تغطية شاملة لقضايا وأخبار جهة مراكش  

بوابة مراكش الأولى باللغة العربية

ناطقة باسم المركز الجهوي للإعلام والتواصل بمراكش

المـــــراكشية
 www. almarrakchia. net

    Almarrakchia         

اتصل بنا

من نحن؟

    

مقالات حول مراكش

  صفحة البداية   أرشيف الأخبار مواقع الصحف المغربية | ملخص الصحافة المغربية بالفرنسية |  قضايا وآراء إعلام وتواصل |

 

الخبر

أحد رجالات مراكش السبعة: أبو العباس السبتي وتأطير الصلاح الفعلي

مراكش : محمد الطوكي (أستاذ باحث بكلية الآداب بمراكش)
دلالة الشاهد على الغائب :
لو أتيح لعابر أزقة الزاوية العباسية بمراكش أن ينسى ولو للحظة ما سكنه من هم، ويتأمل المجال العمراني، لما يسمى بحرم أبي العباس السبتي، لوجده يمثل صورة مصغرة للمدينة الإسلامية الوسيطة(1) المطبوعة بالطابع الأندلسي. فقد تداخل في نسيج تلك المتوالية من البنايات الخطوط والمميزات العمرانية لمعظم الدول التي حكمت المغرب(2) البائد منها والسائد، وقد تفاعل مع هذا الفضاء مسلكيات معقدة لجمهور يعيش عتبة الألفية الميلادية الثالثة، وفي الأعماق سديم صوفي من العصر الوسيط، تهيمن عليه نفحات الولي الصالح أبي العباس السبتي.
فالمدخل الرئيس لهذه المدينة – على سبيل التجوز – هو باب تاغزوت، ينحرف الزائر يمينا فيجد نفسه يخترق بابا ثانية، وينعطف يسارا ليلج بابا ثالثة تفضي إلى المرافق التالية؛ سوق لمجادليين، فالمسجد السعدي الذي ينفتح بابه الشمالي على بعض الأزقة، فالساحة – الدص – المحفوف بمجموعة من البيوت الشبيهة "بلبنيقات"، فمبنى الضريح الــذي ينتهي إليه الزائر بعد أن يمر بتلك المحطات التي تعتبر كلها حرما لأبي العباس السبتي. يفصل بين كل مرفق وآخر باب قوسه على هيئة حذوة الفرس. وعلى يمين الداخل ويساره تنفتح بعض الدروب، ويعانق كل ذلك رياض الزاوية العباسية ودورها القائم منها والمترهل. كلها جاثية بتواضع كالمستجير عند قدم الضريح الذي يعتبر النواة الأولى لحي الزاوية العباسية.
فإذا زاغ البصر عن العمران وتعلق بالأحياء راعته حركة دائبة، خاصة يوم الأربعاء بين رائح وغاد، فئات اجتماعية متباينة، فيهم من هدته عتبة الفقر، أشباح أنهكها الجوع وأقعدها المرض، سترت العورة بما تيسر من الأسمال المحلي والخلق البالي الوافد من دول الشمال مما وراء البحار، يمشي بهم العكاز إلى قلب الضريح، ومنهم متوسطو الحال، فالمترفون في لباس تقليدي أنيق أو بدلة بآخر طراز، أوقفوا سياراتهم الفارهة بساحة باب تاغزوت، واخترقوا هذا الحي الشعبي نحو المزار، تتلاعب أصابعم البضة الناعمة بالمفاتيح الفضية لتلك العربات الفاخرة. هؤلاء وأولئك يغدون أمام الضريح ذوي(3) حاجة، يتقدمون في خشوع بين يدي المزار متضرعين مناجين، يعلم الله ما تحمل كل نفس من ألم وهموم، من تطلع الميسورين إلى نجاح صفقة تجارية، أو نفاق تجارة بائرة، أو توبة من ظلم، أو صرخة تظلم ممن هو أقوى، أو استدامة خطة، أو استرداد مركز بعد عزل، أو ستر فضيحة، أو لطف في جنايــة أو جريمة... إلخ أما المستضعف فأغلى أمانيه في الكفاف والعفاف والغنى عن الناس. وتنتهي الزيارة بتقديم بين يدي النجوى صدقة، يشي وقعها داخل الصندوق بقيمتها، للضعيف الزهيد منها دوي المعدن، أما القيم الورقي فلا تكاد تسمع له حسيسا. فعالية دينية ضاربة في أعماق العصر الوسيط، تدور في إطار منظم، يأتيها أناس بكامل القناعة وحسن النية يجدون فيها راحة وتنفيسا وقد يتنكر لها أو ينكرها آخرون، ولكل مستنده ورموزه وشواهده وأهدافه.
 فما الصلاح؟ وما المقصود بالصلاح الفعلي؟ وماذا نعني بمؤسسة التبرك؟ ومتى ظهرت،بالنسبة لأبي العباس السبتي، ليكتب لها الاستمرار؟
الصلاح، كما جاء في لسان العرب، ضد الفساد. صلح يصلح ويصلح بضم اللام صلاحا وصلوحا، وهو صالح، والجمع صلحاء وصلوح. ورجل صالح في نفسه، ومن قوم صلحاء، ومصلح في أعماله وأموره، وقد أصلحه الله، والإصلاح نقيض الفساد، والصلح السلم، وصلاح بالكسر وصلاح بالضم من أسماء مكة، يجوز أن يكون من الصلح؛ لقوله عز وجل "حرما آمنا". وقد سمت العرب صالحا ومصلحا وصليحا(4). وقال الراغب "وإصلاح الله تعالى الإنسان، يكون تارة بخلقه إياه صالحا، وتارة بإزالة ما فيه من فساد بعد وجــوده، وتارة بالحكم له بالصلاح، قال تعالى " أصلح بالهم" "يصلح لكم أعمالكم". "وأصلح لي في ذريتي" "إن الله لا يصلح عمل المفسدين"(5). وإذا فالصلاح قيمة دينية مضادة للتدمير والفساد، لها بعد نفسي ذاتي واجتماعي وإنساني، والتحلي به كما في القاموسين، لا يتأتى إلا بإلهام من الله تعالى وتوفيقه، فقد يكون بدءا، وقد يأتي بعد قطع شوط من الحياة اختلط فيها العمل الصالح بالفاسد فتتبدد نزوعات الفساد وتتمحض الذات لفعل الصلاح(6). هذه الفضيلة يتطلع إلى التحلي بها كل إنسان، لذا يتخذ البعض اسم صالح علما لعقبهم على نية أن تتماهى الذات مع الاسم. وقد خصها العرف العام بالدلالة على أولياء الله، فيقال على سبيل المثال صلحاء الريف، وصلحاء مراكش وصلحاء سوس... الخ. وطريق الصلاح لحب وشاق، يتطلب في اصطلاح القوم، مكابدة ومجاهدة وتوفيقا ربانيا.
