|
|
|
|
|
|
|
|
|
مستشفى ابن طفيل بحر ظلمات مراكش الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود |
| |
|
|
مراكش: عبد الصمد الكباص
ترك «الماجور» المرضى لآلامهم بالجناح (ب) لجراحة العظام، ولم يؤذه مشهد بعضهم بعد أن تهاوت أجسامهم، التي أنهكها المرض، على «الضس» البارد، لأن الانتظار طال بهم وتيبست أقدامهم من الوقوف ولم يجدوا كرسيا يسعفهم على المقاومة، لم يزعجه كذلك منظر الازبال المتراكمة في مرحاض الجناح الأيسر من الطابق الاول من مستشفى «سيفيل»، القريب جدا من مكتبه، والمدسوس وسط غرف المرضى المعطوبين في أطرافهم وعظامهم، ولا الروائح المقرفة المنبعثة منه والمتجولة بحرية بين «علب» إيواء النزلاء لتحول المكان الى ما يشبه مستودعا للجثث المتعفنة،وليس فضاء للاستشفاء، لم يزعجه أي شيء من ذلك عدا حضورنا بالجناح. فاستنفر حماسه كما لو حصل على صيد ثمين، وثارت ثائرته عندما وجد عيوننا مشدوهة لفظاعة قمامة الازبال المتراكمة المتروكة بالمرحاض. حاولنا إقناعه بأننا لسنا عناصر متسللة من «الطابور الخامس» وإنما مجرد صحفيين، فزاد غضبه وواجهنا بضرورة توفرنا على ترخيص مسبق، كما لو كنا في زيارة لمقر «البانتاغون» أو لمؤسسة جد حساسة وليس في مستشفى عمومي عادي. تحركت الهواتف واستنفرت عناصر الحرس الخاص وأبلغت الادارة لنقتاد مخفورين إليها بالماجور المذكور والحارس العام، في تلك الاثناء كان حشد كبير من المرضى يقاسون آلامهم، بعضهم يتكىء على الحائط والآخر جاثما على الارض ينتظر في يأس لما قد يأتي أو لا يأتي. كانت سقوف المستعجلات وقاعة الجراحة تنزف بمياه قنوات الصرف التي تمطر رؤس الناس من تحتها. وكانت الازبال تنتشر بين عمارات المستشفى وفي هوامش مرافقه، وكان السكانير معطلا والراديو كذلك، وكان المطبخ الذي يشبع بطون المرضى غارقا في قذاراته، وكان الاطباء الداخليون والمقيمون غاضبين من أوضاعهم، وكان البؤساء يدخلون إليه حيارى ويخرجون منه خائبين بعد أن يصدموا بكون كل شيء مؤدى عنه، حتى كادوا ان يطالبوا بأداء ثمن التأوه، وكانت كل صغيرة وكبيرة فيه تنتظم لتجعل من هذه المؤسسة بنية متكاملة لإهدار كرامة كل من يلجأ إليها..
على ألسنة المراكشيين جرى اسم «سيفيل» اما اسمه الرسمي فمستشفى ابن طفيل، قبل إنشاء كلية الطب بمراكش كان «سيفيل» مستشفى اقليميا بخمس اختصاصات وحوالي 600 موظف. وبفعل تعثر إنشاء المستشفى الجامعي محمد السادس تحَّمل هذه المهمة وأصبح مستشفى جامعيا ب 25 اختصاصا وعدد أقل من الموظفين وبنية ثابتة لم تتوسع، لاتتجاوز عمارتين تتكدس فيهما كل هذه الاختصاصات ويكتظ بداخلهما الآلاف من المرضى و الممرضين وطلبة كلية الطب والاطباء الداخليين والاطباء في طور التخصص والاساتذة وحراس الأمن الخاص والزوار لتصير اقسام العلاج والاستشفاء به أشبه برسم مصغر ليوم الحشر.
