معاملات خيالية ، نمط حياة
جاهزة ، قيم مضافة مريعة ، تلك هي حكاية "مستوطني المدينة القديمة "
التي يمكن نعتها بالربح السريع . أما أزقة المدينة فلازالت شاهدة على
ما فيها من البؤس والفقر.
يصيح الطفل مخاطبا الأجنبية التي أمامه "آمدام تبغي تشري دار؟ أنا
أعرف على الأقل 10 منازل للبيع" إن هذا الطفل لا يمزح : فخلف كل باب
خشبي مزركش منزل تقليدي أو رياض للبيع ، رياض ببهو شاسع وأحواض أنيقة. إن الأسرة التي تقطن هذا المنزل يمكنها أن تنزوي في غرفة علوية
وتعلن أنها مستعدة للتنازل عن الرياض مقابل 800 مليون سم. يقول أحمد
السمسار (وكيل عقاري) إن هذا الرياض كان ثمنه في السابق نصف هذا المبلغ
وسيصبح في العام المقبل 10,5 مليون درهم أو أكثر لهذا وجب الاسراع في
شرائه قبل فوات الأوان
"كل المدينة قابلة للبيع " هكذا قالت جاكلين فوسياك وهي مهندسة ديكور
أنيقة ومثيرة استقرت بمدينة مراكش منذ 30 سنة واشتغلت في ترميم
وتزيين منازل الطبقات الراقية ونجوم السياسة والفن والأعمال الأجانب
الذين سحرهم الجمال الشرقي للرياضات في مراكش . زبائن هذه السيدة
كثيرون ، كل النخبة الباريسية موجودة : وزير المالية السابق السيد
دومينيك ستروس ـ كوهن الذي هيأ رياضا بجوار رياض بيرنارد ـ هنري ليفي
، ومصمم الأزياء بول غوتييه الذي أنهى أشغال الترميم والديكور
المتعلق برياضه ، وكارل زيرو الذي لا زال في مرحلة البحث عن رياض ،
بينما المخرج السينمائي جاك دوالون والوزير السابق تيري دوبوسي
يعتبران من بين قدماء قاطني المدينة . لقد أظهرت دراسة جامعية
ألمانية نشرت في مطلع هذا القرن أن أكثر من 5000 أجنبي غربي يسكنون
في مدينة مراكش ، نصف هذا العدد فرنسي يتكون من رجال المال والأعمال
والصناعة ، محامون وأطباء فنانون مصممون كلهم استحوذوا على أهم
المواقع في المدينة القديمة . الرياضات الكبيرة بيعت كلها والباقي
ارتفع ثمنه وتضاعف عشر مرات. قصر كبير كان يساوي مليون درهم فأصبح
ثمنه يفوق مليون دولار.
انطلقت حمى شراء الرياضات بعد التحقيق الذي بثته قناة M6 الفرنسية في
غشت 1998 ضمن برنامج capital وهو برنامج صور قصور ألف ليلة وليلة
بمراكش والصويرة وأعلن أن ثمنها يساوي ثمن غرفتين في باريس . مباشرة
بعد ذلك انطلقت حمى مطاردة الكنز : أكثر من 100 رياض في المدينة
القديمة بيع في نفس السنة وأصبحت المتاجرة في الرياضات تجارة مربحة
جدا خصوصا بعد أمكانية تحويل الرياضات إلى نزل للضيافة أو الاستقبال
وتحولت بذلك أزقة بكاملها إلى مستوطنات يقطنها الغربيون الأجانب .
وفي أحياء معينة لم يبق من المراكشيين إلا من كانت له إرادة قوية
لمقاومة إغراء الربح
ليست المدينة القديمة
وحدها التي أصيبت بحمى الشراء بل تعدى الأمر خارج المدينة : ففي
منطقة النخيل بلغ ثمن الهكتار الواحد مليون ونصف درهم ومع ذلك لم تبق
بقعة أرضية واحدة للبيع. أما بجانب كولف أملكيس وهي منطقة راقية
مغلقة ومحروسة فقد بلغ ثمن المنزل الواحد في العمليات العقارية الأخيرة
أكثر من 6 ملايين درهم نفذت جميعها خلال أسابيع قليلة من الانتهاء
منها فقط . أولئك الذين اشتروا منازل قبل سنين باعوها بضعف ثمنها.