ونقصد بالصلاح الفعلي ما كان يصدر عن الشيخ أبي العباس، وهو حي يرزق، من مسلكية الصلاح، سواء أمس الجانب الديني أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي أو غير ذلك. أما ما أسميناه بمؤسسة تثبيت فعالية التبرك والزيارة، فلم تتولد إلا بعد وفاة صاحب الضريح، حيث يتخذ قبره مزارا اعتمادا على استمرار الكرامات واسترسالها بعد الوفاة كما عند المتصوفة. تجري داخل هذه المؤسسة فعالية – ذات طبيعة دينية - يندمج فيها صاحب الضريح والرواد والمشرفون وبقية المستفيدين، وتستهدف ضمنيا تحقيق غايات نفسيـة أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية. توظف المؤسسة مجموعة من المقدمين والقيمين والحفظة والشواش وغيرهم ممن يقومون بخدمات تضيق أو تتسع بحسب هذا الولي أو ذاك. وتراعى في انتدابهم لهذه المهام مواصفات خاصة، تسير بما جرى به العرف، إلى جانب المدون من القرارات والظهائر. يمتد تاريخ هذه الفعالية بالنسبة لأبي العباس السبتي من مستهل القرن السابع (601 هـ/1204 م) تاريخ وفاة الشيخ إلى الوقت الراهن.
إن استحضار من أسدى لهذه الأمة معروفا، بالثناء عليه والدعاء له، والتضرع إلى الله عند قبره، اعتراف ونزوع نجدهما لدى معظم المغاربة،ولعل في ذلك دلالة إلى التطلع والتشوف إلى صلاح افتقدوه في أنفسهم وواقعهم، وتأتي هذه الانعطافة النفسية الصوفية لتحدث لديهم نوعا من التوازن والتكيف بين الذات والواقع.
إن بحثنا في دينك البعدين، الصلاح الفعلي ومؤسسة المزار، يدخل في إطار الحفر في البنية التكوينية للزاوية العباسية بمراكش.
فترة الصلاح الفعلي :
إن الحديث عن المنحى الصوفي لأبي العباس السبتي خاصة يكون مستأصلا ومنتزعا من نسيج اجتماعي متماسك ومعقد، وإذ نفرز هذه البنية بقصد التأمل والدراسة ينبغي ألا ينسينا ذلك بقية البنى التي نكتفي منها بهذا الفرش الخاطف الذي يصل إلى حد الابتسـار.
لقد تميزت التجربة الصوفية في مراكش خلال منتصف القرن السادس بشيء من الخفوت والضمور، وهذا أمر طبيعي نظرا لأن عبد المومن الموحدي لا يقر بالولاية إلا للمهدي بن تومرت، ومن ثم لم يسمح لأي صوفي بإظهار نحلته أو الكشف عن وجهه، لكن في خلافة أبي يوسف تبدلت الأحوال، فقد كانت للرجل ميول فلسفية وانفتاح فكري على جميع التيارات مما دفع مجموعة من المتصوفة إلى الاستقرار في مراكش، فخلال ولايته توفي مجموعة من رواد التصوف المغاربة؛ مولاي بوشعيب في آزمور (562 هـ/116 م)، ابن حرزهم في فاس (ت 569 هـ/1173 م) أبي يعزى (ت 572/1176 م). لكن الفترة الذهبية للتصوف في العصر الموحدي هي فترة يعقوب المنصور؛ فخلال ولايته توفي سيدي أبو عصفور (ت 582 هـ/86-1185 م) شيخ سيدي يوسف بن علي، وسيدي السفاج دفين باب الدباغ على الضفة اليسرى لوادي سيل، وسيدي يوسف بن علي(7) (ت 593 هـ/97-1196 م). ومن انعكاسات هذا الجانب الصوفي على الوضع اللغوي في القرن السادس تميزه باكتمال عملية التعريب في وسط المغرب. "فالقسم الغربي منه تعرب تعريبا ثقافيا عميقا يماثل التعريب الذي حصل في القسم الشرقي قرنين من قبل. ومع التعريب تعمق فهم السكان لتعاليم القرآن؛ فتجاوز الإسلام النطق بالشهادتين إلى إحياء وتجسيد مكارم الأخلاق كما جاءت في السنة النبوية،قام بتلك المهمة التربوية نساك وعباد نجد أسماءهم في كتاب التشوف لابن الزيات، والمقصد للبادسي، ودعامة اليقين للعزفي" (8).
ففي هذه البيئة السوسيوثقافية التي ألمعنا إليها سيرى أبو العباس السبتي النور. وسنحاول رصد أحواله وأطواره من خلال مصدر جدير بالثقة، هو كتاب التشـوف لابن الزيات (ت 627 هـ)، المعاصر لأبي العباس السبتي، فقد ترجم فيه مجموعة من متصوفة العصر، محتذيا أسلوب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم ( ت 430 هـ)، وقد أفراد لأبي العباس ترجمة مطولة إذا ما قورنت ببقية مترجميه، استهلها بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي "ص" فجاءت وكأنها كتيب مستقل. وتظهر أهمية هذه الترجمة في وفرة المعلومات السوسيوثقافية والسياسية التي يمكن استنباطها من الأخبار وتأويل الكرامات. أول ما يطالعنا في ترجمته : انشغال أهل مراكش به وحيرتهم في أمره "وأهل مراكش إلى زماننا هذا مختلفون؛ فمنهم من يراه وليا وأنه على مذهب الملامتية (9)؛ من أجل ما يتكلم به