عندما اقتربنا من البوابة الرسمية للمستشفى تراكم في محيطه نفس المشهد. حشود كثيرة من الناس تتزاحم حوله بعيون قلقة وملامح يائسة، نساء يجلسن أرضا وشيوخ يضعون أياديهم فوق رؤوسهم في محاولة غير مجدية لاتقاء عنف اشعة الشمس المسلطة عليهم بلا رحمة، ينتظرون جميعهم موعد الزيارة، لا حديث لدى اغلبهم إلا عن الايتاوة المفروضة للحصول على امتياز الدخول خارج المواعيد المحددة للزيارة. بعضهم قال «انها لا تقل عن عشرين درهما» والبعض الاخر بالغ الى ما فوق ثلاثين درهما، وفي قلب المستشفى يروج كلام عن تدخل الادارة لطرد اثنين من عناصر الأمن الخاص وردت في شأنهما شكايات من قبل المواطنين تتهمهم بالإبتزاز.
في حين يلتمس البعض الآخر لهؤلاء كامل الاعذار لكونهم لا يتقاضون من الشركة التي يشتغلون لحسابها سوى أجر هزيل. يقول احد موظفي المؤسسة كيف يمكننا مطالبتهم بأداء احسن وأجرهم الشهري لا يتجاوز 900 درهم.
تتطبع على وجوه الداخلين إلى ابن طفيل والخارجين منهم علامات المحنة، لا تسمع إلا لغة التشكي من كل شيء فيه، من سوء المعاملة التي قد يلاقونها من هذه الجهة او تلك، من الاكتظاظ و كثرة الانتظار، من نقص التجهيزات ومن مشهد الاجسام المنخورة بمختلف اصناف الامراض المطروحة ارضا ومن هزيمة النفوس امام ارتفاع فاتورة العلاج. بعد امتار قليلة من الحاجز المنصوب بالبوابة الرئيسية للمستشفى. وبالضبط قرب السبورة الزرقاء المثبتة حديثا للتأشير على مختلف الاقسام والمصالح، وقفت سيدة في الستينات من عمرها ساهية بنظرات تائهة وقسمات متألمة، قالت انها اتت من منطقة نائية من اقليم شيشاوة، وانها بعد ادائها 100 درهم كواجب فحص طلب منها الطبيب اجراء فحص اخر بالراديو، فكانت صدمتها عندما طولبت مرة اخرى بأداء مبلغ 300درهم لصندوق المستشفى لتتمكن من إجراء الفحص المطلوب. مأساة هذه السيدة التي كانت تعتقد انها قادمة الى سيفيل و بحوزتها ثروة ستكفيها لشراء الادوية وتغطية كل التكاليف المحتملة، تتلخص في كونها لم يتبق بحوزتها سوى مبلغ 300 درهم، واذا ما دفعته للاستفادة من الفحص بالراديو، فانها لن تجد ولو سنتيما واحدا يغطي تكاليف سفرها والعودة الى بيتها، لذلك كانت حائرة وحالتها ليست سوى نموذج بسيط لمئات الحالات التي لا يهزمها بهذا المستشفى المرض بقدرما تهزمها قلة الحيلة التي تتعمق لديهم فيه. قال أحدهم «لن تحس أبدا أنك فقير.. أفقر حتى مما يمكن أن تتصوره الا بسيفيل»
لم يكن الوصول الى قسم المستعجلات امرا سهلا، فلبلوغه عليك ان ترتاد مسالك معقدة. عليك ان تعبر مصلحة الراديو اولا. وان يبتلعك كولوار طويل وأن تتدحرج عبر ادراج لينتهي بك المطاف في قبو تحت الارض.
