بممر
سيدي اسحاق في قلب مدينة مراكش العتيقة يصطف طابور طويل من النساء
يفترشن الأرض ويضعن أمامهن حبات قليلة من الخضر أو الفواكه يقضين
النهار بكامله في انتظار زبنائهن. بعضهن يصطحب طفلا صغيرا أو طفلة لا
يتعلق الامر هنا بمتسولات، ولكن بتاجرات من نوع خاص عملهن اليومي بيع
الخضر بالتقسيط.
تقول
إحداهن: " نبيع الخضر بـ "العرام" رأس المال الواحدة منا لا يتجاوز
15 درهما، ومع ذلك نعيش منها ونعيل أسرنا" لا تستوجب هذه التجارة
محلات كبيرة ولا رساميل ضخمة وبالتالي فهي لا تتضمن مداخيل وأرباحا
كبيرة، هي شكل من أشكال مقاومة البؤس وضمان القوت اليومي بما يحفظ
الكرامة في الحدود الدنيا.
"الوقت صعيبة..... تقول هذه السيدة وزوجي "طالب معاشو" (صاحب عربة
يدوية) يتحول طيلة يوم إلى عربة تحمل أثقال الناس، وهو نفس الآن يحمل
ثقلا أكبر للتعاون معي في التغلب على أعباء الحياة.. قد حصل في اليوم
على عشرة دراهم وهي قليلة طبعا، لكنها مفيدة في مصاريف البيت".
سألناها عن مقتنياتها من المواد الغدائية اليومية اللازمة للعيش
.واحد من الزيت قد يمثل ضعف مدخولها فكيف إذن نؤمن حاجياتها؟ فأجابت:
"نشتري موادنا بالتقسيط فنشتري مثلا 50 فرنكا من الزيت من عند البقال
كذلك الأمر بالنسبة للسكر والشاي والمواد اللازمة لإعداد الطعام".
تمثل
الدكاكين الصغيرة المبثوثة في أحياء ودروب المدينة القديمة المجال
الملائم لاستيعاب حاجيات هذه الفئة من البسطاء ذوي الدخل الضعيف،
فعالم الأسواق الكبرى التي بدأت تتكاثر بالمدينة كمرجان واسيما
وأسواق السلام تمثل عالما مفارقا بعيد المنال لأنهم يعيشون حياة
بالتقسيط كل شيء فيه للترويج في أدق جزئياته فعوض كيلوغرامات اللحم
هناك دراهم معدودة لقياسها وبدل ليترات الزيت تكفي سنتيمات لدهن آنية
الطبخ. أما السكن، فالغرف المنفردة التي تكتري بالدور القديمة سترت
عورات الكثيرين منهم ولو ضاقت بهم جدرانها. هناك حالات تضاهي بائعات
الخضر كالمعروفين بأصحاب "الپياسات" الذين ينتشرون في الأسواق وبعض
الممرات كسوق الجلد مثلا قرب حي سيدي عبد العزيز التباع أو سوق
الخميس والذين يضعون أمامهم دبابيز قديمة وأشرطة كاسيط مستعملة
للحاجة الحمداوية أو الحسين السلاوي أو صورة عتيقة لجواهير
لاَلاَنِهرو أو جمال عبد الناصر أو نسخة رثة من كتاب قديم كدليل
الخيرات أو نوادر جحا أو الرحلة المراكشية.
عزوز
الموظف البسيط بإحدى المقاطعات ينطوي دائما في زاوية من زوايا احدى
المقاهي بالمدينة وامامه قهوة سوداء تحس انه يحمل هم هذا الكون
بكامله ينتظر بائع السجائر بالتقسيط ليشتري لفافة من التبغ الاسود.
قلنا له لماذا تفضل كل ماهو أسود فأنت في ركن مظلم من المقهى وتشرب
قهوة سوداء وتدخن التبغ الاسود؟ وقال بروح المستهزئ من وضعه "دريهمات
الوظيفة يجب ان تنفق بين الكراء والماء والكهرباء ومصاريف الابناء
والزوجة والاب والام والاخوات والاخوان وحللوا انتم هذه المعادلة".
قد
لا يكون خالد أحسن حالا من عزوز فهو يشتغل كعون بإحدى المؤسسات
التابعة للدولة ودخله الشهري لا يتجاوز 200 دولار، أسرته الصغيرة
تتكون من ثلاثة ابناء اضافة إلى الزوجة ومن حسن حظه ان والده يملك
سكنا يقيم معه فيه ويعفيه من لعنة الكراء والرهن لكنه رغم ذلك في
ضائقة دائمة.
الكريدي
هو كلمة السر التي تفك لغز تدبير الحاجيات والمطالب اليومية لعيش
أسرته. في كل شهر يقول: "افترض كل المواد الغذائية من عند البقال
ليكون السداد في نهاية الشهر. وهكذا يصبح السلف دوامة شهرية لا سبيل
للخروج منها إلا بزيادة معقولة في الأجر كمضاعفته وهو ما لم يحدث
"ولا يعتقد خالد أنه قد يحدث. يستفيد مصطفى الذي لا يتجاوز دخله 180
دولار في الشهر من مساهمة زوجته التي تحتال على ضائقتهم اليومية بسبب
ندرة مداخيلهم عن طريق ما يسمى "دارت" وذلك بتوفير مبالغ الخاصة
بالمصاريف الكبيرة كشراء بعض مستلزمات التجهيز وغيرها.
لكن
مصطفى يعتبر ان ما ينهكه حقا هي المصاريف الطارئة التي تفرضها ظروف
الحياة كالمرض بما يستلزمه من علاج وادوية، بالنسبة للسكن فهو يقطن
رفقة زوجته وطفلته بشقة صغيرة حصل عليها عن طريق الرهن ومع ذلك فهو
لا يستطيع ان ينهي الشهر إلا بسلف البقال واعانات أسرة زوجته.
وتشكل
"دارت" ملجأ للكثير من الأسر المراكشية للالتفاف على ضعف مدخولها
يصفها البعض بكونها مساهمة جماعية على مدى شهر أو أسبوع لتوفير مبلغ
يصعب جمعه في الظروف العادية وعادة ما تستعمل المبالغ المحصلة من هذه
العملية لتلبية بعض التجهيزات وتوفير المبلغ المطلوب في الرهن
"السكن" أو مصاريف الدخول المدرسي والاعياد والمناسبات الاجتماعية
الأخرى ومن نساء مراكش من يجتهدن في توفير دريهمات يومية من مصروف
البيت للمساهمة في هذه العملية أما "الحادگات" منهن فيستثمرن ما
ادَّخرنه في اقتناء الحلي كوسيلة لتأمين "المستقبل!" في حالت الضرورة
الطارئة غير المنتظرة لتصريفها في شكل أموال• ورغم وجود أساليب سهلة
للحصول على المال كالدعارة أو النصب أ والتسول بفعل الطبيعة السياحية
للمدينة ومغرياتها إلا أن الكثير من ذوي الدخل المحدود والضعيف
يبتكرون أساليب فظيعة لمواجهة مطالب الحياة واكراهاتها اليومية
وتطوير مستوى عيشهم رغم ضعف الوسائل المتاحة أمامهم.