من الكلمات المأثورة ... ومنهم من يراه قطبا من الأقطاب، ومنهم من يكفره، ومنهم من يبدعه، ومنهم من يراه ساحرا إلى غير ذلك من الأقوال التــي تقال فيه" (10). والصورة الواردة في التشوف لا تقدم لنا الملامح الكاملة المفصلة لهذه الشخصية، بقدر ما تركز على كراماته ومناقبه بعد أن ذاع صيته واشتهر أمره. أما ما قبل هذه المرحلة فكل ما نعرفه عنه؛ هو أنه أبو العباس أحمد بن جعفر الخزرجي ولـد سنة 524 هـ /1129م بسبتة في أسرة فقيرة، امتهن والده صناعة الفخار. وتفاقم فقر العائلة بعد فقد عائلها وأبو العباس لازال وليدا صبيا، مما اضطر الأم إلى استخدامه لدى حائك، بيد أن ميول الصبي نزعت نحو العلم ففر إلى مكتب الشيخ أبي عبد الله الفخار – تلميذ القاضي عياض – الذي أعجب بذكاء الصبي ونباهته، فتولى تعليمه، وضمن للأم المبلغ الزهيد الذي كانت ستدره عليها خدمة الابن. أخذ عن أبي عبد الله الفخار القراءة والعربية والأحكام وفنونا من الأدب، وتأثر بمسلكية شيخه الصوفية التي اكتسبها من بركة الشيخ القاضي عياض. ولما بلـغ العشرين (11) وقيل ست عشرة سنة ، ثاقت نفسه إلى الاستزادة من العلم، فاستأذن شيخه وارتحل إلى مراكش حيث نزل بجبل جليز. وكانت المدينة آنذاك محاصرة من عبد المومن بن علي الموحدي الذي سيستولي عليها سنة 541 هـ.
هذا كل ما نعرفه عن مرحلة ما قبل الشهرة، وهو أمر طبيعي، إذ الإنسان قبل أن يصبح علما، يكون في عداد عامة الناس وجمهورهم، ولا يتميز عنهم إلا بعد أن يبني مجده في ميدان من الميادين، فيلتفت إليه معاصروه وحينئذ يهتمون بمجريات حياته. كان هذا شأن أبي العباس الذي تعتبر رحلته إلى مراكش العاصمة منعطفا حاسما في حياته، فهي مركز سياسي وعلمي هام "زاحمت عواصم العروبة بغداد والقاهرة وقرطبة(12)، زارها وسكنها ودفن فيها فلاسفة ومفكرون وأطباء، زيادة على الفقهاء والأدباء المشهورين، والهجرة إلى العواصم قصد الاستبحار في العلوم، أو إدراك مجد ما معروفة ومقررة في العهد الوسيط، ففيها يتمركز كل شيء، وإليها تجبى ثمرات جميع الجهات.
لقد وقع التركيز على هذه المرحلة من حياة أبي العباس. ومن خلالها يتبدى لنا الرجل مستويا في العلوم اللغوية والفقه والولاية، ويواجه خصوما عنيدين؛ هم الفقهاء، والعامة، وسوء ظن الساسة وتربصات الفلاسفة. كانت التحديات كثيرة. ويظهر من خلال أخباره أنه اجتمع لديه من المؤهلات ما مكنه من تدليل جميع تلك العقبات. فقد لبث في جبل جليز قرابة أربعين سنة من غير أن يدخل المدينة، علما بأن صيته وصلاحه هيمن لدى مختلف الفئات الاجتماعية المراكشية. فمن خلال تلك الأخبار نرى الرجل قد امتلك مجموعة من السلط :
1) سلطة اللغـة : أعطي أبو العباس فصاحة في اللسان وقدرة على البيان، يأخذ بمجامع القلوب(13)، ويسحر العامة والخاصة ببلاغته، ومن نماذج نثره الفني ابتهالاته وأشعاره. وأتي بالإضافة إلى ذلك حسا نقديا مرهفا جعله ينحو بالشعر نحو أغراض النسك والمنحى العملي الأخلاقي. قال أبو بكر بن مساعد اللمطي "وما حضرت معه قط فأنشد أحد شعرا في الغزل إلا قال له : دعنا من هذا وخذ في مدح الله تعالى. وسمع منشدا ينشد من أبيات :
رفعوا الهوادج للرحيل وسلموا
فقــال :
رفعوا الأنامل للصلاة وكبـروا فبدا الخشوع لخوفهم يترنــم
وبدت سواكب دمعهم مسبولة خوفا لما قد أخروا أو قدمـوا
هذي صلاة المتقـين وغيرهـم نائي الفـؤاد وألسـن تتكلم (14).
وسمع بيتين من قصيدة ابن عمار التي أولها :
أدر الزجاجـة فالنسيم قد انبرى
فقطع إنشاده وكره سماع القصيدة وقال: لابد أن أكفر عن هذين البيتين اللذين سمعتهما بهذين البيتين :
أقم الصلاة مهاجرا سنـة الكرى واجعل صباحك عنده حمد السرى
واطو المراحل بالعروج لمـن لـه لطف ينـزله إذا هجع الــورى (15)
فهذه النتف التي وردت في مقام نقدي تدل على ملكة شعرية مرهفـة، ويظهـر أن أبا العباس لم يستثمرها في هذا الفن، ولو فعل لوصلنا عنه شعر صوفي رقيق يكشف عن أبعاد تجربته الصوفية.
2) العقلية الحجاجية : "كان لا يناظر أحدا إلا أفحمه، سريع البديهة، كان القرآن ومواقع الحجج على طرف لسانه عتيدة حاضرة. "يأتيه من يأتيه للإنكار عليه، فما ينصرف عنه إلا وقد سمع له وانقاد لقوله" (16).
3) إضفاء الصبغة الشرعية على مذهبه : وذلك بالاستدلال بالقرآن والسنة على مسلكيته، وبهذا يقعد تصوفه على رسوم الأصلين الكتاب والسنة؛ كالجنيد وأبي طالب المكي حتى يؤصل اتجاهه ويجعله موصولا "بالمحققين من المتصوفة الذين تمتد أصول طريقتهم إلى أيام الصحابة والتابعين وتابعيهــم ومـن بعدهم" (17).