يمثل قسم المستعجلات بابن طفيل لوحده اسطورة، فهو حكايات لا تنتهي تروى بسوداوية على ألسنة الضحايا. وهو تذمر مفتوح من قبل العاملين به واحداث طريفة كذلك. فقبل اسابيع لم يكن هناك حديث لدى كل من اضطره القدر لولوجه إلا على حادث انقطاع الكهرباء به لمدة لا تقل عن ثمان ساعات، فتسبب ذلك في شلل كلي للمستعجلات وتوقف تام لأهم وظائفه وتعطيل كل العمليات الجراحية المستعجلة، فتوقفت طيلة هذه المدة الحرجة أجهزة التنفس الاصطناعي بالمصلحة واجهزة الانعاش المستعجل وتراكم عدد المرضى الذين كانت حالتهم تستدعي تدخل سريعا وارتبك السير العادي للعمل بالقسم بسبب حالة التوتر والضغط التي هيمنت بالمكان وساد في نفوس المرضى رعب وفزع كبيران.
وبعد ذلك بأيام، بقي عدد من ضحايا حادثة سير جماعية وقعت بإقليم الحوز، متراكمين في رواق قرب مصلحة الفحص بالاشعة لساعات طوال ينتظرون ببطء دورهم. وقضى بعضهم الليل بكولوار المستعجلات وقبلها سلسلة من المشاحنات والاعتداءات والشكاوي.
يوجد قسم المستعجلات في موقع «عجيب» ربما آخر موقع يمكن ان تنتظر فيه إيواء هذه المصلحة جد الحساسة، فمنذ ما يقارب سنة تقرر تحويله إلى بناء يوجد تحت ارض مستشفى ابن طفيل، انشيء اصلا ليكون مصلحة لمرضى السرطان، لكنه تحول بشكل مؤقت إلى قسم المستعجلات في انتظار الانتهاء من بناء مرفقه الجديد الذي قيل عنه أنه سيكون موافقا للمعايير المعتمدة في هذا المجال، لكن الوضع المؤقت كان أشبه بالأبدي عندما تحقق في مآسي الناس ومعاناتهم، ففي هذه الفترة حدثت كوارث وتضرر الآلاف من الضحايا ووقعت وفايات بسبب سوء ظروف القسم، كما الشأن في حوادث السير الجماعية التي يكون فيها عدد الجرحى مرتفعا.
عندما كنا في قلب بناية هذه المصلحة داهمنا احساس بأننا في مستودع للمهملات وليس في قسم طبي حقيقي. فمحيطه مليء بالازبال والاتربة ومجاري المياه المفتوحة، وبهوه يضيق بعشرة اشخاص رغم أنه يستقبل الآلاف، وآخر ما يمكن تصديقه هو كونه مستعجلات جراحية بمستشفى جامعي بمدينة مليونية وجهة شاسعة مليئة بالفقراء وحوادث السير والسياح.
من طرائف صدف تواجدنا هناك معاينتنا لمحنة سيدة يظهر عليها انها في وضعية صحية جد حرجة وكانت ابنتها حائرة تسأل هنا وتبحث هناك غير مصدقة ما تسمعه من اجابات، محنتها في مظهرها جد بسيطة لكنها جد دالة، كانت والدتها في حاجة قاهرة للذهاب للمرحاض، والمشكل الذي واجهها هو أنه لا مراحيض في قسم المستعجلات، وأنه لزام عليها أن تنتقل إلى طابق آخر بعد قطع مسافة طويلة! المطلوب هنا من كل قاصدي مستعجلات «سيفيل» أن يعطلوا حاجياتهم الطبيعية وإلا سيتحول ذلك إلي محنة أقسى من محنة المرض الذي ينخر كيانهم.
أمام الباب المتواضع للقسم تجري مياه الصرف الصحي عبر قناة سطحية وقربها كراسي نادرة لا تكفي لجموع المنتظرين، لذلك يستريح الكثيرون منهم على الارض العارية من كل شيء إلا من قرف الازبال وروائح المسورات التي تسيل بين الانوف، بالطبع فالمشهد روتيني في كل أنحاء المستشفى، لكن بالمستعجلات له طعم أفظع وأقسى.
