شريف بدوي: الفتى الذي يعيد إنتاج العالم من دكان مساحته أربعة أمتار مربعة كل
شيء في البداية كان مجرد مزحة، اجتمع شريف وثلاثة من أصدقائه مطلع هذه السنة في
الدكان الذي يكسب من خلاله قوت يومه، وشرعوا في مشاهدة فيلم >شاولين سوكر< الصيني
على حاسوب شريف، فنضجت الفكرة في أذهانهم، ثم انخرطوا في الدبلجة. 13 يوما من
الاشتغال بلا سيناريو ولا حوار ولا خطاطة مونتاج، كانت نتيجتها صينيون يتكلمون
الدارجة المراكشية.
"أولاد باب الخميس" هو عنوان النسخة المغربية من الفيلم الصيني التي لم تتعد في
البداية 4 أقراص مدمجة لكل واحد من أفراد المجموعة، قبل أن >تتسرب، وتنتشر
كالفيروس< على حد تعبير شريف. >لم يكن الهدف من هذه التجربة إطلاقا، هدفا تجاريا،
لكنني فوجئت عندما وجدت "أولاد باب الخميس" يباع في الأسواق وعليه ملصق إعلاني،
بل إنه أصبح الأكثر مبيعا في سوق الأفلام المدبلجة، والأقراص المقرصنة بشكل عام<
يضيف شريف. ما بدأ هزلا انتهى جدا، غير أن شريف يؤكد أنه لم ينل سنتيما واحدا من
مداخيل الفيلم، مداخيل يستحيل حصر الرقم الذي استقرت عليه. إلا أن أحد الباعة
>أخبرني أن مردود "أولاد باب الخميس" تجاوز بقليل 20 مليون سنتيم في
مراكش لوحدها<، يقول شريف. فيما أصبح بائع
آخر يكتفي بوضع عنوان الفيلم على أي منتوج مدبلج ليحقق أكبر نسبة من المبيعات،
حسب شريف دائما. مع أنه يؤكد أن هدفه لم يكن الكسب المادي، لم يفت شريف أن يضع
رقم هاتفه النقال في جنيريك الفيلم >أردت فقط أن أوقع منتوجي، كما يفعل القراصنة
الآخرون< يقول صاحب دكان إصلاح الهواتف النقالة الذي لا تتجاوز مساحته 4 أمتار
مربعة، والذي وجد أخيرا فرصة >لتحقيق الذات< بعد أن انقطع عن الدراسة في السنة
الأولى ثانوي. تقاطرت المكالمات ورسائل الإعجاب على شريف أياما بعد انتشار القرص
الذي يحمل الفيلم المدبلج، وأصبح >الجمهور يطالبني بالجزء الثاني من الفيلم، بعد
أن اقتصرت على دبلجة 27 دقيقة من الشريط الأصلي< يوضح شريف. بعض تلك الرسائل ورد
من خارج المغرب، من السعودية، فرنسا ودول أوربية أخرى، هذا النجاح الباهر الذي
حققه "أولاد باب الخميس" في مراكش وخارجها يرجعه هشام لمغاري، الصحافي بإذاعة
مراكش الجهوية الى >قلة المنتوج الدرامي الوطني، وصعوبة تلقيه لدى الجمهور نظرا
للمشاكل التي يعرفها هذا المجال. غير أن مشكلة الأعمال المدبلجة بشكل غير قانوني،
هو أنها لا تكون أمينة لنص الحوار الأصلي للفيلم المدبلج. بخلاف ما كان عليه
الأمر مع إبراهيم السايح الذي خاض تجربة دبلجة الأفلام الهندية بالدارجة المغربية
في السبعينيات. فضلا عن كون هذه الأعمال تحفل بالكلام البذيء والإيحاءات
الجنسية<.
لم تفلح تحفظات العائلة في ثني شريف عن عزمه الاستمرار في اللعبة، مع الانضباط
للقواعد هذه المرة. راجع شريف قصة الصيغة المدبلجة الأولى والتي استمد شخوصها من
واقع جوطية الخميس، الشهيرة بمراكش واقتبس
حوالي >20% من الحوار الأصلي للجزء غير المبدلج بعد من الفيلم الصيني<. استوحى ما
تبقى من السيناريو من بنات أفكاره، فجمع عشرة >ممثلين< من أبناء الحي، ضمنهم
فتيات، وشرع في "إخراج" فيلمه الثاني "أولاد البهجة"، والذي استغرق ثلاثة أشهر،
قبل أن يخرج الى الأسواق في شهر أبريل الماضي. >كان الباعة يتصلون من
مراكش وغيرها، ويطلبون مني تزويدهم بمنتوج
يوفرون عبره خبز أبنائهم< يقول شريف. كما كان الشأن في الجزء الأول، لم يخرج
إنجاز الفيلم عن دكان شريف. تسجيل النص كان يتم عبر الميكرو المثبت على سماعات
الحاسوب (Casque).
فيما اشتغل شريف ببرنامج موفي ميكر2، >وهو برنامج متخلف جدا في هذا المجال، حتى
أن كل القراصنة الذين اتصلوا بي لم يصدقوا أنني استعملت هذا البرنامج< يقول شريف.
