|
المراكشية/
انجاز: م. المبارك البومسهولي وع.
الكباص
ليس الدخول الى مرشيش كالخروج منه، على الأقل تلك هي صناعة من يضطرون
الى الإقامة به.
البوابة الكبيرة والممر الطويل المحفوف بالأشجار المزهرة والنخيل
والعشب الأخضر يقود مباشرة الى ذلك العالم الذي تخفيه أسوار هذا
لمستشفى، يسميه المراكشيون مرشيش ويطلق عليه رسميا مستشفى بن نفيس
للأمراض النفسية والعقلية. وصولنا إليه صادف
وقت الزيارة••• الأهالي يقفون تباعا في بهو الاستقبال منتظرين الإذن
للالتقاء بأقاربهم من النزلاء وكما هي عادة كل المستشفيات يأتي الزوار
محملين بقفف من المؤونة لتلبية احتياطات ذويهم من المرضى، قد تكون مواد
غذائية أو ملابس، وسجائر•
أول ما يصطدم العين بهذا المكان تلك الرؤوس المطلة من نوافذ صغيرة
والأيادي الممدودة تطلب نقودا من الزوار أو سجائر• مسحة من الحزن
والألم تغطي وجوه أوليائهم المنتظرين بفارغ الصبر شفاءهم••• والمرضى في
عالم آخر بين ابتسامة مستهزئة ونظرات شاردة وملامح غارقة في صمت
التشويش•
ليس هذا المستشفى اسبيطار الحماق كما يقال لدى العامة، بل هو
مصحة عمومية لعلاج الأمراض والاختلالات النفسية والعقلية، يقول أحد
الممرضين. ويضيف: كان اكدال هو المستشفى
المختص في هذا المجال بمراكش سابقا• وفي 3 مارس 1981 كان الافتتاح
الرسمي بمستشفى ابن نفيس المعروف بمرشيش•
قرب المستعجلات صادفنا مدير المؤسسة الدكتور لحسين رجوى، كان
يتفقد سلامة نظام الزيارة•• لم يمانع في اعطائنا معلومات عن هذا
المستشفى، بل رافقنا لزيارة مختلف اقسامه ومرافقه بما فيها غرف المرضى•
قال: إن المرض النفسي هو المرض الأكثر ديمقراطية في العالم، لأنه قد
يصيب الفقير مثلما يصيب الغنى الانثى والذكر الشباب والشيوخ••• وأكثر
من ذلك، فمهما كان مستوى المريض اقتصاديا أو ثقافيا مرتفعا فليس أمامه
سوى هذا المستشفى، لأنه الوحيد المخول قانونيا لاستقبال الحالات ذات
الاختلال العقلي•
يستقبل ابن نفيس المرضى المعنيين بمجال اختصاصه من منطقة جغرافية
تهم مراكش الكبرى التي يقطنها أزيد من 900 الف نسمة وإقليم الحوز
وأزيلال وشيشاوة والقلعة والصويرة وآسفي، كما يستقبل المرضى المودعين
قضائيا من طرف المحاكم ومن المناطق المذكورة اضافة الى ورزازات وزاكورة
والأقاليم الصحراوية حتى أقصى نقطة حدودية في الجنوب• يقول الدكتور
الرحوى: تقرر المحكمة إيداع هؤلاء بمستشفى ابن نفيس للتأكد من
مسؤولياتهم اتجاه الأفعال التي اقترفوها والتقرير في مدى صحتهم
العقلية، ومنهم من اقترف جرائم القتل أو السرقة أو العنف والاغتصاب
والعنف ضد الأصول• كقتل الوالدين او إضرام النار•••
خروج هؤلاء المودعين من المستشفى يتم بقرار من الوكيل العام او
من لجنة مختصة مختلطة من وزارة الصحة تضم أطباء نفسانيين ورجال القضاء•
تمثل هذه المهمة القانونية إحدى أهم مسؤوليات مستشفى ابن نفيس الاكثر
حساسية•
يقول أحد الممرضين: إن عمله يهم كذلك التقرير في حالات اجتماعية مصيرية
بالنسبة لبعض الافراد والاسر، كما هو الشأن بالنسبة لملفات الحجر
والتصرف في الثروة والحرمان من الميراث وهي قضايا خطيرة تهم نزعات
شائعة داخل بعض العائلات ويكون القرار الطبي للمستشفى حاسما فيها•••
المودعون قضائيا يدخلون المستشفى بقرار من المحكمة، لكن خروجهم ليس
سهلا، إذ أن المدة الدنيا التي يقضونها كما يؤكد مدير المستشفى، هي ستة
أشهر على الاقل ومنهم من تمتد إقامته به لأزيد من سنتين او ثلاث حتى
التأكد من شفائه•
واليوم يأوي ابن نفيس 44 حالة منهم، بالطبع ذلك يضاعف من الثقل
الذي يتحمله المستشفى الذي يستقبل الى جانب هؤلاء حالات أخرى تهم
اختلالات نفسية وأمراض عقلية تتطلب خدماته الاستشفائية• يقول الدكتور
رحوى• نحن لانرفض أي مريض لأنه ببساطة لايمكننا ان نفعل ذلك، لأننا
نعلم جيدا الوضع المحرج الذي تجتازه الاسر عندما يعاني أحد أفرادها هذا
النوع من الامراض او الاختلالات، حتى ولو لم تسمح الطاقة الاستيعابية
للمستشفى بذلك، ولهذا فالمؤسسة تعرف اكتظاظا لتدفق المرضى من عدة مناطق
ذكرناها سابقا• ونسبة الملء بالمستشفى تراوحت في السنوات الاخيرة مابين