4) حجية الكرامة الصوفية : ومن أدلتها أنه أصاب الناس قحط، فأمرهم أبو العباس بالصدقة أولا، ثم خرجوا بعد ذلك للاستسقاء. قال أبو الحسن علي بن أحمد الصنهاجي :" فلقينا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن جذع الجذامى، فنـزل عن دابته وسلم على الشيخ، فقال إلى أين خرجتم؟ فقلت:خرجنا نستسقي، فضحك بنا وقال:صدقتم هذا الشيخ الأحمق ارجعوا، فقلت له:أما أنا فلا يمكنني الرجوع، فتقدم أبو العباس وهو ينظر إلى السماء ويحرك شفتيه ثم قال لنا:قولوا سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم فإن الخلائق يرزقون بهذا، فكنا نقول ذلك ونرفع به أصواتنا، وأقمنا على ذلك ساعة ثم قال لنا : بادروا المطر وخذوا نعالكم بأيديكم، فضحك ابن الجذع وقال : هذا والله هو الحمق، يقول لكم هذا القول والشمس شديدة الحرارة ! فقلت أما أنا فلا أكذبه، فأخذت نعلي بيدي، فوالله ما وصلنا باب الدباغين حتى غيمت السماء وانهمرت بالأمطار. فبقي ابن الجذع مذعورا فقال لأبي العباس: اغفر لي سيدي، فإني أتوب إلى الله تعالى مما ظننت بك. فقال له لن تقبل توبتك هكذا حتى تتصدق بشيء" (18).
فهذه المنقبة الحية بالحوار وتداخل الأصوات، تتنامى بالصراع بين العقل والحدس الصوفي. فأحكام العقل لا تسلم بانهمار المطر، فأسبابه غير موجودة" فالشمس شديدة الحرارة" ومدعي ذلك في عرف العقل "أحمق". ولكن سرعان ما تحدث المفاجأة، ويقع ما لم يكن منتظرا، حيث تجود السماء بماء منهمر. فلم يبق للعقل إلا الاستسلام أمام الكرامة الصوفية ويتوب إلى الله من سوء ظنونه. فإذا نظرنا إلى الدلالة اللغوية لممثلي العقل والوجدان، فإننا نرى رمز العقل أبا عبد الله محمد بن جذع الجذامي، فهـو يتصل نسبــا بمـادة ج، ذ،ع. وقبليا بمادة، ج، ذ، م،: من مداليل المادة الأولى صغار الحيوانات، والحبس عن الخير والرزق، كما أن من مداليل المادة الثانية "جذم" القطع والداء، وكلها أوصاف ألصقت دلالتها بالعقل. أما بطل هذا الخبر وهو أبو العباس، ممثل الحدس الصوفي، فإن عباس اسم من أسماء الأسد الذي يرمز إلى السلطة والقوة. هذه بعض الارتسامات التي يمكن أن تساعد في تحليل هذه المنقبة ولم نسر فيها إلى نهايتها إذ الذي يعنينا في هذا المقام هو القوة الحجاجية للكرامة الصوفية، في مغرب فلاحي متطلع للأمطار متأفف من الجفاف وما ينجز عنه من المجاعة والأوبئة والقحط.
أصول تصوفه : قراءتنا في نصوص التشوف هدتنا إلى استخلاص الأصول التالية:
1- التوحيد:"توحيد الله بالتعظيم، دون أن تجعل معه إلها غيره من متاع الدنيا، فكل ما استولى على الإنسان فهو إلهه" أفرأيت من اتخذ إلهه هواه" (19)
يقول" تنـزهت في أحديتك عن بداية، وتعاظمت في إلهيتك عن نهاية أنت الواحـد لا من عدد، والباقي بعد الأبد، لك خضع من ركع، كما ذل لك من سجد، بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد، الله الصمد لم يلد ولم لولد ولم يكن له كفؤا أحد" (20).
2- التأويل : العبادات مناسك تشتمل على أقوال وأفعال، لكن بالإضافة إلى هذا الجانب التعبدي، فإن أثرها يظهر في مناحي أخرى اجتماعية وغيرها، لهذا كان أبو العباس يتأول الركوع بالمشاطرة، والسلام من الصلاة بالخروج من كل شيء، والزكاة إنما فرضت على المكلف في كل عام ليتدرب على البذل والعطاء، وإلا ففي الأموال حق سوى الزكاة وليس المقصود أن تعطي في وقت مخصوص وتمسك في غيره (21) " فهو هاهنا يجمع بين العقل النظري والممارسة العملية، بين الإيمان والعمل.
3- العدل والإحسان : إن أبا العباس السبتي لا يناقش كالمتكلمين صفة العدل القائمة بالذات الإلهية هل هي عين الذات أم هي زائدة على الذات. بل يتنـزل بهذا المبدأ إلى الأرض ويربطه بالواقع بالإنسان. والعدل والإحسان مما أهم أبا العباس السبتي منذ صباه، فقد سأل عنهما شيخه أبا عبد الله الفخار فأجابه بأنه المشاطرة؛ "وهي أن يكون بينك وبين إنسان مال فتقسمه على السواء فذاك هو العدل، فإن أحسنت إليه من شطرك فذلك هو العـدل والإحسان (22) الذي أمر الله به".ولازال يراجع هذا المبدأ ويطوره إلى أن انتهى به إلى إنفاق تسعة أعشار والاحتفاظ لنفسه بالعشر (23). وقد جر عليه هذا الإغداق في الإنفاق عداء الفقهاء والمتنفذين في الدولة الذين لم يكن همهم من الوصول إلى تلك المناصب سوى التقرب من أولي الأمر، وما يدخل في بطونهم، والاعتزاز بهيبة السلطة وتحكيم السلطوية في رقاب العبـاد، وما قد تدره من بسطة في المال وتملك للضياع والعقار. قال أبو بكر الفقيه : قلت لأبي العباس ما للعلماء يعادونك ويكرهونك فقال: لأنني موقن بخير الله تعالى حيث قال ["وما أنفقتم من شيء فهو يخلفـه وهو خير الرازقين" وهم غير موقنـين بذلك (24)".
