ذ. حمادي الطاهري :رئيس جمعية بلادي المغرب
Email : tahirihamadi@yahoo.fr
يخلد العالم العربي في 8 يناير من كل سنة، بمؤسساته المدنية والحكومية، اليوم العربي لمحو الأمية، وذلك منذ أن إعتمدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم" أليسكو" هذا اليوم في دورتها الثانية عام 1970، وهو اليوم نفسه الذي يصادف تاريخ موافقة مجلس الدول العربية، على إنشاء الجهاز العربي لمحو الأمية وتعليم الكبار عام 1966.
وهي مناسبة لتقييم الجهود والإنجازات التي تم تحقيقها في مجال محو الأمية والبحث في سبل القضاء على هذه الظاهرة، لما تشكله من تحد خطير يواجه كل المشاريع التنموية بالوطن العربي.
ورغم الجهود المدنية والحكومية المبذولة، فإن ظاهرة الأمية ما زالت جد متفشية في المجتمعات العربية، وما زالت تشكل عرقلة حقيقية في وجه كل المخططات التنموية، فهي تمس الإنسان وسيلة التنمية وغايتها في آن واحد، كما أن محاربة "الفقر المادي" يقتضي أولا وقبل كل شيء محاربة "الفقر المعرفي"، لما تشكله المعرفة من أهمية في إكتساب المهارات وتطوير القدرات والكفاءات العلمية .
إن من أبرز مظاهر وسمات المجتمعات المتخلفة كما هو متعارف عليه عالميا هو تفشي: الجهل والفقر والمرض وهي مشاكل مرتبطة ومتداخلة يغذي بعضها البعض .
ولعله من العيب والعـار أن تبقى أمتنا العربية " أمة إقرأ" صاحبة الحضارة العلمية الخالدة ـ وبالرغم من مرور عقود على إستقلالها السياسي ـ غارقة في خوض غمار هذه المشكلة الإجتماعية إذ يقــدر عدد الأميين بـ : 70 مليون أمي أي ما يعادل 35% من إجمالي عدد السكان في الوطن العربي الذي يقدر بـ : 300 مليون نسمة .
ويحتل المغرب مرتبة جد متقدمة ضمن لا ئحة الدول التي تتواجد بها أكبر نسبة للأمية بنسبة :43% حسب إحصائيات 2004 ، إلى جانب مصر،الجزائر،اليمن،السودان وموريطانيا، إذ تمس آفة الأمية ما يناهز 9.97 مليون شخصا من مجموع 21.3 مليونا يبلغ سنهم أقل من 10 سنوات، في حين تبلغ نسبة الأمية بكل من قطر 13.6% ، الأردن13%، الكويت11% الإمارات7%.
وضمن البحث في أسباب تفشي ظاهرة الأمية بالمغرب، تبرز بقوة مشكلة مرتبطة بعجز الدولة عن إتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تعميم التعليم وإلزاميته، بالإضافة إلى إنتعاش ظاهرة أخرى تتعلق بالإنقطاع المدرسي، ويشكل هذان السببان المنبع الأساسي والمركزي المغذي لظاهرة الأمية بالمغرب، وذلك بالإضافة إلى مشكلة النمو الديمغرافي وتدني المستوى المعيشي وإنخفاض مستوى الدخل الفردي.
ويتوفر المغرب على أكبر نسبة للانقطاع المدرسي حسب بعض الدراسات والأبحاث التي قامت بها منظمة اليونسكو سنة 2004، فهو على قائمة الدول العربية في المجال، كما يحتل المرتبة الثانية على مستوى المغرب العربي بعد موريطانيا، وذلك بنسبة تصل في مجموع المرحلة الإبتدائية إلى 3.95% وإلى نسبة 6.26% في مجموع التعليم الإعدادي والثانوي أي ما يناهز 200.000 تلميذ يغادرون المدرسة سنويا لينضافوا إلى الأعداد الهائلة من الأميين .
وبالإضافة إلى التكلفة الأساسية للإنقطاع المدرسي، والمتمثلة في الرفع التلقائي والسنوي لنسبة الأمية بالمجتمع المغربي، بما تتطلبه هذه الآفة من جهود وطاقات، فإن هناك التكلفة المادية والاقتصادية أيضا، فمشكلة الإنقطاع المدرسي وعدم التمدرس، يفوتان على البلاد فرصة رفع قيمة الإنتاج الداخلي بما قدره 1% كل سنة، كما أن الميزانية المرصودة من قبل الدولة والأسرة وفعاليات المجتمع المدني لتمدرس الأطفال، تضيع في حالة مغادرتهم المدرسة، ناهيك على كون ظاهرة الانقطاع المدرسي تؤدي حتما إلى الانحراف والتهميش والإقصاء والاستغلال في سوق الشغل .
إن البحث في السبل الكفيلة للوقاية من ظاهرة الانقطاع المدرسي، خاصة في العالم القروي، والعمل بجدية على تحديد برنامج عملي وواقعي لتعميم التمدرس، مع العمل على إعادة الإدماج التعليمي والتكويني للتلاميذ الذين غادروا المدرسة، يعتبر ضمن الأولويات الأساسية للحد من المنابع المغذية لظاهرة الأمية ببلادنا.
|