90 و%120، لأن عدد المرضى في ارتفاع مستمر•••• مبدئيا يتوفر ابن نفيس
على 220 سريرا، لكن في السنوات الاخيرة وبعدما تحول المستشفى الى مؤسسة
جامعية تابعة للمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس حول منه مؤقتا 35
سريرا لقسم طب الاطفال• ليكون عدد أسرته المتوفرة هو 185 سريرا 50 منها
مخصص للنساء والباقي للرجال•
أغلب النزلاء من الرجال، هذه ظاهرة ملحوظة، ويرجع ذلك لأسباب ثقافية
واجتماعية، فالاسر المغربية تتحفظ أكثر فيما يخص نساءها وتفضل ان يخضعن
للعلاج دون ان يكن نزيلات بالمستشفى، كما أن الخصوصية الفريولوجية تجعل
ردود أفعالهم أقوى وأخطر مما يفرض على الاسر إيداعهم بالمستشفى قصد
العلاج•••• هذا ما أكده مدير المؤسسة، لكن أحد أطرها أفاد أن العدد
الاكبر من النزلاء يفدون من إقليم قلعة السراغنة ربما للقرب الجغرافي
او لكثرة الاختلالات الاجتماعية•
قد يفيد ابن نفيس في أن يكون مؤشرا على مدى الصحة النفسية لساكنة
المنطقة والضغوط التي تتعرض إليها، لكن الاكيد حسب العاملين به أن عدد
الحالات الوافدة عليه في ارتفاع مستمر إذ يكفي أن نشير الى أن عدد
نزلائه سنة 2003 قد بلغ 1782 حالة وفي سنة 2004 أصبح العدد 2062 وفي
سنة 2003 بلغ 3243 حالة• لكن الرقم يصبح دالا، إذا ما عرفنا ان عدد
الحالات التي طلبت استشارات طبية بالمتشفى بلغت سنة 2005 (22837 حالة)
وفي سنة 2006 ارتفع هذا العدد الى: (27278 حالة) .
ومن الملاحظ حسب مدير المستشفى لدى الفئة العمرية المتراوحة بين 18 و30
سنة تشكل الغالبي أما تصنيف هذه الحالات من الناحية الإكلينيكية
فيتراوح ما بين الامراض الدهانية في مستوياتها المختلفة والعصابية•
ومن الجلي ان الضغط الذي يتلقاه المستشفى يولد مشاكل متعددة قد تصعب من
مهمة المؤسسة، لكن الوضع تحسن نسبيا بعد أن أصبح بن نفيس مستشفى جامعيا
وخاصة بالنسبة للأدوية، حيث بلغت الميزانية المرصودة لها سنة 2007
ثلاثة ملايين درهم ،مكن ذلك حسب المدير من اقتناء أدوية باهظة الثمن
وذات فاعلية، إذ هناك عدد من السياح الذين يطلبون خدمات المستشفى
والذين كانوا يتابعون علاجهم بمستشفيات أوربية ومن ثم يجب على المستشفى
أن يكون مؤهلا لاستقبالهم وتلبية احتياجاتهم العلاجية ولكن المدير في
نفس الوقت ينبه الى أن الإكراهات الاجتماعية تراعي كذلك في الوصفات
المقدمة للمرضى حسب أوضاعهم الاقتصادية حتى لا يجدوا أنفسهم في وضع
يعجزون فيه من اقتناء الأدوية فينقطعون عن العلاج، مع العلم ان %20 فقط
هي التي تؤدي واجبات الخدمات التي يقدمها المستشفى والغالبية العظمى
تستفيد من ذلك مجانا بما فيه الأدوية، بل لا لأحد من النزلاء يؤدي
سنتيما واحدا•
يمثل قسم المستعجلات أحد أهم أقسام ابن نفيس لأنه يتعامل مع
المرضى الذين يفدون على المستشفى في حالة جد صعبة وعادة ما يتم عزل
الحالات الخطيرة لمدة معينة تحت الحراسة حتى تسترجع توازنها لتنقل بعد
ذلك الى الأقسام الأخرى• ويتوفر مستشفى ابن نفيس على طاقم طبي يتكون من
أستاذين مساعدين وأستاذ مبرز ومعالجة نفسية، إضافة الى 62 ممرضا•
من الصعب أن نفصل مستشفى ابن نفيس عن مشاكل محيطه الاجتماعي والاقتصادي
والثقافي، وفي حالات كثيرة يتحول المستشفى الى ملجأ للمتمردين
والمتسعكين والمدمنين الذين تكنسهم سيارات الامن من الشوارع العمومية
لتلقي بهم في هذا المستشفى، لكن مدير المستشفى ينبه الى أن هذه الفئة
يتعامل معها بشكل إنساني وأسلوب خاص يقوم على الفرز بين الحالات
المرضية والانحرافات السلوكية التي هي من اختصاص مؤسسات أخرى وبالتالي
يحتفظ فقط بالمرضى•
بعد جولتنا عبر مرافق المستشفى تأكد لدينا ان هناك بعض التحسن
مقارنة بما شاهدناه في استطاع سابق، حيث كانت الفوضى تعمه، بل عرف
الكثير من الاحداث كالاغتصابات والانتحارات والفرار، الشيء الأكيد أن
الضغط المفروض على هذا المستشفى يقتضي التفكير في مؤسسات مماثلة في
المدن الجنوبية، إذ لا يعقل ان يبقى ابن نفيس وحده يغطي امتدادا
جغرافيا شاسعا يضاهي نصف مساحة المغرب•
عن الاتحاد الاشتراكي |