بوابة العالم على مراكش والمغرب
جريدة يومية إلـكترونية إخـبارية  

excursions maroc

 مواعيد

خدمات 

الطقس
برامج التلفزة
مواقيت الصلاة
أسعار العملات
مواعيد الطائرة
مواعيد القطار

 المنتدى - Forum 

 

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم،اذا أردت التسجيل في منتدى المراكشية قم بالضغط هنا ، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب فيه

 

 إستفتاءات  

........
.
.

النتائج

 بريد الاخبار  

ابقوا على اطلاع بآخر المستجدات من خلال اشتراكم في بريد الأخبار


   

روبورتاج: نهر كاينو بقلعة السراغنة الذي أحيى الموتى

 

 

روبورتاج:  نور الدين بازين.

 

   قلعة السراغنة.  مساء إثنين. فصل الشتاء. لا أحد يعطش، سوى الموتى. مطر يشتد، يهطل على الأرصفة، على الدواوير، على القبعات، لا يني يتصاعد، المجارير تعلن أنها اكتفت، البيوت الطنية في الدواوير القصية، ترسل أدمعها الطنية قبل أن تستغرق في النحيب كأرامل الجنود. وقطرة فقطرة تغرق المدينة. سلسلة الجبيلات تبعث رسائلها المائية المدمرة، وكأنما لتقول أن الماء، موجد كل شيء حي، هو أيضا مغرق كل شيء حي. بعد نصف ساعة من الهطول كان علو المياه قد بلغ مترا ونصف.

   نهر كاينو، معبر المياه الوحيد، من تساوت العليا إلى تساوت السفلى، حيث تربض قلعة السراغنة غارقة في ظلال الزيتون، حيث الجذور التي عما قريب ستعرف طعم الغرق، تكاد تصيح مع عبيدات الرمى، معيدة إلى الهواء صيحات الصيادين الموتى. المقبرة الإسلامية سيدي صالح غرقت عن أخرها حتى أن عظام الموتى عادت إلى العوم، بأزند عارية لعل بعضها كان يعلو ويهبط بتلك المقصات الرنانة، التي تمجد الصيد. ولكن هل مازال ثمة من صيد.

الموتى غرقوا من جديد. أسعفهم الماء ولم يسعفهم الرقص.

الموتى ينعمون بالماء، فيما الأحياء يعاندون لكي يواصلوا الحياة.

    (حسبي عبد الإله)، أستاذ وابن المنطقة، يحكي عن نهر كاينو الغاضب:" الفيضان كان يضرب المدينة منذ أعوام خلت، ورغم أن السلطات حاولت أن تعيد بناية القنطرة وتوسيعها لتتحكم في منسوب المياه التي تغرق نهر كاينو، وعملت على هدم القنطرة التي خلفها الإستعمار، إلا أنه وكلما ضربت الإقليم رعدة مطرية، تسببت في عواصف وفيضانات تخرج عن سيطرت القنطرة والواد، لتكتسح مياهه المدينة وتخلق أضرارا بليغة بالسكان وممتلكاتهم".

 الفضول قاد القلعاويين إلى المقبرة. لقد اختلطت العظام وتعانق الموتى في الفيضان، أكيد أن هذا مثير لشهوة الأحياء، لكن أحدا منا لا يعرف كيف يشعر الموتى؛ عظام من دون (مايوهات) تسبح، جثث في الغرق، وعيون مشدوهة على النواصي، الجميع يتساءلون:" كيف اللذين واريناهم يصعدون، وعظامهم التي خبرت الدود والصمت الكبير، أي سر عظيم دعاها لكي تستسلم للمطر المغرق". الأحياء يتساءلون، والموتى أوتوا فرصة جديدة للماء.

 هبت المشعوذات، بنفس الخطوات السريعة والبطيئة في آن. لا أحد يعرف لماذا، لكنهن، (المكسكسات) بأيدي الموتى، من فقدن أحلامهن جراء التفكير الدائم بالقبور، يعرفن أنهن سيحصلن في نهايات الطوفان على تعويذة.

يحكي (محمد. ب)   إعلامي من المنطقة، ويقول:" بعد أن علم الناس بخبر اكتساح الماء للمقبرة، وبعثرته لعظام الموتى، حجوا بكثرة وخصوصا النساء، و راج سرا بين المواطنين أن هناك مشعوذات كن من بين اللواتي حججن للمقبرة". مضيفا أن هذه الأخيرة " تعاني من عدم توفرها على سور يحميها من الأخطار، واحتراما لقداسة الموتى، كما أنها توجد بمنحدر يسهل انصباب الماء إليها لقربها من الصبيب المائي للواد، كما أن العظام التي طفت خلقت ارتباكا في نفسية المواطنين و دفعت الكثير منهم إلى استنكارهم القوي لعدم حماية الموتى في قبورهم".