4 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : مبدأ أزعج السلطة الموحدية لأنها تعلم بعده السياسي. ألم يصطنعه ابن تومرت في تغذية وتأجيج حنق الأمة على المرابطين؟ ومن ثـم فإذا كان ميدان تعاليم الفقهاء المسجد، ومجال تداول الفلسفة قصور الملوك وبيوتات الوزراء والفئة المتنورة، فإن مجال دعوة أبي العباس السبتي قد راوحت بين مؤسسة تدريس الطلبة في فندق مقبل حيث كان يعلم العربية والحساب، ومجال آخر أوسع بكثير من الفضاءات المحدودة، إنه حاضرة مراكش بساحاتها وأجنتها وأسواقها وأزقتها، يجوس خلالها بلباسه المتواضع، وبيده سوط حاضا الناس على التمسك بأصول الدين. "كان يمسك في يده سوطا يمشي به في الأسواق، ويذكر الناس ويضربهم على ترك الصلاة في أوقاتها، ولهذا لا غرابة إذا وشيت ترجمته بأسماء أجنة مراكش، وحوماتـها، وأسواقها على عهده؛ كبحيرة الناعورة، وباب الدباغين، وبحيرة الطلبة، وبحيرة وباب أغمات، وبساتين باب دكالة، وسوق الغزالين، باب تاغزوت... إلخ.
5- الصدقة : هيمن هذا المبدأ على بقية المبادئ، حتى قيل مذهب أبي العباس قائم على الصدقة والبذل، والذي استنتج ذلك هو ابن رشد، عندما قال: "هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود (25)". وأخباره مرتبطة بالصدقة فلا يأتيه أحد في أمر دقيق أو جليل إلا وأمره بإخراجها. قيل له لم لا تتكلم على الصلاة "فقال إنما تكلمت على العلة العظمى التي عمت وهي البخل (26)" كان لا يخرج إلى صلاة الاستسقاء إلا بعد أن يفتح أولو الأمر أهراءهم، ويتصدقوا بما فيها من المؤونة على المساكين، ولهذا لا عجب إذا سماه ابن عربي "صاحب الصدقة بمراكش (27)"
6- وإذا أردنا أن نركب رؤياه، فإننا نجدها تتمثل في محورين أحدهما عمودي يربط بين الذات وأوامر السماء المتمثلة فيما نزل به الوحي الأمين على سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، تتخلص به الذات من كل الموانع والشوائب التي ترين على القلب، وتحول بينه وبين تلقي التجليات، ولا يتأتى ذلك إلا عن طريق التدرج في مقامات السالكين. والمحور الثاني أفقي يرتبط بالأرض، بالمجتمع، يستمد عناصره ولألاءه من المحور الأول الذي يفعل فيه، يرتقي به من حال إلى حال عن طريق العمل والامتثال، بالجود ينفعل الوجود.
هذه الحركة المبتناة على هذه المنظومة التي حاولنا بناءها، أربكت السلطة الموحدية في بداية الأمر، ومخافة أن تكون متخللة بنزعات شيعية، أو تتغيى أهدافا سياسية، فقد عمدوا إلى مراقبتها، واستبطنوا نحلة صاحبها من خلال أجوبته على أسئلة استفزازية؛ كسؤال لم كانت الخلافة لمعاوية دون الحسن بن علي رضي الله عنه؟ ووجهة نظره فيما فعل بالحسين؟. وقول بعض السلاطين لأبي العباس وهو راكب: إلى متى تشير ولا تصرح (28). وله مع القضاة والفقهاء جولات.
فلما اطمأن الساسة لتعاليمه؛ لما رأوا فيها من بعد اجتماعي يساهم في التنفيس عن الأزمة الاجتماعية التي تعاني منها الدولة (29)، فهو يدعو إلى القناعة والتضامن والبذل وأن في المال حقا سوى الزكاة، كما أن تعاليمه تحث على بذل النفس "وسر الجهاد بذل النفس في مرضاة الله تعالى والتخلي عن كل شيء، وترك التعلق بأسباب الدنيا (30)" والدولة بحاجة إلى مجاهدين؛ فالإمبراطورية الموحدية شاسعة وإحكام القبضة عليها وضمان أمنها الداخلي والخارجي يتطلب حماة مهيئيين جسميا ونفسيا وعقديا لما أنيط بهم. لهذا لا غرابة إذا وجدنا أبا يعقوب المنصور ينتقل في حاشيته إلى جبل جليز، ويطلب من أبي العباس أن يدخل العاصمة مكرما، وأهداه دارا، ومدرسة، وساعده على الزواج، ورتب له جراية.
إن هذا التقارب والتجاوب بين السياسي والصوفي؛ بين السلطة الدنيوية الشرعية والصوفية لن تجد تفسيرها سوى في آلية التوفيق التي طبعت هذا العصر. فقد اهتم أولو الأمر بتوحيد المغرب العربي والأندلس(31) وانصرف هم أبي العباس السبتي، شعر بذلك أو لم يشعر، إلى التوفيق بين الكلام والتصوف، على غرار توفيق ابن رشد بين الحكمة والشريعة. وقد تبين لابن رشد أنه يلتقي مع أبي العباس في أصول رؤياه " هذا رجل مذهبه أن الوجود ينفعل بالجود، وهو مذهب فلان من قدماء الفلاسفة(32)". فبآلية التوفيق المهيمنة ابستمولوجيا يتسنى لنا فهم مجموعة من الإشكالات(33) الغريبة التي تقع الإشارة إليها في المصادر القديمة، كالتباع صاحب القرار السياسي يعقوب المنصور لأبي العباس السبتي، واعتماده شيخا من شيوخه في سلوك طريق القوم، ويعزو البعض هذا التقارب، أو الاستسلام للصوفي، إلى أزمة ضمير عاشها المنصور عندما أملت عليه الظروف السياسية أن يضحي بأخيه مخافة أن يستأثر بالإمارة دونه (34). وبتلك الآلية أيضا يمكن فهم النهاية الغريبة التي وردت في الإعلام، والمتمثلة في ترويض الصوفي أبـي العبـاس للسياسي يعقوب المنصور(35)، وعندما أحس هذا الأخير بأن الشيخ قد استهواه وتملك وجدانه بادر إلى تسليم السلطة السياسية لخلفه، وتفرغ بعد ذلك لأبي العباس السبتي، واتبع سبيله متخففا من أمانة الإمامة الثقيلة، وكأن لا اتفاق بين السياسي والحب الإلهي، بين الاحتيال في تدبير الآني، والمعتقد الرباني "فسلم يعقوب المنصور نفسه له – لأبي العباس – وأنزل نفسه منزلة خادم وفتح له على يده، وترك الملك وسلمه لابنه واشتغل مع الشيخ وثبتت قدمه في الولاية (36)".
