- الرباط : توفبق بخوت
"يوما عن يوم ، يعرف عالم الألفية الجديدة تفاقم الأزمات الاقتصادية و تضخم العجز المالي العمومي ، انفتاح الأسواق وانعكاسات العولمة، مما استدعى إعادة النظر في دور الدولة و إعادة مساءلة القيم الاقتصادية الرأسمالية بمعظم دول العالم تقريبا.
و بالفعل، فالدولة لوحدها باتت عاجزة اليوم، أكثر فأكثر، عن مواجهة التحديات المطروحة في تفاقم البطالة ، و الأشكال الجديدة للفقر، و تدهور البيئة إلخ... هذه الوضعية شجعت ظهور قطاع ثالث ينضاف إلى الدولة و القطاع الخاص، و يحاول تقديم مساهمة و حل آخرين لمعالجة المشاكل الاجتماعية المتعددة ، و ذلك بوضع الإنسان في قلب سيرورة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
هذا القطاع الثالث الجديد /القديم المختصر باسم الاقتصاد الاجتماعي، والواقع تحت تأثير مسميات أخرى حسب السياسات و التوجهات الاقتصادية المتبناة، كان محط نقاش و تفكير عميقين مؤخرا،في ندوة الرباط تحت عنوان : الاقتصاد الاجتماعي بالمغرب، بمشاركة ثلة من الأساتذة و الباحثين المغاربة و الإسبان، و تنظيم مشترك بين مكتب تنمية التعاون ODCO و الاتحاد الوطني للتعاونيات الفلاحية المغربية UNCAM، و الكونفدرالية الإسبانية لمقاولات الاقتصاد الاجتماعيCEPES ،و تمويل من الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي.
مداخلات و نقاشات الندوة المذكورة تراوحت بين تعريف و تحديد مصطلح الاقتصاد الاجتماعي الواسع، بين الواقع و الإكراهات، بين الرهانات و الآفاق، بين التجربة المغربية و التجربة الإسبانية الأوروبية، بين العمل المحلي و توسيع آفاق التعاون العربي و الدولي في التكوين و التأطير و تبادل الخبرات.
هكذا عرفت مراسيم افتتاح الندوة حضور ممثل كاتب الدولة للشئون العامة نزار بركة، وتأكيده على انخراط الدولة بشكل قوي في تعزيز العمل التعاوني و التضامني. و إشارات قوية من كارمن كومو طوفار مديرة الكونفدرالية الإسبانية لمقاولات الاقتصاد الاجتماعي تؤكد العزم على خلق شبكة أورو-متوسطية لفاعلي الاقتصاد الاجتماعي، نحو إرساء دعائم اقتصاد بديل يعالج الأولويات الاجتماعية و يؤسس لمبادئ تجارة عادلة أمام اكتساح شامل لمفاهيم رأسمالية متوحشة، تغير أساليبها باستمرار و تكرس المزيد من الهوة بين الأغنياء و الفقراء. و بما أن المغرب بلد متوسطي عربي له تقاليد راسخة في العمل التعاوني فقد اختير لاحتضان ملتقى 2008للاقتصاد الاجتماعي..".
الاقتصاد الاجتماعي مفهوم واسع و غامض يجمع مصطلحين شموليين ...
حسب الأستاذ الباحث التهامي عبد الخالق المحاضر تحت عنوان : "الاقتصاد الاجتماعي بالمغرب : واقع وآفاق مستقبلية" ، فإن مصطلح الاقتصاد الاجتماعي مصطلح غامض بعض الشيء من حيث أنه يجمع بين مفهومين واسعين : اقتصاد و اجتماع. و يحيل على مجموع الأنشطة التعاونية و التضامنية ذات السياق الاقتصادي و الاجتماعي في وقتنا الراهن. مستعرضا مختلف التعاريف و التحديدات المتبناة على هامش المؤتمرات و الملتقيات الدواية للتضامن و الاقتصاد الاجتماعي. إذ حدد الملتقى الدولي الثاني لنشر التضامن بالكيبك في أكتوبر سنة 2001 ، الاقتصاد الاجتماعي ك: " مجموع المبادرات الاقتصادية ذات هدف اجتماعي ، تساهم في إنشاء طريقة عيش و تفكير اقتصادي جديدين ، عبر عشرات الآلاف من المشاريع في بلدان الشمال كما الجنوب... و التضامن في الاقتصاد يعتمد مشروعا هو في نفس الوقت اقتصادي ، سياسي و اجتماعي، تنتج عنه وضعية جديدة لممارسة السياسة و إقامة علاقات إنسانية على قاعدة من التوافق و التصرف كمواطن فعلي."