الاكتظاظ وضعف بنية الاستقبال هي السبب الاساسي في حالة التشنج التي تسود بين المواطنين وبعض العاملين بالقسم، لأن المواطنين يصدمون بالوضع البئيس الذي يوجد عليه هذا المرفق، يعلق أحد مستخدمي المستشفى، أما مُرافق أحد المرضى الذي بقي منشوراً فوق «الشاريو» لمدة طويلة في بهو المستعجلات فعلق في استخفاف يائس: «هذي زريبة ماشي سبيطار!!»
منذ سنة 2001 تصدرت مستعجلات ابن طفيل بمراكش قائمة أقسام المستعجلات بمختلف مستشفيات المغرب من حيث عدد المرضى الذين استقبلتهم، ويكفي أن نذكر أنه خلال سنة 2006 استقبل هذا القسم أزيد من 103 ألف مريض سهر على تطبيبهم 16 ممرضا فقط!! وهذه المفارقة كفيلة بالإشارة إلى أحواله. ويمكننا أن نضيف إليه رقما آخر هو كون هذا العدد الهائل من الضحايا لا يتوفر القسم إلا على أربع «شاريوهات» (أًسِرة متحركة) لنقلهم!! والمعضلة تكون أكثر إحراجاً عندما تقع حوادث سير جماعية فيندفق الجرحى بالعشرات دفعة واحدة...
قتامة الوضع بهذا القسم التي يصعب على أعلى الكفاءات الطبية أن تتحداه، تتعمَّق أكثر عندما تفاجىء رؤوس المرضى قطرات الواد الحار التي تمطرهم من سقف البناية المخترقة بالقنوات الظاهرة للعيان. والأخطر من ذلك ما تتناقله الألسن من كون سقف قاعة الجراحة ينزف بدوره فوق الأجساد الممدة والبطون المفتوحة...
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه الى تفاصيل أخرى أكثر إثارة تتكامل مع سابقاتها لرسم صورة هيكل متحرك لإهانة كرامة المواطنين وازدراء آدميتهم. فالمصعد الذي ينقل المرضى الذين خضعوا لعمليات جراحية بالقسم هو نفسه الذي ينقل الأزبال!! والمرضى يجدون أنفسهم في شروط أخطر. فعندما تكون حالتهم تستدعي فحصا بالأشعة، فذلك يضطرهم للانتقال الى مكان بعيد عن القسم، وإذا ما تعطل المصعد يصبح نقله مستحيلا..
لا تتوفر مستعجلات ابن طفيل إلا على قاعة واحدة للكشف وقاعة واحدة تتقاسمها كل الاختصاصات وقاعة وحيدة للعلاجات الأولية. هذا الضيق يسبب ارتباكا كبيراً في سير العمل وطول مدة انتظار المرضى، ناهيك عن الاكتظاظ بين المرضى وعددهم هائل والأطباء بمختلف فئاتهم والطلبة والممرضين وعناصر الأمن الخاص على ذلك في مساحة صغيرة.
وفي كثير من الحالات لا يستطيع الزائر أن يفرق بين هذا القسم وبين زنزانة في سجن حقير معد سلفا لتعذيب الناس والتنكيل بهم.
هناك إجماع لدى كل من تحدثنا معه على كون معدات القسم متآكلة وقديمة ومتجاوزة تقنيا وأغلبها معطلة، بل إنهم يقولون إن قسم الإنعاش ليس له من هذه الصفة سوى الإسم، أما واقع حاله فبعيد جدا عن مهمته. عندما عايناه كانت صدمتنا أكبر، فهو عبارة عن غرفة جد متواضعة جدرانها تغزوها الثقوب وأجهزتها بالية ولا تستطيع استقبال أكثر من أربعة أشخاص، والفائض عليه إما الانتظار إن تمسكت بهم الحياة وإما الموت...