 

  المياه غمرت الأحياء القديمة من بينها جنان بكار وأحياء سويكية الغابية الواقعتين قرب واد كاينو و أحياء الزاوية والملاح والعوينة والقدس والحي الإداري 2، كما قطعت الطريق بالعديد من مداخل ومخارج منطقتي أزيلال والحوز، ولأشجار الزيتون كان ثمة حظ وافر من الغرق، شأنها شأن الماشية التي جرفتها المياه، إذ راحت أرواحها الثغاءة تسبح في الماء ذاته إلى جانب من كانوا ذات يوم أحياء مثلنا قبل أن تضمهم تلك القبور التي لم تفكر يوما أن الأرض ستتقيأ عظامها بكل تلك السهولة.

بالنسبة لسكان قلعة السراغنة فإن الفرصة كانت مواتية جدا للتأمل في جوهر الوجود، فلاشيء باق، وكما الهواء يعصف بالرحيق كذلك الماء يعصف، ربما أمكنت الثقة بشعاعات الشمس، أما الكهرباء فقد انقطع، وعم الظلام.سكان قلعة السراغنة كانوا يبحثون عن ملامحهم في نداءاتهم بعضهم لبعض، وكانت فرصة مواتية كي يؤمن كل من في المدينة بالصباح، الوحيد الذي لا ينقطع نوره، والذي منذ الأزل ما يزال مواظبا على فجره وغيابه. أنا واثق أن لا أحد فكر بالأمر مثلما كتبت. لكنما الكثيرون شعروا أكثر بكثير مما أشعر.

المياه اجتاحت وحدتين صناعتين و انقطعت حركة السير عند المدار الحضري القريب من الحي الصناعي، حي المرس غمرته المياه كليا، خصوصا تلك المباني الطينية البسيطة التي سلمت من خسائر الأرواح بفضل عناية مجهولة، وفي دوار أولاد رغاي جرف المياه العديدة من قطعان الماعز والأغنام، مثلما أتلفت محاصيل زراعية، المسافرون لم يسلموا بدورهم من غضب المياه، فلقد انقطعت حركة السير لما يزيد عن الساعات الثلاث على الطريق الذي يربط القلعة بابن جرير، والأقدار البليلة شاءت أن تنقلب سيارة تقل أجانب بين واد تساوت والقلعة، كم المياه حاصرت دوار نزالة التابع لجماعة أولاد الكرن.

في لحظة من اللحظات، فكرت ليتني العظام التي تسبح في دياك الماء، قلت يا ليتني الحي الذي ينجو، قلت يا ليتني الزيتون الذي لم يغرق، قلت الغرق شيء وقلعة السراغنة شيء آخر. ولكن ما حدث حدث. من يتحمل المسؤولية؟

 

  رغم كل ما حكيناه عن موت الأحياء وعودة الموتى إلى الحياة، فإن السلطات المحلية كانت بحاجة إلى يومين كاملين لتلتفت إلى الكارثة، كأنها، السلطات، ليست من الموتى ولا من الأحياء. لعل الفيضان كان اكبر من توقع كتابة الدولة في الماء وعمالة الإقليم والمصالح الخارجية كمديرية الفلاحة بالإقليم والوقاية المدنية التي أشارت إلى إمكانيات الموضوعة رهن إشارتها و التي لا تستجيب لطلبات المناطق المتضررة.

   لو أننا كنا نعيش زمن ما قبل التاريخ لكان من المقبول أن يغرق أحياؤنا وموتانا في الفيضانات المباغتة، أما وأننا نعيش بدايات القرن الواحد والعشرين فإن غرقا كهذا الذي عرفته قلعة السراغنة،لا يعني إلا أننا نعيش الزمن المتناقض، حيث بالإمكان بعث رسائل SMS    وامتلاك ما يكفي من العلب الإلكترونية، وارتداء ما يجد من سراويل الجينز، دون أن نجد مقبرة تحمي رفاتنا من الفيضانات المباغتة، إنه الزمن المغربي حسب الساعة الواحدة والعشرين.

 


: تعليقات       

: الإسم الكامل

: البريد الإلكتروني

: التعليق

 

 مقالات حول مراكش 

 رياضة 

منوعات 

مهجر 

جامعة القاضي عياض 

كتب صدرت من مراكش 

 
Email : info@almarrakchia.net  All rights reserved © 2005- موقع المراكشية - جميع الحقوق محفوظة 2008