للمراكشية : عبد الله أونين،
تحتل ساحة جامع الفنا بين معالم مراكش قصب السبق في استقبالها لعدد من الوافدين على المدينة ، إذ لا يمكن أن يخلو برنامج زائر من زوارها من الداخل والخارج من زيارة الساحة التي تعتبر لدى البعض ساحة العجائب وبعضهم يرون فيها الساحة التي لا يخرج منها الزائر جائعا، وآخرون يرون فيها ملتقى الثقافات الشعبية من السحر الاستعراضي إلى سحر المشعوذين ورجم الشوافات ومسرحا فنيا يختلط فيه الغناء الكلاسيكي بالغناء الشعبي بمختلف ألوانه ،ومعرضا للوحات فولكلورية تتشكل من غناء الروايس وعيطة الحوزي ودندنة كناوة ومن الحكي والسرد الشفهي من ازلية وعنترية وسيرة أبي زيد وعلقمة ..بالإضافة إلى أنها حلبة للألعاب البهلوانية وألاعيب الحواة ومداعبة القردة. وكثير منهم يتغنى إلى جانب ما ذكر بمطاعمها وعصائرها.
تلك هي جامع الفنا التي ظلت تقاوم أعاصير التغيرات وتقف في وجهها ، جامع الفنا التي ينافح من اجل بقائها ثلة من الغيورين الذين عملوا في الظل حتى اعترف دوليا بتراثها الشفهي من قبل اليونسكو ، وهو امر لم يكلف القائمون على الشأن المحلي الذين يعرفون أكثر من غيرهم ما تلعبه تلك الساحة في دوران عجلة السياحة ، أنفسهم المحافظة على اليافطة التي نصبت بمناسبة إعلان الساحة كمجمع للتراث الشفهي حيث لم يمر على بقائها سوى أشهر معدودة لتختفي و قد يكون لاختفائها تفسيرات كثيرة، لكن ما يكاد المتتبعون يتفقون عليه أن الاعتراف بالساحة وحده لم يكف من بادروا إلى إقصاء جمعية شيوخ الحلقة وتأسيس جمعية أريد لها أن تكون بديلة ووجهت بمعارضة كبيرة لأنها حسب العارفين بأمور الساحة جاءت تضم أناسا بعضهم لا يعرف حتى موقعها وما يحيط بها من أحياء ، فبالأحرى تاريخها ورواد شيوخها والمشاكل التي يعانون منها .
ومن المشاكل التي يعاني منها الحلايقية استمرار التضييق عليهم فبعد أن تحول نصفها إلى مربعات تقام فوقها المطاعم ، وبعد أن تمت منطقتها بحزام عربات بيع عصير الليمون التي تحول بعضها إلى عربات لبيع الأشرطة و الأقراص الغنائية التي يتعمد باعتها التشويش على فرقة الحوزي والحكواتيين برفع حجم مكبرات صوت قارئات الأشرطة والأقراص وهو ما يؤثر سلبا عليهم ويحرمهم من كسب ما يغطون به مصاريف عيشهم . ويشتكي رواد شيوخ الحلقة بالساحة من إقحام أسماء ضمن لائحة الحلايقية يستفيدون من منحة تضاربت الأقوال حول مبلغها. مثلما تضاربت التأويلات والتفسيرات حول طريقة صرفها وأحقية من استفاد منها في تلك المنحة،
ولئن كان رواد الحلايقية و المتتبعون لنشاط الساحة قد استبشروا ببعض الإجراءات التي عرفتها من تبليط ومن منع دخول السيارات إليها منذ فترة الزوال إلى الليل ،فإن ما كان المعول عليه من فسح المجال أمام الحلقات للخروج من عنق الزجاجة التي وضعت فيه بفعل تناسل المطاعم وعربات الليمون وعربات أخرى وصل مبلغ مفاتيحها ما يزيد عن 150.000 درهم، لم يتحقق حيث إن دائرة الساحة بقيت كما كانت عليه.
على مستوى آخر بقيت بعض التطلعات التي كان يؤمل تحقيقها لضمان مدخول يومي لرواد الحلقة الذين منهم من أصبح عاجزا عن الظفر بعشرين درهما في اليوم ، بعيدة المنال، ومن تلك التطلعات فتح صندوق يساهم فيه فاعلون سياحيون من منطلق أن الحلقة تمثل دعامة كبيرة لاستقطاب السياح ومن تم فإن مساهمة أولئك الفاعلين ستقلص من حدة المشاكل المادية لشيوخ الحلقة الذين منهم من مات وفي نفسه غصة مما لحقه وزملاءه من الإقصاء والإهمال وكانت ميتتهم في ظروف أكثر من مزرية، كما ستضمن ديدبان بقاء الحلقة.
و يرى بعض الحلايقية الذين أصبحوا يتحاشون ذكر أسمائهم حتى لا يتعرضوا للإقصاء من المنحة التي يخصصها المجلس ، بأن تلك المنحة ينبغي لها ان تغني الحلايقي عن السؤال لا أن تجعله معوزا تتحكم فيه أمور بعيدة عن المرمى الاجتماعي الذي يتوجب ان تصب فيه . فهل يعقل يقول احد الحلايقية أن نصدق بأن عددهم يفوق الثمانين ونحن نرى بأن هذا العدد لا يمكن ان تستوعبه الساحة بأكملها فكيف بها ذلك ونصفها فوت لتجارة تذر الملايين التي لا يعود منها نفع على من يجلبون زبناء تلك التجارة ،و كيف يعقل ذلك وعدد الحلقات يكاد يحصى على رؤوس الأصابع ونحفظ وجوه أصحابها؟ فمن أين دخلت أسماء إلى لائحة الحلايقية ؟ وهل المنحة التي تخصص من قبل صندوق الجماعة تبيح ان يستفيد منها حلايقية من مدن أخرى ينبغي لمجالسها أن تكون كفيلة بتولي شؤونهم ؟
أمور ومشاكل تعج بها الساحة التي اغتنى من ورائها أناس كثير منهم لا علاقة لهم بها، في الوقت الذي يغرق في العوز وشدة الحاجة والحرمان والغبن من أفنوا عمرهم في خلق البسمة على الوجوه ، وكشف الغم والهم على المحتاج إلى تسلية وترفيه. أمور لا يعتقد بأنها ستحل في إطار البهرجة وتسخير الساحة عند الحاجة لأمور تضمن البقاء على رأس هرم يفتح الباب للتجنس بجنسية تضمن حصانة مما قد تأتي به الأيام، أمور آن الأوان لأن تنخرط في حلها جهات تعي ما تلعبه تلك الساحة من دور يشد ألباب الملايين من الزائرين الذين ما إن يبرحونها قافلين إلى من حيث قد أتوا حتى يشدهم الحنين إليها وإلى سحرها الذي لم تستطع أقلام المفتونين بها ان تفك طلاسمه ولا. أن تصل إلى أسراره .
ومع كل ما يعاني منه شيوخها وما يتهددها من أمور ، ستبقى ساحة جامع الفنا، ساحة الهنا وساحة الربح الذي نتمنى أن ان يجد طريقه إلى الشيوخ و ألا يظل ضالا طريقه واصلا إلى جيوب متطفلة.
تلك أماني يرجو كل متلهف مفتون بالساحة التي ملكت كل القلوب، أن تتحقق حتى يصرف عنها كل تطلع نابع من نوايا غير صادقة أو غرض في نفس يعقوب
|