تغطية شاملة لقضايا وأخبار جهة مراكش  

بوابة مراكش الأولى باللغة العربية

ناطقة باسم المركز الجهوي للإعلام والتواصل بمراكش

المـــــراكشية
 www. almarrakchia. net

    Almarrakchia         

اتصل بنا

من نحن؟

    

مقالات حول مراكش

  صفحة البداية   أرشيف الأخبارمواقع الصحف المغربية | ملخص الصحافة المغربية بالفرنسية |  قضايا وآراء إعلام وتواصل

 

الخبر

ساحة الفنا بمراكش تودع آخر حكواتييها بصمت ولا مبالاة

 مراكش : المراكشية

عندما تتذكر أمجاد هذه الساحة، يصيبك الحزن الشديد أمام استخفاف المسؤولين المغاربة بكنوز ثقافتهم الشعبية. أين أثر الرواد في ذاكرة المغاربة اليوم؟ بلفايدة مدخن النرجيلة، الشرقاوي مول لحمام، الكبيري القصاص، التمعيشة، كبور مول البشكليت، صاحب الدراجة، باحجوب لكناوي، عمر ميخي مقلد المغني المغربي الشهير على طريقة إسماعيل ياسين، الملك جالوق الذي كان يحكي متجولا، الصاروخ، الفقيه العجيب، طبيب الحشرات الذي كان يعالج الناس بأرجل الدجاج وغيرها من باقي الحيوانات، عبيدات الرمى، الروايس، أولاد حماد أو موسى...؟ لقد تعمدنا مزج الحكواتية بالمنشطين والموسيقيين حتى نقف على الطابع الفريد لهذه التحفة الفنية التي خص بها الله أرض المغرب. جنة إبداعية خارج وهم الزمان والمكان. لكن واقع الحال اليوم بباب الصحراء يدق ناقوس الخطر أمام كائنات صمّت آذانها أمام نداء جذور ما فتئ يخبو شيئا فشيئا حتى لم يبق منه إلا الأنين الخافت.  

لم يبق من الحكواتيين الذين طالما ساهموا في صنع سحر ساحة جامع الفنا في مراكش غير اثنين. وهما يعلمان جيداً انهما آخر من سيروي الحكايات في هذا المكان الاستثنائي الذي اكتسب جاذبيته من أمثالهما.