كما أنه لم يتلق أي تكوين في المعلوميات، باستثناء الفترة التي قضاها متنقلا بين
شركات تسجيل الأشرطة السمعية في الدارالبيضاء، بعد أن انقطع عن الدراسة. وهي
الفترة التي لم يخرج منها مع ذلك بالشيء الكثير، سوى أنه أصبح يعزف على الأورغ.
ويستطيع التمييز بين أنواع وسلالم الموسيقى، وهو ما ساعده على مستوى الموسيقى
التصويرية التي طعم بها أفلامه. قصة الفيلم الثاني لم تخرج عن طابع الفكاهة، الذي
يسم مجمل هذا النوع من الأعمال، غير أنها تخلو من أي كلام بذيء أو إيحاءات جنسية.
في هذا الجزء يجتمع "أولاد باب الخميس" (فريق كرة) و"أولاد باب دكالة (حومة
شريف)، ويشكلون فريق "أولاد البهجة" لكرة القدم.
يشارك أولاد البهجة في البطولة الوطنية (المغربية/ الصينية)، ويهزمون الرجاء
والوداد والحسنية… بحصص خيالية، غير أن المشكل هو أن فريق "الحاج" المشرف على
البطولة يلعب بطرق غير رياضية… هذا "الحاج" ينفي شريف أن تكون له أي علاقة بالحاج
المديوري الرئيس الأسبق لفريق الكوكب المراكشي.
كما ذهبت الى ذلك تأويلات الجمهور. نفس النجاح لازم "أولاد البهجة" الذي صدر في
قرص يضم الى جانبه "إبداعات سرية" (clandestins) أخرى. بوب مارلي يغني گناوة،
الشاب بلال يغني الشعبي، رقصات هندية على نغمات مغربية، الهيب هوب يمتزج
بالموسيقى الشعبية، وأغنية إفريقيا لمجموعة لرصاد في فيديو كليب بعد 15 سنة على
صدورها، حيث امتزجت فيه صور من قناة ANIMAUX الفضائية وأخرى من تصوير شريف
وتوضيبه.
أما أول مقطع يلي فيلم أولاد البهجة، فمختلف عن كل ما سبق، مقال معنون بـ"فن
المجموعات الغنائية بين الجماهيرية والعزلة"، بخلفية موسيقية من أغنية الغربة
إحدى أغنيات الألبوم الأول لمجموعة أمجاد، المجموعة التي انضم إليها شريف قبل خمس
سنوات كعازف أورغ و"مكلف بالاتصال". في ظرف 4 سنوات، أصدرت "أمجاد" التي تستوحي
نمطها الغنائي من مجموعة لرصاد، 12 أغنية في ألبومين >مجموعة بشهادة الجميع تستحق
كل التشجيع، مبادرتها الإبداعية موفقة رغم أنها لم تجد الدعم الإعلامي< يقول
عبدالحميد بوجندار، أحد المشرفين على مهرجان موسيقى الشباب الذي فاز خلاله أصدقاء
شريف بالجائزة الثالثة صيف هذه السنة. غاب الدعم الإعلامي وفشلت محاولات شريف مع
أصدقائه القدامى في شركات الإنتاج الموسيقي >التي لا تتعامل إلا مع من يأتيها
بالضجيج المنظم< حسب عبارة شريف. ولم يبق أمام المجموعة غير باب واحد، إبداعات
شريف -غير الشرعية- التي أصبحت وعاء إشهاريا لأغاني المجموعة.
"هذا الألبوم غير متوفر في الأسواق من أراد الاستماع إليه فليتصل بالرقم التالي…"
هذا ما تقوله العبارة الإشهارية على القرص المدمج الذي يضم فيلم أولاد البهجة
وباقي منتوجات "شريف فون" العلامة التجارية التي اختارها شريف لتميزه عن باقي
القراصنة. شريف فون، أصبحت مشروعا جديا يحلم شريف باليوم الذي تصير فيه واقعا،
غير أنه في انتظار ذلك اليوم لا ينوي التوقف عن الإبداع غير القانوني، دون أن
يكون بالضرورة قرصنة أعمال الآخرين. شريف الذي أصبح يملك ميكروفونا وبرنامج
مونتاج أكثر تطورا من ذاك الذي بدأ به المشوار، يعتزم تصوير فيديو كليبات لأغاني
أصدقائه في أمجاد، وحتى أغاني لرصاد. كما ينوي إنتاج وثائقي عن مفارقات الفقر
والسياحة الباذخة بمراكش. إضافة الى "كاسطينغ سطاح"، الذي سيقلد فيه برنامج
كاستينخ ستار واستوديو دوزيم. دون أن يتخلى عن الدبلجة التي ينوي الاستعانة بها
في إنتاج فيلم >مراكش… ناقص 2006< وهو الفيلم >الذي سيصور المدينة كما كانت في
العصر الحجري< يقول شريف.
هذا عمل يتعاون فيه مع صديقه الزجال عبدالرشيد عمهم في كتابة السيناريو. غير أن
ما يقلق شريف هو أنه يتحرك خارج القانون في الدبلجة وفي الأشرطة التي ينوي
تصويرها بنفسه، وما يخيفه أكثر أن تعجز ميزانية شريف فون (ميزانية دكان إصلاح
الهواتف النقالة)، عن تغطية مصاريف كل هذه المشاريع.
إسماعيل بلا
وعلي