الأخطر من كل ذلك هو كون المصلحة لا تتوفر إلا على قاعتين للجراحة لجميع الاختصاصات، يقال عنها إنها تشكل لوحدها محنة حقيقية للأطر الطبية وللمرضى على السواء،ويكفي أن نذكر أن جحافل الذباب تغزوها وأن أحسن فضاء مفتوحة عليه هو عبارة عن مزبلة، وأن العمليات الجراحية تتم بها تحت رحم مواسير ظاهرة للعيان تخترق السقف، متهالكة وقابلة للانفجار لتغسل بمياه الواد الحار الأجسام المفتوحة.
وبلغت حدة تآكل معدات قاعة الجراحة بالمصلحة حينما كان أحد المرضى يخضع لعملية جراحية، فإذا بطاولة العمليات التي كان جسمه ممدا عليها تنكسر به ليسقط أرضا!! شكلت هذه الواقعة فضيحة وقحة فاحت رائحتها في مختلف أرجاء المدينة.
لا أحد يعرف بالضبط متى ستنتهي هذه المأساة المتجمعة بمستشفى ابن طفيل تحت اسم مصلحة المستعجلات. فمدير المستشفى يرفض التحدث للصحافة لمانع قانوني يعود لمقتضيات المرسوم المنظم للمستشفيات الجامعية، الذي يحدد صلاحيات مدراء التكوين ولا يسمح لهم بإعطاء تصريحات إلا بإذن من مدير المستشفى الجامعي. لكن بعض المقربين من الإدارة يقولون أن الانتهاء من بناء المقر الجديد للمستعجلات سيكون في متم أبريل الجاري وأن المصلحة ستكون جاهزة في منتصف ماي، وأن افتتاحها سيكون في نهاية نفس الشهر. بعضهم يتحدث عن رصد أزيد من أربعة ملايين درهم لاقتناء تجهيزات ومعدات حديثة، وأن كابوس المستعجلات بهذا المستشفى وشيك الزوال.
صعدنا إلى الجناح (ب) يسار بالطابق الأول المخصص لجراحة العظام، وجدنا هناك الكثير من المرضى الذين ينتظرون بالشهور والأسابيع على أمل اقتناء معدات العمليات. ورغم أن أغلبهم فقراء إلا أنهم مطالبون بأداء 200 درهم عن كل ليلة يقضونها هناك. ومن المرضى من انتظر إلى أن تعقدت حالته فأصيب بتعفنات فبثر أحد أطرافه.
في العمارة التي يتواجد فيها هذا الجناح يتكدس 12 اختصاصا. في الطابق الرابع لوحده توجد ستة اختصاصات هي الطب الباطني والأمراض التعفنية وأمراض الأعصاب وأمراض السكري والغدد وأمراض الروماتيزم والأمراض الجلدية. كل هذه الاختصاصات تتزاحم في حيز جد ضيق لا تتجاوز سعته 40 سريرا ويستقبل عددا كبيرا من المرضى، وبعض هذه الاختصاصات لا تتوفر على أكثر من سريرين!! في حين ألحق أساتذة آخرون باختصاصات جديدة في مصالح أخرى...
لدى مرورنا من مصلحة الفحص بالأشعة كانت الوجوه يائسة لكون جهاز السكانير معطل لأزيد من أسبوع وقبله كان الراديو قد توقف. تعطل هذه الأجهزة بابن طفيل واقعة روتينية وانتظام سنوي من المحن لمرضى يقطعون مئات الكيلومترات من أقاليم بعيدة قاصدين خدماته فيصدمون بعطالة تجهيزاته. والأخطر من ذلك حسب شهادات عائلات بعض الضحايا الذين ينقلون ليلا إلى المستشفى، حيث يكون لزاما عليهم أن يغادروه في اتجاه المصحات الخاصة للقيام بالفحوصات اللازمة. فيتحول راديو بسيط الى نقمة مكلفة بعد أن تنضاف إليه مصاريف النقل بواسطة سيارة اسعاف خاصة التي لا تقل تكلفتها عن 350 درهما. أما المرضى المصابون في الرأس والذين يكونون في حالة غيبوبة، فينقلون بدورهم الى المصحات الخاصة للخضوع بالفحص بالسكانير وغالبا ما لا يعودون للمستشفى لأنهم يموتون في الطريق أو أن المصحة الخاصة تبقي عليهم لديها.