إن كل ما قدمناه يدخل في إطار ما أسميناه بالصلاح الفعلي.
- مؤسسة تأطير فعالية الصلاح.
لقد انقطعت طريقة أبي العباس بموته، وتولى مذهبه، ولم يستطع أحد من ملازميه المحافظة على مهيعه؛ نظرا لصعوبة طريقته القائمة على الإنفاق العريض من غير خشية فقر "هي مبنية على البذل والإيثار الكلي، فلم يستطع أن يسلكها بعده أحد من أصدقائه بل ولا في حياته (37)". لقد انتهى المطاف بأبي العبـاس في الصدقة إلى بذل تسعة أعشار(9/10) مدخوله، والاحتفاظ لنفسه وعائلته بالعشر (1/10). فكلما سما السلوك وتعالى المقام إلا وحصل تضاؤل الاهتمام بالمادي وازدادت حصة الإنفاق.
بعد وفاة أبي العباس ومواراة جثمانه بمقبرة سيدي مروان، خارج باب تاغزوت - بنفس القبر الذي سبق له أن ضم رفاة ابن رشد حسب الرواية الشفوية، لمدة لم تتعد مائة يوم حيث حمل جثمان الفيلسوف وأوقار من كتبه إلى قرطبة؛ لترحل الفلسفة إلى الأندلس ويتجذر التصوف هاهنا- سيصبح قبر أبي العباس مزارا لعامة الناس وخاصتهم، وبتراخي الزمان سيظفر بتقدير كبير لم يتح له التمتع به طيلة حياته، وتلك جبلة في المجايلين لخصتها المأثرة التالية "المعاصرة حجاب". قال صاحب المعزى : "وكان أهل مراكش اعتقادهم فيه خبيث، وكان يحلم عليهم ويحتملهم، وما ظهرت بركاته واتفقوا على محبته حتى كمل القرن الذي مات فيه، وحينئذ اتفقت القلوب على محبته(38)". وقد ترتب على هذا التقبل المزيد من التعلق بقبر الشيخ والدعاء عنده، استنادا إلـــى أن الكرامات لا تنقطع بموت الولي. قال أبو العباس ابن عاشر "الكرامات لا تنقطع بموت الولي، وهذا أبو العباس السبتي كراماته بعد موته أشهر من حياته. وقال أبو العباس زروق لما تكلم على الزيارة ولاسيما ممن ظهرت كراماته بعد مماته أكثر من حياته كالشيخ أبـي العبـاس السبتـي (39)". وقال أبو العباس أحمد الخطيب القسطنطيني : (ت. 810 هـ/1407 م)، "فإن قلت هل تنقطع الكرامة بموت صاحبها أم لا؟ قلنا: لا تنقطع بموته، بل تظهر، فكثير من لا يعرف في الحياة تشتهر بركاته بعد الممات، وتلوح عند قبره البركات، ولقد حضرت عند الولي على لتحقيق؛ وهو الشيخ الحاج الزاهد الورع الصالح أبو العباس أحمد بن عاشر الأندلسـي (ت 764 هـ أو 765 هـ/1363 م) بمدينة سلا في عام ثلاث وستين وسبعمائة، سأله أحد الفقراء عن هذا الفضل فأنكر عليه سؤاله وقال: لا تنقطع الكرامة بالموت، انظر إلى السبتي، يشير إلى الشيخ الفقيه العالم المحقق أبي العباس السبتي المدفون في مراكش، وما ظهرت عند قبره من البركات في قضاء الحاجات بعقب الصدقات، ولقد وقفت على قبره مرات وسألت الله تعالى في أشياء يسرها لي، منها سؤالي أن أكون ممن يشتغل بالعلم ويوصف به، وأن ييسر علي فهم كتب كنت عينتها فيسر الله على ذلك فــي أقـرب مـدة (40)".
ونظرا للاقتناع والتسليم بتجدد الكرامات وقد زكتها مثل هذه الفتاوى، وزاد في تمكينها وتقويتها مسلكيات من يقتدي بهم من العلماء وذوي النفوذ، فإن سيرة الشيخ أبي العباس، لم تنته وتختتم بوفاته بل إنها ستبقى مفتوحة على العصور المتوالية "فالإنسان العظيم لا يعرف إلا عن طريق الآخرين، ويقال : إنه خالد، ونفهم من ذلك أنه يمتد في الزمان ويعطي دلالة لحاضر الجماعة عبر موت كل فرد من أفرادها (41)". وهكذا فإن تراخي الزمان، وتبدل الظروف، وظهور المستجد من الملابسات، كل ذلك وغيره، سيعمل على الجمع بين ما بدا من ذي قبل متصارعا؛ وسيصطلح في القرن 8 هـ الكلام والشريعة والتصوف. وقد عبر عن هذا الحوار الحميمي بين هذه العلوم والمسلكيات صاحب المرشد المعين ابن عاشر بقوله:
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك.
إن بوادر إقامة ما أسميناه بمؤسسة تأطير الصلاح ستظهر في هذا العصر الذي تم فيه ذلك الاصطلاح ونقصد به العصر المريني. فهذا ابن الخطيب (713 هـ-776 هـ)، يزور قبر أبي العباس السبتي ويحدثنا عن اهتمام ذوي الحاجات بمزاره وعن كيفية استفادة الفقراء من الصدقات المودعة بإزائه يقول:"وروضته بباب تاغزوت، أحد أبواب مراكش، غير حافلة البناء، وربما تبرع متبرع باحتفالها فلا تساعده الأقدار، وزرتها وربما شاهت بداخلها أشياخا من أهل التعفف والتصوف، يسارقون خفية الناظر إلى مساقط رحمات الله تعالى عليها لكثرة زائريها. فيقتحم ذو الحاجة بابها خالعا نعله مستحضرا نيته، ويقعد بإزاء القبر، ويخاطب بحاجته، ويعين بين يدي النجوى صدقة على قبره، ويدسها في أواني في القبر معدة لذلك، ومن عجز عن النقد تصدق بالطعام ونحوه، فإذا خف الزائرون آخر النهار، عمد القائم إلى التربة إلى ما أودع هناك في تلك الأواني، وفرقه على المحاويج الحافين بالروضة، ويحصون كل عشية ويعمهم الرزق المودع فيها وإن قصر عنهم كملوه فــي غــده.