ففي الوقت الذي تعيد فيه الدول الغربية تأهيل حكواتيين في معاهد خاصة، وعبر مهرجانات منظمة، وتحرص على أن تتنامى أعدادهم، معتبرة ان لهم دوراً نفسيا وثقافياً وحضارياً لا يضاهى، فإن ساحة الفنا تودع آخر حكواتييها بصمت ولا مبالاة، وكأنما لا احد يأسف على هذا الانقراض المكلف.
خرجت مراكش من بين كتفي الأساطير؛ وحلقت عاليا في سماء المغرب الأقصى يخفرها تاريخ كتب بماء الذهب على يد ملوك وأصفياء ومتصوفة عجنوا ترابها بحبر الكلمات. كانت سيارة صديقي أزغاي تسرع على غير عادتها، وهي تقترب بنا من «باب الصحراء» مراكش. شعرت أن الآلة أيضا منجذبة إلى مغناطيس مدينة سارت بذكرها ركبان المغاربة والعجم. وافق الأصدقاء على هذه النظرية «الفيزيائية» وانفجروا ضاحكين. أبطأت السيارة سيرها، بكليز مركز المدينة الأوروبي، تحت خيوط الشمس الذهبية التي تخيط بحبور خياما لا تراها العين المجردة لتقي العابرين لسعة الشمس الساقطة عموديا فوق رؤوسنا الدائخة بمئات الأميال. توقفنا أمام مقهى «الأطلس»، حيث ينتظرنا صديقنا الرسام أحمد بن اسماعيل، ذاكرة مراكش، ودليلنا إلى متاهتها الغابرة الظاهرة، وقلنا جميعا بلهجة مراكشية أصيلة: أتبارك الله على بّا حمدان. ابتسم أحمد بطيبوبته المعتادة: الله يبارك فيكم يا عفاريت سيدنا سليمان.
قبل أن نلج ليل الحكي، يلزمنا أن نعرف قليلا عن حراس مراكش الأبديين. ونعني بهم سبعة من الأولياء الصالحين الذين يتبرك بهم المراكشيون ويتظللون بكراماتهم وأساطيرهم عندما تشتد بهم ظروف الحياة المادية القاطعة أو نداء الروح الصافية. من هم هؤلاء الأصفياء؟ يوسف بن علي الصنهاجي الذي ابتلاه الله بالجذام وعاش في كهف، عياض بن موسى اليحصبي، كان قاضيا يضرب به المثل في العدل والاستقامة، أبو العباس السبتي من أكبر أوليائها وأشهرهم بدعوته إلى الخير والصدقة، أبو عبد الله محمد بن سليمان الجزولي عرف بترحاله في البلدان العربية وكراماته العجيبة، عبد العزيز بن عبد الحق التباع من مريدي الجزولي، أبو محمد عبد الله بن عجال الغزواني وارث سر التباع، ثم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي الضرير صاحب العلم الذي برع في تدريس الدين الحنيف. يحرس هؤلاء الرجال الأصفياء ممن اختاروا طريق التقشف والعلم والخير السواد الأعظم من المراكشيات والمراكشيين. أما الأجانب الذين اشتروا الرياضات التقليدية، ولا سيما الفرنسيون، فيحرسهم مارد اليورو. وكل هذه المسحة الصوفية التي تغطي المدينة ليست بالنسبة لأكثرهم سوى «فلكلور الشرق» الذي يجب بيعه لمن يدفع أكثر.
اتصل أحمد بن اسماعيل بعبد الرحيم الأزلية واخذ لي موعدا معه. عبد الرحيم الأزلية من الحكواتيين القلائل الذين ما زالوا يمارسون عملهم في ساحة جامع الفنا. في الرابعة زوالا وتحت الشمس العمودية وصلت إلى الساحة قرب مقهى «فرنسا» الشهير، حيث يمكنك مشاهدة منظر الساحة من طوابقه العليا. تناولت عصير برتقال بارد بثلاثة دراهم وأنا أتأمل الساحة التي بدأت تعج بالزوار. فرق موسيقية سوسية (بربر الجنوب) تتدرب على أدواتها التقليدية، مروضو أفاع يحاولون اصطياد بعض السياح بوضع الثعابين، غير السامة، طبعا، حول أعناق زوجاتهم أو أطفالهم ليأخذوا لهم صورا معها، ثم يؤدوا 100 أو 200 درهم أو لا شيء حسب ذكاء السائح المحلي أو الأجنبي. العرافات يقتعدن الأرض تحت المظلات الملونة التي تحمي من حرارة الشمس الحارقة رغم اليوم الربيعي. كتاب الطلاسم والأحجبة التي تقرب البعيد وتبعد القريب. جملة تلتقطها مسامعك كلما تنقلت وسطهم: «آلشريف، آجي غي نسولك» «أيها السيد تعال لأسألك فقط». هذا هو الطعم. يكفي أن ترد لتدخل إلى عوالم السحر الأبيض والأسود والأحمر اللانهائية.
