ويختارون
أسلوب الدعاية الإعلامية عبر الجرائد الوطنية والجهوية
المراكشية
دجالون يستعملون وسائل
الاتصال الحديثة لإيقاع الضحايا في ظاهرة خطيرة غزت مدينة مراكش التقليدية
من بين الظواهر التي تفشت بشكل لافت بمدينة مراكش ظاهرة الشعوذة. وإن كان في
الواقع لا توجد إحصائيات رسمية تشير إلى عدد الذين يمارسون الدجل
والشعوذة في هذه المدينة العتيقة، فإن الإقبال على بائعي الأوهام هؤلاء
في تزايد مستمر، حتى انهم أصبحوا يتوافدون على زبائن من 'العيار الثقيل'
يترددون عليهم باستمرار ويدفعون لهم كثيرا.
وفي مدينة مراكش هناك أصناف من المشعوذين، فمنهم من يتوفر على
'عيادة' تقع في أحد الأحياء الراقية وبها مكيفات وأثاث أنيق وسكرتيرة
جميلة ممشوقة القوام تقوم بأعمالهم وتستقبل زبائنهم، ومنهم من يستقبل
زبائنه في جحر ضيق بأحد الأحياء الشعبية وتنبعث منه رائحة البخور
وروائح أخرى يعجز الأنف عن تحديد طبيعتها. وهناك مشعوذون يفترشون الأرض
في ساحة المدينة الشهيرة 'جامع الفنا' والتي، للإشارة، تصنفها
اليونيسيف ضمن التراث العالمي، لكن طبعا بقيمتها التاريخية ومآثرها
وليس بعدد المشعوذين الذين نالوا من جمالية المكان.
ومن بين هؤلاء الدجالين الذين يتلاعبون بعقول الناس من نجح في الدعاية
لنشاطه باستعمال الطرق الحديثة في التواصل. فتجد مثلا دجالا اختار
أسلوب الدعاية الإعلامية عبر الجرائد الوطنية والجهوية، بحيث يضع
صورته ضمن إعلان مؤدى عنه مصحوب باسمه الكامل وعنوان 'عيادته' مع
كلمات دعائية تستعمل آيات من القرآن الكريم للتغرير بالناس، فتجد
مثلا الإعلان مصدرا بقوله تعالى 'ولا يفلح الساحر حيث أتى' ثم يتبعه
كلام دعائي 'الفقيه الفلاني يعالج بإذن الله الأمراض السحرية والعقد
والعكس والعين والمس من الجن وتأخر الزواج والمحبة بين الزوجين..'
وغيرها، مع حرص المشعوذ على أن يشير في أسفل الإعلان 'عملنا هذا ليس
شعوذة'. وهناك إعلانات تضيف حتى البريد الإلكتروني للمشعوذ وأرقام
الهواتف المحمولة والثابتة، ومن هذه الإعلانات ما يؤكد ضرورة أن يتصل
الزبون هاتفيا لأخذ موعد قبل الزيارة مع الحرص على نشر برنامج عمل
المشعوذ خلال أيام الأسبوع في الإعلان. وبعض الدجالين، بفضل هذا
النشاط بطبيعة الحال، أصبحوا يأتون إلى 'عياداتهم' على متن سيارات
فاخرة يقودها سائق خاص، وبمجرد ان يخرجوا من السيارة وتطأ أقدامهم
الأرض يلتف حولهم الناس بتقبيل اليد والتماس 'البركات' وهم يغدقون
عليهم بالألقاب (مولاي الشريف، الحاج..).
وزبائن هؤلاء من جميع الفئات والطبقات، نساء ورجال، ساسة ورجال أعمال
وعاطلون عن العمل.. وغيرهم. هناك من الفتيات من تبحث عن عريس ثري،
وأخرى تقدم إليها أكثر من خاطب لكن بمجرد ان يخرج من المنزل يختفي
بعد أن كان اتفق مع أهلها على موعد عقد القران، وشاب يستعد لمواجهة
الامتحانات ويريد 'بركة التوفيق'، وزوجة أصبحت تحس أن زوجها لم يعد
يكن لها المشاعر نفسها، ورجل أعمال يريد دفع 'النحس' عن نشاطه
التجاري، أو تاجر يشكو مضايقة زميل له في المهنة. وكل هؤلاء يبررون
لجوءهم إلى 'المشعوذ' بأن السحر حق ومعالجته أمر مطلوب. مديري يغضب مني!