العطالة الدائمة لتجهيزات مصلحة الفحص بالأشعة تشكل لغزا محيرا. هل هو اشتغال لصالح المصحات الخاصة؟ هل هي لامبالاة قاتلة من قبل المسؤولين؟ بعض العارفين بكواليس المستشفى يقولون أن الضوابط التنظيمية المعقدة قد تكون عاملا في ذلك. فالخانة المحددة لصيانة المعدات بالمستشفى الجامعي بكامله لا تتجاوز 30 مليونا، في حين أن الإصلاح السنوي للسكانير يكلف لوحده 75 مليون سنتيم!! لكن بعض الفاعلين يردون على ذلك أن للمستشفى مداخيل يومية هائلة تؤدى من جيوب المرضى.
معاناة مصلحة أمراض النساء والتوليد بالعمارة الثانية لا تقل حدة. يكفي أن نذكر أن ما يناهز 12 ألف عملية توليد تتم سنويا بهذه المصلحة. يعكس هذا الرقم وضعية الاكتظاظ في حيز جد متقلص أمام تدفق أعداد كبيرة من المرضى. حتى أن البعض يتحدث عن تقاسم مريضتين لنفس السرير في حالات كثيرة!! لكن الأخطر يتعلق بتقادم تجهيزاته ومعداته الطبية التي لا يتم تجديدها بدعوى أن هذه المصلحة ستنقل الى المستشفى الجامعي الجديد.
لكن انتظار ذلك دام أزيد من ثلاث سنوات دون أن يتحقق حتى بعد التدشين الرسمي للمؤسسة الجديدة.
عندما سألنا المرضى عن التغذية داخل ابن طفيل كانت اجاباتهم في غالب الأحيان تأففا كبيرا وامتعاظا، لكن الأفظع هو مكان إعداد الأطعمة من قبل الشركة المتعاقد معها، فالمطبخ بدوره عبارة عن قبو متسخ غارق في القذارة..
تركنا مستشفى ابن طفيل وآلام الناس ومحنهم تفيص منه حوادث وحكايات ومآسي جارحة. بعض العارفين قالوا إن هذه المؤسسة دفعت ثمن تقلص وهشاشة البنيات الصحية بمراكش التي توسعت جغرافيا وتكاثر سكانها ولم تتكاثر معها المستشفيات الإقليمية. وبعضهم الآخر قال إن حل أزمته يوجد في افتتاح كل مصالح المستشفى الجامعي الجيد للتنفيس عليه من الاكتظاظ.
ما تبقى لنا من ذكرى عنه: الوجوه العابسة المفحمة بالآلام والخيبة والشكاوي الحزينة والعيون الجافة الغائرة في بؤسها والماجور «الطريف» بالجناح (ب) من الطابق الأول من جراحة العظام الذي لم يستطع أن يفهم أن لا غربال بإمكانه أن يحجب الشمس.
كان من المفروض أن يرخي هذا الواقع وهذه الاكراهات بظلالها على السياسة المتبعة من طرف وزارة الصحة، وتعمل على تخصيص ميزانية اضافية لمجابهة هذه الاكراهات وهذه الطوارئ التي أصبحت ثابتة في مستشفى الحسن الثاني بسطات، والذي عليه أن يجابه هذا الوضع ماديا، وهو ما يؤثر على ميزانية المستشفى المرصودة، وبالتالي يجعل ميزان الخدمات مختلا في الايام العادية. |
|
|
: تعليقات
|
|
|
|
|
|
|
|
|
مقالات حول مراكش
 |
 |
|
|
 |
|
رياضة
 |
|
|
 |
|
منوعات
 |
|
|
|
مهجر
 |
|
|
|
جامعة القاضي عياض
 |
|
|
|
كتب صدرت من مراكش
 |
|
|
|
 |
|