أما هيئة فالون للاقتصاد الاجتماعي ببلجيكا فقد اعتمدت التحديد التالي: "الاقتصاد الاجتماعي يجمع الأنشطة الاقتصادية الممارسة من طرف شركات ،و بصفة رئيسية التعاونيات ، التعاضديات و الجمعيات ، حيث تتميز مبادئها بتوجه أهدافها لخدمة الفرد و الأعضاء أو الجماعة بدلا عن الربح ، و استقلالية التسيير ، و تدرج القرار الديمقراطي و أسبقية الأفراد و العمل على رأس المال في تقسيم العائدات."
بينما يعرف الاقتصاد الاجتماعي في المغرب ، على أساس التصور الذي و ضعته إدارة التخطيط في فعاليات لقاء منظم سنة 1987 ، و هو: " الإشارة إلى أنشطة اقتصادية هدفها الاستجابة للحاجيات الاجتماعية للجماعة. هذه الأنشطة تمارس ضمن ثلاثة أنواع من التنظيم ، و هي : التعاونيات ، الجمعيات و التعاضديات."
في حين نجد أن مصطلح الاقتصاد الاجتماعي يتخذ شكل مسميات عدة ، بدءا من المصطلح الأول المتخذ من طرف الاتحاد الأوروبي و دول حوض البحر الأبيض المتوسط. و مرورا بمصطلحات "المنظمات غير الربحية Non Profit organisations" بالولايات المتحدة الأمريكية ، و "القطاع التطوعي Volantary Sector" بإنجلترا.و انتهاء بتسميات " الاقتصاد التضامني" و "الاقتصاد الشعبي" و "اقتصاد التنمية الجماعية " بأمريكا اللاتينية ، وذلك حسب مداخلة الأستاذ عبد الحق أكلا تحت عنوان : الاقتصاد الاجتماعي بالمغرب (إنجازات و إكراهات). هذه التسميات و إن اختلفت مضامينها
و توجهاتها ، إلا أنها تحيل على كل التعاونيات المهنية و الفلاحية و الحرفية و الإنتاجية الغذائية و الصناعية ، و جمعيات المهنيين و أرباب الحرف و الموظفين و غيرهم ، و كذا تعاضديات التأمين المهني و الصحي و التقاعد.
بين البرامج و التطبيق: مساندة رسمية غير مكتملة، ثغرات تنظيمية و تشريعية ، آفاق واعدة...
إن مبادرات الاقتصاد الاجتماعي في عالمنا العربي عموما ، و في المغرب خصوصا ، ممارسة متأصلة لكنها لم تستوعب بعد كل عوامل نجاحها. هذه المبادرات التي تحترم المبادئ العامة لهذا النوع الاجتماعي من الاقتصاد لا تؤرخ بالحاضر،فثقافة التضامن و التعاون والعمل الجماعي ذات المرجعية الدينية و القبلية ، شكلت على الدوام جزءا من تقاليدنا المرعية.
أما المؤسسات التعاونية و التعاضدية بشكلها الحالي ، فيعود أول ظهور لها بالمغرب إلى فترة الحماية الفرنسية سنة 1919، تاريخ ظهور أول التعاضديات الخاصة بالموظفين. فيما تميزت سنة 1930 بتأسيس أول التعاونيات الفلاحية.
و يمكن أن نستدل أيضا في هذا المجال بظهير الحريات العامة لسنة 1958، الذي يعرف الجمعيات ب "اتفاق طرفين أو أكثر على أن يضعوا معارفهم و أنشطتهم بصفة دائمة لهدف غير ربحي".
كما يمكن الاستدلال ب قانون 24/83 ، كقانون عام للتعاونيات ، و ظهير 1-57-187 بمثابة قانون منظم للتعاضديات . فالأولى تؤسس على أسس تجمع أشخاص ذاتيين ، يتفقون على إنشاء مقاولة أو شركة ، مهمتها تقديم منتوج أو خدمة ، تعود عليهم بالمنفعة العامة. و ذلك لتحسين وضعيتهم السوسيو اقتصادية و تشجيع روح العمل التعاوني لأعضائها ، تخفيض كلفة الإنتاج و البيع لفائدة أعضائها، تحسين جودة المنتوجات أو الخدمات المقدمة للأعضاء أو المستهلكين سواء، تطوير وإعطاء قيمة لمنتوج أعضاء التعاونية.
أما الثانية (التعاضديات) فتعرف على أنها تجمعات غير ذات هدف ربحي ، و التي تقوم بعمل احتياطي تأميني بواسطة تغطية كلفة كافة الأخطار التي يمكن أن تصيب الأفراد المنخرطين ، حيث يدفعون لذلك اشتراكات شهرية تقتطع مباشرة أو بصفة غير مباشرة من رواتبهم. و لهذا فالتعاونيات تتميز بمبدأين عامين: التضامن بين الأعضاء و الصفة غير الربحية.