واللافت أنه في ساحة 'جامع الفنا' الشهيرة تجد نساء منقبات يحترفن
الشعوذة والدجل. فترى الواحدة تجلس على كرسي وأمامها زبون جالس على
كرسي آخر وقد وضع يده في يدها في اطمئنان ينتظر ما ستقرأ له من طالع
أو تشخص له من أنواع السحر.. ومن بين زبائن 'مشعوذات جامع الفنا'
سياح أجانب ومغاربة مقيمون في الخارج. سألت سيدة فرنسية يبدو من
ملامح وجهها أنها قاربت 40 سنة عن سبب جلوسها إلى المشعوذة فأجابتني
'نحن أيضا نؤمن بالروحانيات، ولدينا مختصون في هذا الجانب في فرنسا،
ولذلك لم أر مانعا من الجلوس إلى هذه السيدة أنتظر منها هل سيمكنها
مساعدتي'، وحينما قلت لها 'ماذا تنتظرين منها على وجه التحديد؟'،
قالت وكان جوابها مفاجئا لي نوعا ما 'مديري في العمل يغضب مني
دائما'.
هناك حالات وقفت عليها في مدينة مراكش لدجالين ومشعوذين وفدوا إلى
هذه المدينة من منطقة سوس الواقعة جنوبا وهم فقراء معدمون فأصبحوا في
ظرف قياسي من أغنياء المدينة، منهم من يمتلك عمارات وفنادق ولا يركب
إلا السيارات الفاخرة. لكن هناك أيضا آخرون مثلهم يتلاعبون بعقول
الناس خانهم الحظ، وعوض أن يقتادهم هذا الاحتيال إلى الثراء كما
كانوا يتمنون قادهم إلى غياهب السجن. فأحدهم أعطى سيدة، شكت إليه عدم
حب زوجها لها، سائلا وضعته في كوب شاي زوجها فأرداه قتيلا على الفور.
وقد تم اعتقال الزوجة والدجال معا وأدينا بجريمة القتل غير العمد.
وهناك حكايات أليمة وقعت لضحايا وأبطالها مشعوذون محترفون، ومن بين
هذه الحكايات التي ترويها الضحية بنفسها حكاية شابة في بداية
العشرينات من عمرها وتنتمي إلى أسرة راقية ميسورة. هذه الفتاة كانت
ترغب في المشاركة في برنامج تلفزيوني مخصص لاختيار المواهب الشابة في
مجال الغناء، لكن أسرة الفتاة المحافظة رفضت بدعوى أن هذه البرامج
بها ميوعة تقع حالات لا أخلاقية في مرحلة الاختيار وفي اختلاط الشباب
والشابات داخل الاستديو. غير أن الفتاة المدللة لم تتقبل رفض الأسرة
ودخلت في عزلة وانقطعت عن الدراسة احتجاجا على ذلك. وبحسب ما تحكي
الفتاة، وقد نشرت ذلك يومية 'المساء' المغربية، فإن إحدى زميلاتها
زارتها يوما ونصحتها بأن تلجأ إلى 'فقيه'. 'الفقيه' يستغل سذاجتها
ورأت الفتاة أن تجرب حظها مع هذا 'الفقيه' وزارته في أحد الأيام ومن
ثم انطلقت رحلة العذاب التي قالت إنها لاتزال تلازمها. ف'الفقيه'
الخمسيني أعجبه حسن الفتاة وجمالها وافتتن بها جدا وأخذ يمارس شعوذته
للإيقاع بها. وقد كان يعطيها على مر أيام أشياء تشربها بعد أن يملأ
بخوره كل جنبات المكان، وبعد مدة طلب منها أن تزيل جميع ملابسها
تماما وألا تضع إلا لحافا على جسدها، ولما ترددت أخبرها أن تلك هي
