختلف، تستنجد بـ «الصوطا، الكبال، اللآص، الرَّاي» وما تحمله من نقود أو سياط أو سيوف، لتستدل على صحة «ما طلع في السعد».
تقول إنها تتوفر على مَلكة فك الرموز، وترجمة ما يوحي به ورق لعب «الرُّوندة».
«الكارطة البلدية هي اللي كتصدق، أما الرامي ما كيعطيش»، تستطرد قارئة ورق اللعب.
أخبرتنا بدورها أن «الكرين كارد» قد تم إنجازها من الخطيبة المزعومة، تطلب المزيد من النقود، تتمسك بأنها أفرحتنا، وأننا لم نرد إفراحها كذلك!
لا تعرف ما يعنيه المثل «كذب المنجمون ولو صدقوا»، وتقول إن رزقها سيقطع من ساحة جامع الفنا إن آمن «حجاج» الساحة بهذا المثل.
الأدخنة تعلو سماء ساحة جامع الفنا، رائحة« لحم الراس» تجعل البطون تتضور جوعا.
مطاعم في الهواء الطلق، البهجة، المراكشي.. أسماء لبعضها، تقابلها على اليمين عربات عصير البرتقال، وقربها عربات لبيع «الشامية» وخدنجال.
سياح ومغاربة يحاولون «صيد» قنينات المشروبات الغازية، بقصبات تحل دائرات بلاستيكية محل الصنارات فيها، ينهمك المغاربة في الضحك بينهم بينما ينغمس السياح في متعة صيد فوق أرض صلبة.
تتلألأ الأضواء في فضاء الساحة، السماء صافية والنجوم تطل على الدائرين فيها.
تتسع الرقعة الأرضية التي ترقص بها «سعيدة وصديقاتها».
سعيدة ليست غير رجل يرتدي زيا نسائيا براقا، ويضع نقابا أسود يغطي وجهه، يخفي شعره تحت ثوب بنفسجي ينتهي بالصقلي.
يتمايل وصديقاه، أحدهما يلبس قفطانا أصفر فاقعا، على نغمات الكمان و«الطعريجة» تؤديها مجموعة موسيقية من رجال تتجاوز أعمارهم الخمسين سنة.
بنبرة لا تخلو من الأنوثة، يتغزل «سعيدة» في هذا وذاك، يرسل ورفيقاه نظرات أحرجت بعض الحاضرين، يقول إنه «شيخة» ترقص على الفن الشعبي، وليس راقصة.
تتابع نسوة رقص «سعيدة» وصديقيه ، ينخرطن في الضحك خلسة، عبارات أسف ندت من إحداهن على ما يرين بأعينهن، تمط شفتيها، لكن رقص سعيدة استطاع خطف إعجاب النسوة.
«كيشطح أحسن من العيالات» عبارة وصلت مسامعنا، وإحداهن تؤكد لرفيقاتها، براعة «الشيخات الثلاث»!
يطوف رجل اشتعل رأسه شيبا على الواقفين لجمع ما قد يفارق جيوب بعضهم من قطع نقدية، يمازح الجميع :«عاونوا هاد الوليات»، ضحكت «الشيخات» و«أرسلن» بدلال غمزات تطايرت مع الهواء!
خالد ماهر (الاتحاد الاشتراكي)
|