أصوات، موسيقى، أجساد تقف في «حلقة» آخذة في التشكل، تتسرب إلى مسامك وتصيبك بدوخة خفيفة. «السلام عليكم» ألقاها علي عبد الرحيم الأزلية بابتسامة خفيفة. رددت عليه السلام بأحسن منه. وبادرته بالسؤال: «كيف حال الحكواتيين اليوم بهذه الساحة»؟ تنهد بعمق ورد: «يموتون الواحد تلو الآخر بالحزن وضيق اليد؟ رحم الله الرواد الذين تعلمنا على أيديهم الصنعة. أيام الشرقاوي مول الحمام الذي كان يكلم الحمام ويأمره كما يشاء أن يحط على بنك المغرب، أو الصومعة أو غيرها. وطبيب الحشرات رحمه الله وغيرهما كثير. أغلبهم انتقلوا إلى دار البقاء. أما نحن فلنا الله!». لكن ألم تؤسسوا جمعية للدفاع عنكم؟ «نعم، كان ذلك مع الكاتب الأسباني خوان غوتيسولو وجعفر الكنسوسي صاحب جمعية «ديوان الأدب». لكن بعد حصول الجمعية على دعم من اليونسكو، قيل لنا انه يقدر بـ 40 ألف دولار، بدأت المشاكل. فانسحب جعفر الكنسوسي، واعتذر خوان غوتيسولو، لأنه أعتبر الأمور غير واضحة. ولم نعرف مصير هذه المنحة. كما استقبلنا محافظ المدينة ووعدنا بحل مشاكلنا ومساعدتنا. وقد تزامن استقباله لنا مع عيد الأضحى فوعدنا بأضحية العيد و 1500 درهم شهريا للحفاظ على تراثنا من الضياع. تبخرت كل هذه الأحلام وعدنا إلى نقطة الصفر. الموت يتهدد اليوم صنعتنا التي لم يعد يقبل عليها الشباب». بالفعل، بعد أن نشرت الصحافة المغربية خبر منح الحكواتية راتبا شهريا قلت مداخيلهم، لأن الجمهور يعتقد أنهم يتلقون مساعدة من الدولة. وهنا بدأت المأساة الحقيقية لهذه الفئة. فعلى سبعة حكواتية اليوم الذين يحكون التراث العربي من ألف ليلة وليلة والسير والمقامات، اثنان فقط موجودان بساحة جامع الفنا وهما عبد الرحيم الأزلية وعبد السلام بنجاكان. أما الحكواتي المعروف بـ «التمعيشة»، مثلا، وهو من الرواد فقد ذهب بصره ودخل عالم التسول، إذ لم يعد قادرا على الذهاب إلى الساحة للقاء جمهوره. اقتربت الساعة من الخامسة زوالا، فودعني عبد الرحيم الأزلية، لأنه سيبدأ حكاياته.
نظرا لقلة الجمهور، فقد قلص الحكواتيون من مدة الفرجة، إذ أصبحت ساعة واحدة في الغالب من 11 إلى 12 زوالا و5 إلى 6 مساء. ولا يعاني الحكواتيون فقط من بوار حرفتهم، بسبب إهمال الدولة لهم، رغم وعودها، بعد أن صارت ساحة جامع الفنا تراثا شفهيا للإنسانية بالمحافظة على كنوزهم الشفهية. إذ يعتبر الحكواتيون بإسهامهم في إثراء الثقافة الشفوية للساحة عمودها الفقري، بل يعانون أيضا من تنكر المجتمع المدني لهم بعد أن تبنى قضيتهم في وقت من الأوقات. وهذا ما لا يفهمه الغيارى على تراث جامع الفنا النادر. كيف ضاع دم ما تبقى من الحكواتية بين قبائل السلطة المحلية التي ترغب في النهوض بالقطاع السياحي المحلي دون النهوض بالمورد البشري الذي يعتبر زاد الساحة ومستقبلها وبين الجمعيات التي تدافع عن التراث الشفوي للساحة وعينها على المنح الدولية؟! هذا الدفاع الملتبس جعل الجبل يتمخض ويلد جمعية شكلية يسيطر عليها أحد الحكواتيين ويدعي بها تمثيل هذه الشريحة التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانقراض دون أن ينتبه لها أحد.
عدت أدراجي إلى كليز، ورأسي مليئة بصور كنوز تفترسها عدسات السياح ولا مبالاة مسؤولين، لا تهمهم سوى حداثة الاستثمار: عمارات، مواقف سيارات، رياضات سياحية، بينما حملة التراث المحلي يختفون الواحد تلو الآخر، دون أن يرف لوزارة الثقافة جفن أو لأصحاب الملايين الذين لا تهمهم سوى مراكش براد بيت، آلان دولون، بوف دادي، برنار هنري ليفي. يخفت صوت الحكواتي تحت أسواط صراخ أصحاب المطاعم الشعبية الذين احتلوا المكان الآن، ونداء نقاشات الحناء، وفقهاء الأوهام الذين يرون المستقبل بدريهمات قليلة. فكرت أن أتوقف عند إحدى العرافات لأطلب منها أن تكشف لي غيب الحكواتية، لكني أسرعت السير لأن السماء لن تمطر ذهبا في جيوب رجال صنعوا مجد ساحة أسطورية لا مكانة لها في قلوب عشاقها بدونهم. الله معاك أسي عبد الرحيم الأزلية وأوقفت تاكسي صغيرا: «مقهى الأطلس من فضلك»...
عن الشرق الأوسط

www.almarrakchia.net - All rights reserved  2005- ©- موقع المراكشية - جميع الحقوق محفوظة 2007