طبيعة آخر جلسات العلاج وأنه بعد ذلك سيفتح لها باب النجاح على
مصراعيه فما عليها إلا أن تصبر وتمتثل. وتحكي الفتاة أن 'الفقيه'
أطلق بخورا قويا وشريطا للقرآن بصوت القارئ السعودي الشيخ السديسي
يتلو فيه سورة البقرة. وتضيف الفتاة أنها لم تعد تقوى بعد ذلك على
الحراك ولكنها كانت تستشعر كل شيء يقع لها، ف'الفقيه' أزال عن جسدها
اللحاف وشرع في عملية اغتصابها إلى أن افتض بكارتها. وتقول الفتاة إن
الغريب في الأمر هو الذي سيحصل من بعد، فهي بعد ذلك لم تعترض على
'الفقيه' ولم تصرخ في وجهه، بل ارتدت ملابسها وذهبت وكأن شيئا لم
يحصل. وتقول الفتاة إن الكابوس الحقيقي هو ما سيأتي فيما بعد، فالرجل
سيستمر في معاشرتها خمس سنوات كاملة كزوجة له يدعوها إليه كلما أراد،
يكفي فقط أن يطلق إحدى تعويذاته الشيطانية لتجد نفسها وهي مسلوبة
الإرادة وتنهض لتغادر المكان الذي توجد فيه لتلتحق به في بيته حتى
يجامعها. لكنها في إحدى المرات سمعت وهي تتفرج على قناة دينية أن
المداومة على قراءة سورة البقرة يوميا تفك عقد السحر وتحرر الإنسان
المسحور منها. متزوجات يصبحن جواري!
ومنذ ذلك الحين دوامت فعلا على قراءة سورة البقرة وبدأت تتخلف عن
زيارة 'الفقيه' الذي لم يستسغ الأمر مطلقا وأخذ يتصل بها هاتفيا
ليهددها تارة وليعرض عليها الزواج منه تارة أخرى بعد أن يطلق زوجته.
ومع استمرار رفض الفتاة يزداد إصرار الفقيه المشعوذ وتقوى تهديداته،
حتى هددها بحياتها في إحدى المرات. ولجأت الفتاة لنشر قصتها حتى تكون
عبرة لكل الفتيات خاصة وأنها طوال مدة السنوات الخمس التي قضتها عبدة
لشهوة ذلك المشعوذ تعرفت على العديد من الفتيات اللواتي كن يزرنه فعل
بهن الأمر نفسه، بل إن هناك شابات متزوجات أصبحن هن الأخريات جواري
يلبين شهوته الجنسية كلما أراد بالرغم منهن.
وأمثال هذا 'الفقيه المشعوذ' يمارسون بكثرة في مدينة مراكش. وفي كل
مرة تطلع علينا الجرائد المحلية بأخبار جرائمهم الجنسية البشعة، لكن
مع ذلك لا يزال العديد منهم، وخاصة في مراكش المدينة التقليدية،
يمارسون أنشطتهم دونما إزعاج من السلطات الأمنية. هذه الأخيرة تقول
بأنه إذا لم تتوصل بشكايات يتهم فيها طرف محدد مشعوذا ما فلا يمكنها
أن تحرك مسطرة المتابعة، فالمشعوذ لا يعلن أنه يمارس أعمالا غير
شرعية ولا قانونية فهو يدعي أنه يرقي بالقرآن ليس إلا. ولهذا، توضح
مصادر أمنية، لا بد للضحايا أن يقدموا شكايات إلى المصالح الأمنية .
لكن في حالات الاغتصاب فإن أغلب الضحايا لا يستطعن الإفصاح عن أنفسهن
بل ويفضلن الاحتماء بالصمت وكتمان الألم. عن جريدة ( القبس )*