وترافع خدام الروضة لقاضي البلد، وتخاصموا في أمر ذلك الرزق المودع هناك، فسألهم القاضي عن خرجه في اليوم، فقالوا : يحصل في هذه الأيام، في اليوم الواحد، ثمانمائة مثقال ذهبا عينا، وربما وصل في بعض الأيام لألف دينار فما فوقها. فروضة هذا الولي ديوان الله تعالى في المغرب لا يحصى دخله ولا تحصر جبايته؛ فالتبر يسيل، واللجين يفيض، وذوو الحاجة كالطير تغدو خماصا وترجع بطانا، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
قال : وأنا ممن جرب المنقول عن القبر، فاطرد القياس، وتزيفت الشبهة، وتعرفت من بدء زيارته ما تحققت من بركته، وشهد على برهان دعوته (42)".
وتحليلنا لهذا النص سيتناول مقومات مؤسسة أبي العباس السبتي خلال العصر المريني :
مرجعية هذا النص الزمانية تحيلنا على تاريخ نكبة ابن الخطيب مع سلطانه محمد بن يوسف الملقب بالغنى بالله ملك غرناطة، فقد ثار عليه أخوه الأمير إسماعيل في 28 رمضان 760 هـ/1358 م، فوفد إلى فاس سنة 761 هـ/1359م، صحبة الوزير ابن الخطيب، وخلال هذه الرحلة الاضطرارية أو سمـها لجوءا سياسيا، كتب ابن الخطيب الكثير، وطوف بالمغرب حيث تعرف على أعلامه، ووقف على أضرحة أوليائه ومن بينها ضريح أبي العباس السبتي يقول : "كان سيدي أبو العباس السبتي - رضي الله عنه – مقصودا في حياته مستغاثا به في الأزمات (43)".
المقوم الأول من مقومات هذه المؤسسة : القبر أو مدفن الولي، وسماها ابن الخطيب روضة، والمغاربة إلى اليوم يطلقون على المقبرة نفس الاسم، علما بأن الروضة في اللغة كما جاء في اللسان : "هي الأرض ذات الخضرة، والروضة البستان الحسن، وأروضت الأرض وأراضت ألبسها النبات... قال صلى الله عليه وسلم : بين قبري، أو بيتي ومنبـري، روضـة من ريــاض الجنة(44)". ولعلهم عدلوا عن التسمية الأولى إلى التجوز الثاني على سبيل التيمن. وحيث إن تيمة الروضة توحي بالخضرة والغدق وتدفق المياه والتناسق وتداخل الألوان، فإن مظهر روضة أبي العباس السبتي بباب تاغزوت في القرن الثامن ليست كذلك، فمن هم ببنائها من الموسرين فإن الظروف لا تسعفه، وطبعا فإن ما أتى على الروضة ما هو إلا جزء مما أخنى على المدينة بـأسرها. يقول ليون الإفريقي 888 هـ /1483 م – بعد 934 هـ 1528 م) متحدثا بأسى واسف عما آل إليه مسجد الكتبية وحيها، وما فجعت به المدينة بصفة عامة إبان العصر المريني : "والواقع أن هذا الجامع – الكتبيين – من أبهى معابد العالم، لكنه اليوم مهجور؛ لأن سكان مراكش تعودوا ألا يقيموا فيه غير صلاة الجمعة ولأن المدينة قليلة السكان جدا، لا سيما في الحي المجاور لهذا الجامع، وحتى الوصول إليه يتعذر كثيرا بسبب أنقاض الخرائب المتراكمة في الطريق، وكان تحت رواقه قديما نحو مائة دكان للكتبيين لم يبق منها ولو دكان واحد.
إن ثلثي هذه المدينة المسكينة غير مسكون... ويمكن أن نقول حقيقة إن هذه المدينة شاخت قبل الأوان (45). وكما أناخ الأسى على نفسية ابن الخطيب فالمدينة بدورها لم تسلم من تبعاته فهي متجاوبة مع الوجدان المكلوم لابن الخطيب.
المقوم الثاني : القيم على الضريح.
المقوم الثالث: الزوار، وقد سجل ابن الخطيب كيفية الزيارة والتوســل إلى الله عنـــد الضريح إلـى أن يقدم الزائر بين يدي النجوى صدقة.
المقوم الرابع : الفقراء الذين يوجدون حول الضريح ويترقبون حظهم مــن مساقـط رحمات الله.
المقوم الخامس: أواني حول قبر أبي العباس تستقبل الصدقات التي تتراوح في اليوم الواحد بين 800 مثقال ذهبا عينا و 1000 مثقال.
المقوم السادس : معايير توزيع الصدقات على المحاويج الحافين بالروضة.
المقوم السابـع: تعتبر السلطة القضائية طرفا في هذه المؤسسة، ففي حالة المنازعات بين القائم على الضريح والمتفقرة، فإن القاضي يتدخل لإعـادة النظام إلى المؤسسة حتى تبقى مستمرة في أداء ما خطط لها مـن دور.
تلك نظرة موجزة عن مسيرة الرجل الصالح أبي العباس السبتي في قومه، بين رفض مسلكيته وقبولها بين حيرة الساسة في أمره وإقبالهم عليه وتوليهم عنه، ثم كيف تقبل بعد موته قبولا لا يتخلله رفض ولا تناوشه عداوة، خاصة بعد اصطلاح الكلام والفقه والتصوف، مما أدى إلى حسن اعتقاد الناس في صلاح أبي العباس، ومن ثم ابتدأت مؤسسة تأطير فعالية الصلاح في العصر المريني بسائر مقوماتها تواصل تمديد وتثبيت ولاية الشيخ وكراماته.