فقد اختصت منذ استقلال المغرب إلى غاية حقبة الثمانينيات في أنشطة الثقافة و الشباب و التنشيط و الرياضة و أعمال البر. أما الرحلة الثانية التي تمتد إلى يومنا هذا ، فقد تميزت بنمو ملحوظ في عدد الجمعيات التي تهتم بالتنمية على الصعيد المحلي، و هو ما يفسر بتزايد معدل الفقر و التهميش الاجتماعي ، تفاقم البطالة و تضاعف الفوارق الجهوية (مناطق غنية و أخرى فقيرة).
إلا أن هذه البنيات الاجتماعية التضامنية ، و رغم نشاطاتها الملحوظة و الجهود المبذولة ، تعاني من عدم إشعاعها الإعلامي
و معرفة الرأي العام لمجالات أنشطتها. إذ أن بنياتها و مجالات تدخلاتها و إنجازاتها تبقى في كثير من الأحيان غير معروفة
و عرضة للخلط و الأفكار المسبقة ، أو غير مكترث بها أصلا إلا لذى فئات معينة من الممارسين لأنشطتها أو الدارسين و الباحثين ، و ذوي علاقات عمل معها.
كما أنها تعاني من مشاركة ضعيفة للجامعات في مجال التكوين و البحث الذي يخص ميادين أنشطتها . و إيجاد حلول للقيود المالية المفروضة عليها، و تفاقم مشكل الضرائب عليها، و الحصول على التجهيزات ، و إيجاد أرضية مشتركة بين الوزارات الوصية التي تتولى الإشراف أو الترخيص لها. و إصلاح الإطار القانوني ليصبح أكثر ملائمة لمتطلبات العصر ، و تأهيل الكوادر التعاونية و التضامنية ، و تكثيف الدورات التدريبية و اللقاءات الجهوية و الدولية و تبادل الخبرات. ووضع آليات قانونية للحد من المنافسة غير الشريفة من جانب المؤسسات الربحية الموازية، و إقرار نصوص التجارة العادلة. و أخيرا انخراط الجانب الرسمي في دعم الاقتصاد الاجتماعي بقوة بما أنه يتوافق و توجهات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية . حتى الجانب الدولي بمنظماته الدولية مستعد لتقديم الدعم المادي و الفني لتشجيع مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي ، لما لهذه المؤسسات من دور فعال قادم في مجال التنمية و إقرار نوع من التوازن بين توجه رأسمالي شرس و توجه اجتماعي ، اقتصادي أخلاقي.
الاقتصاد الاجتماعي بالمغرب: أرقام و دلالات...
حسب مكتب تنمية التعاون (ODCO)، فالنسيج التعاوني المغربي يتألف من حوالي 5000 تعاونية ، تشمل كافة قطاعات الأنشطة. و حيث % 93 من التعاونيات تتركز في ثلاث قطاعات: الزراعة، السكن و الصناعة التقليدية. و يهيمن القطاع الفلاحي فيها على% 62 لوحده. بينما تتقاسم السكنى و الصناعة التقليدية حصة أقل أهمية ب % 20 و% 11 على التوالي.
و من بين 3359 تعاونية نشيطة، نجد 865 فقط، هي التي صرحت برقم أعمالها برسم سنة 2002. هذه التعاونيات تضم رقم أعمال سنوي يبلغ 6.8 مليار درهم. في حين صرحت 1210 تعاونية برقم الأطر و اليد العاملة المشتغلة لديها في كافة الأصناف: مرسم و مؤقت و منخرط عامل، برسم سنة 2002. حيث أمنت التعاونيات 15 ألف منصب شغل، منها 9930 تتوفر على الترسيم. و هو ما يخلق ديناميكية تشغيل و مكافحة للبطالة، إلى جانب الدولة و القطاع الخاص، إلا أنها تبقى قاصرة من ناحية تطوير كوادرها و أدواتها و ميادين أشغالها. و لعل هيمنة قطاع الفلاحة المرتبط في أغلبيته بالتغيرات المناخية يدل على ذلك، إذ أن قطاعات أخرى منتجة تتصدر لوائح الدول المتقدمة : كقطاع الخدمات و التجارة.
وتتوزع قطاعات عمل التعاونيات : الفلاحة و السكنى و الصناعة التقليدية و الاستغلال الغابوي و الصيد البحري و النقل
و غيرها. منها الفلاحية التي تعتمد جمع و تسويق الحليب ب %36 من مجموع التعاونيات الفلاحية، و تربية الدواجن ب %22، فيما يتوزع الباقي على تعاونيات استعمال (آلات الفلاحة و السقي و استخراج زيت "الأركان" و غيرها... فيما تختص الصناعة التقليدية بالملابس و الزرابي ب %14 ، و قطاع البناء و الأشغال الكبرى و الخشب و التجارة ب %8 إلى غير ذلك من الأنشطة.
|