كتبها بنمحمدعبدالرزاق
مدونة المتقاعد السككي بالمغرب
منذ زمن مضي ونحن نسمع الكثير عن مدينة مراكش وعن ساحتها الشهيرة جامع الفنا من أفواه مؤرخين وشعراء وفنانين، الذين قدموا لنا مجموعة من الشروحات الجميلة المصاغة بأسلوب أدبي وشاعري جعلونا نَحنُّ شوقا إلى زيارتها والتمتع بجمالها.كما أذكر أن مسرحيينا دأبوا علي ذكر مناقب الحلقة ودورها الكبير الذي لعبته في خلق الفرجة والاستمتاع للمواطنين قبل نشأة المسرح.
إذن كانت الحلقة هي نقطة بداية المسرح المغربي وهي التي تحدث عنها بعض النقاد المسرحيين وبعض مؤرخي المسرح المغربي، والذين يفتخرون بكونها كانت اللبنة الأولي لظهور هذا النوع من الفنون الذي تطور عبر مراحل التاريخ وأعطانا ما نسميه اليوم مسرحا احتفاليا.
لقد أجمعت كل الفعاليات الثقافية والسياحية علي أن تظل الساحات العمومية التاريخية كجامع الفنا بمراكش،و ساحة بوجلود بفاس، وساحة الهديم بمكناس، محطات تاريخية تعطي لهذه المدن وغيرها نمطها التاريخي الذي عاشته في الماضي، وإبراز دور الحلقة(كمجال) والحلايقية(كممارسين) في إعطاء صور جميلة وواقعية للسواح الأجانب (كمستفيدين)علي مدي حرص حكوماتنا المتعاقبة علي المحافظة علي تراثنا بأمانة وإخلاص وتظهر لهم مدي ارتباطنا القوي وتشبثنا بالماضي للمساهمة في جلب أكثر 10ملايين سائح في أفق سنة 2010.
في فاتح ابريل 2008 قمت بزيارة لمدينة مراكش، وتلقيت بعض النصائح من مرشدي السياحة فيها بضرورة زيارة الأماكن السياحية التاريخية التي تزخر بها عاصمة المرابطين كما هو راسخ في المخيلة وفي كتب التاريخ، وفي الواقع المعاش كمدينة أوروبية بسلوك أهلها وانسجامهم بسرعة مع القادمين الجدد في لغاتهم وسلوكهم وممارستهم الغريبة وحتى أمراضهم التي أصبحت مقبولة للجميع .
مدينة مراكش المغربية تعيش فترة مخاض ليس بالعسير، فجزء كبير من قاطنيها أعجبه التحول القادم من أوربا بسلبياته، والبعض الآخر رأي أنه من الحرام أن تترك هذه المدينة التي كانت إلي وقت قريب هادئة بهدوء أهلها تفقد عروبتها،وتمسخ معالمها وتزيف عن قصد عاداتها وتقاليد أهلها البسطاء الذين غابت عنهم الفرحة، والنكتة، والضحكة، والقصارة، والطنجية، والطقيطيقات.
أهل مراكش الشرفاء الذين أصبح صوت المال يخفي أصوات غنائهم، ويقتل البهجة التي ورثوها من أجدادهم ،بعد أن أصبح كل ما فيها معروضا للبيع، حتى الشرف والكرامة، والعرض والدين، والأدب والأخلاق والاحترام الذي افتقدته فضاءات المدينة حتى الدروب العتيقة، وأكواخ الفقراء لم تسلم من رياح التغيير المزيف الذي هب علي المدينة التي أصبح نخيلها ينتحر إحتجاجا علي فقدان المدينة الأطلسية لرونقها المغربي الصحراوي الأصيل .
هذه ساحة جامع الفنا عاصمة مراكش التاريخية،حللت بها علي الساعة 5مساء، وكان كل شيء يوحي إلي زائر فضولي مثلي على أن لاشيء بجديد هنا، ساحة حاول من خلالها مسؤولوا المدينة، إعطاء صورة درامية للفقر،واختزاله في مجموعة من الأنماط البشرية التي يمارس عليها الاستغلال الرقمي بطريقة مشروعة لحظة تواجدهم في تلك الساحة الحزينة التي فقدت بريقها رغم نفاق الكتاب والشعراء الذين باعوا بعد أن زوروا كل ماهو جميل في وطني.
ساحة تُدْمي ضمير كل من له ضمير حي، لأنها جمعت بين أسوارها خليطا من الفقراء يمارس عليه الكبار وأصحاب المشاريع الكبرى لعبة أصحاب السرك، حيث افتقدت فيه كل الحيوانات المفترسة الأسيرة، شجاعتها وقوتها، ومجدها، وماء وجهها وبقيت حبيسة لأطماع أصحاب السرك الذين تدر عليهم وجودها الشيء الكثير.كذالك هؤلاء.
ساحة جامع الفنا عنوان يختزل معاناة شعب بكامله، شباب داخل الحلقة يطلب الإعانة من المارة ورواد الحلقة وهو يرتدي ملابس نسائية، بماكياجه المتميز، ويقلدهن في رقصاتهن، وإغرائهن ،بعيون غمازة، ومؤخرات بارزة تستعطف العاشقين لها، شباب في عمر الزهور يتكدس داخل الحلقة يغني ويرقص ويتسول. شباب من كل الأعمار يستجدي الزوار، يطلب من السواح دفع ثمن الصور المأخوذة لهم، أطفال في عمر الزهور يقتلون مستقبلهم الذي يضيع داخل فضاء الحلقة الأسطوري، أولاد سيدي أحماد وموسي، راقصوا القرود، بائعوا الضيطاي، ماسحو الأحذية، شوا فات، حنايات، وسيطات بيوت للسكن، للعزاب والمتزوجين، مخبرون يقتاتون بدورهم من صدقة الزوار، ومن أريحية السياح الأجانب الذين غالبا ما يظهرون تقشفهم أمام الجميع.
كم كان شعوري غريبا أثناء تواجدي في تلك الساحة الشهيدة. وأنا أتجول في كل زواياها بحثا عن شيء جديد أدونه لكم ، ولكن وجدت أن الفقر والحاجة، وحدهما من أنهكا شغيلة جامع الفنا المنهمكين في ممارسة طقوسهم اليومية التي دفعهم إليها العوز والحرمان والإشهار المجاني للمدينة.
فأي مستقبل ينتظر هؤلاء الرموز المجهولة والذين نتلذذ في إشهاراتنا التلفزيونية اليومية علي وضعهم الاجتماعي المنحط، والذين يساهمون مع كبار وتجار البلد في خلق فرجة تاريخية للسواح وللقاطنين الأجانب؟، وهل خطر في بال وزارة السياحة، وأصحاب الفنادق أو الجمعيات التي تهتم بحقوق الإنسان والحيوان والطفولة والنساء والبيئة تنظيمهم، والمطالبة بتمتيعهم ببعض الحقوق التي هم في أمس الحاجة لها، ومنها التغطية الصحية، وضمان عيش كريم يليق بدورهم في تنمية إقتصاد أصحاب المصالح العليا في المدينة، وبسكن لائق يمنحهم شيئا من إنسانيتهم المفقودة . لشيء بسيط هو أنهم جميعا يناضلون ويكافحون من أجل مستقبل مدينة سترفض وجودهم بين جدرانها في يوم من الأيام.
|