الإحــــــــــــــــــــالات

1- تخطيط المدينة الإسلامية قائم على بناء المسجد أولا ثم يشيد القصر بجواره، فالأسواق وعلى مبعدة من ذلك تقام الدور، ثم يأتي السور الذي يحصن ويحمي كل ذلك.
2- يرى ميشيل فوكو أن الفضاء لا يوجد أبدا في حالة خام محايدة، فلابد للسلطة الزمانية أن ثؤثثه بما يتلاءم مع توجهاتها. المجلة المغاربية مقدمـات العـــدد 4، ص : 24.
3- قد تقترن هذه الزيارة لدى العامة بعقد أقفال على شبابيك الضريح، أو ربط أشرطة من الثوب، ومما جرى أيضا على ألسنتهم أن الحاجة إذا لم تتحقق فإن الزائر منهم يرفع دعوى ضد أبي العباس إلى شيخ شيخه القاضي عياض دفين باب هيلانة.
4- ابن منظور : لسان العرب، مادة. صلح.
5- الراغب الأصفهاني : مفردات القرآن : مادة صلح.
6- نلاحظ التداخل بين البحث المعجمي والبعد الأخلاقي.
7- :271 :1.P G. Deverdin. Marrakech des origines à 1912. T
8- عبد الله العروي : مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي لبنان، ط I، 1994 ص : 173.
9- ابن الزيات : التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي، تحـ : أحمد التوفيق، منشورات كلية الآداب الرباط 1984، ص : 452-453.
10- ابن الزيات : نفسه: ص : 452.
11- ابن الزيات : نفسه: ص : 459.
12- عبد الله العروي : نفسه : ص : 156.
13- ابن الزيات : نفسه : ص : 451.
14- " " نفسه : ص : 463.
15- " " نفسه : ص : 474-475.
16- ابن الزيات : نفسه : ص : 451.
17- أبو نعيم : حلية الأولياء : ص : 4.
18- ابن الزيات : نفسه : ص : 467-468.
19- " " " : ص : 453.
20- أبو العباس السبتي : حزب أبي العباس السبتي.
21- ابن الزيات : نفسه : ص :453.
22- " " " : ص : 470.
23- " " " : ص : 476.
24- " " " : ص : 455.
25- " " " : ص : 454.
26- " " " : ص : 473.
27- العباس بن إبراهيم التعارجي : الإعلام بمن حل بمراكش و أغمات من الأعلام المطبعة الملكية 1974 ج : 1 ص : 259 و 271.
28- ابن الزيات : التشوف. ص : 461.
29- عبد الله العروي : نفسه ص : 164.
30- ابن الزيات: نفسه، ص : 452.
31- عبد الله العروي : نفسه ص : 143/144.
32- ابن الزيات: نفسه، ص : 454.
33- الدكتور محمـد مفتـاح : نظرية التلقـي، ص : 451.
34- العباس بن إبراهيم التعارجي : نفسه، ج/1، ص : 277.
35- " " " " نفسه، ج/1، ص : 276-277.
36- " " " " نفسه، ج/ 1، ص : 285.
37- " " " " نفسه، ج / 1، ص : 284-285
38- " " " " نفسه، ج / 1، ص : 277.
39- " " " " نفسه، ج / 1، ص : 276.
40- أبو العباس أحمد الخطيب القسطنطيني : أنس الفقير وعز الحقير، تحـ : محمد الفاسي
وأدولف فور، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي 1965، الرباط، ص : 6-7.
41- Entretien avec Serge Moscovici : psychologie des grands hommes، in communication : N° 42/1985. P: 173.
-42أحمد بن محمد المقري التلمساني : نفح الطيب تحـ : إحسان عباس، دار صادر، بيروت 1968، المجلد السابع، ص : 267.
43- المقري : نفسه، ص : 267.
44- ابن منظور : لسان العرب، مادة، روض.
45- الحسن محمد الوزان الفاسي المعروف بليون الإفريقي: وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ط II دار، الغرب الإسلامي، 1983ج 1/128-129.
 

www.almarrakchia.net - All rights reserved  2005- ©- موقع المراكشية - جميع الحقوق محفوظة 2005