يقول المهندس إيلي موايال الذي أشرف على بناء قصر بيرنارد تابي : "إن
هذا الأمر أصبح يتعلق بأشخاص غريبي الأطوار متسرعين جدا ومستعدين
للأداء نقدا وفورا مقابل منزل يمكن أن يباع بنصف ثمنه" .
لماذا هذا الإقبال المتزايد على مدينة مراكش ؟ ليس في الأمر سر
فمراكش هي مدينة جذابة محاذية لجبال الأطلس، طقسها مشمس في أغلب الأوقات
ويبلغ 30 درجة طيلة السنة وهي على بعد ساعتين فقط من باريس وتتوفر
على عدد من ملاعب الكولف
الرائعة باعتراف متخصصين ، منازلها رائعة
وأرخص مرتيـــــن أو أكثـــــر عن مـــــنازل cote d azur أو luberon
. يضاف إلى كل هذا الطمأنينة والأمن اللذين توفرهما السلطات العمومية
المستعدة دوما لمعاقبة كل من يقدم شكوى ضد سائح وأيضا الامتياز
الضريبي الذي يجعل الأجنبي الحاصل على وضعية "مقيم دائم" يستفيد من
تخفيض ضريبي يصل إلى 30% في المتوسط .
واخيرا هناك نمط الحياة
التي تتميز بها مدينة مراكش . فالفرنسي الذي كان يجد صعوبة كبيرة في
تشغيل خادمة في باريس لساعات في اليوم أصبح في مراكش يتوفر على طباخة
وخادمة وبستاني وحارس . هنا في مراكش البرجوازي الباريسي يعيش كالأمير.
ولعل ما يؤكد هذا
المعطى تفسير مستثمر فرنسي لحبه لمدينة مراكش بقوله " إننا هنا نعرف
على الأقل ماذا يعني أن تكون متميزا …" وأيضا تبجح رجل أعمال آخر بكونه
لا يمنح لطباخه المغربي الحد الأدنى للأجور الذي لا يتعدى 1500 درهم
ويخصم منه 50 درهما عند كل خطأ يرتكبه بل ولا يتورع عن شتم خادمه عن
أتفه الأسباب ويقول لضيوفه بدون حرج "هكذا يجب ان يعامل هؤلاء…".
لهذا ليس غريبا أن يبدأ المراكشيون المعروفون بروحهم المرحة وتسامحهم
مع الأجانب يظهرون سخطهم على هؤلاء (النصارى الأجلاف) .
يقول عبد اللطيف أيت
بنعبد الله مدير "مراكش رياض" :" في البداية أي قبل خمس أو ست سنوات
كان الأجانب القادمون إلى مراكش يجهدون أنفسهم لفهم واحترام المجال
المحيط بهم أما الآن فقد أصبحوا يتصرفون كمستعمرين جدد…" بنفس المعنى
تقول "بريجيت بيركنس" وهي مصممة أزياء تسكن المدينة منذ أكثر من 5
سنوات "قدوم هؤلاء إلى مراكش جاء في إطار موضة أو إطار انتزاع ربح
سريع لهذا فهم لا يكترثون بمن حولهم …" ومع ذلك فهؤلاء يعرفون بالمقابل
أين يقطن المشاهير والنجوم . وسؤالهم الأساسي هو هل سيصبحون جيرانا
لإيف سان لوران وبيرنارد هنري ليفي . إن مراكش تمنحهم فرصة للاقتراب
ممن لا يستطيعون الاقتراب منه لو بقوا في باريس ، فمراكش تعرض الحلم
وفي كل مكان الربح يجلب الأنظار… ومع ذلك فالاهتمام الكبير بمراكش
ليس حدثا جديدا فمهندسو الديكور مثل بيل فيلس وجاكلين فوساك ومصممو الأزياء
مثل إيف سان لوران دشنوا موضة الاستقرار بمراكش منذ السبعينيات ولحق
بهم آخرون بعد ذلك.
لقد أصبحت المدينة الحمراء ممرا ضروريا للتجارة الدولية شأنها شأن
saint barth في جزر الأنتيل أو gstaad في سويسرا ، فالأمير بونيا
توفسكي صاحب شركة vogue سابقا في منطقة النخيل وعائلة بروندوليني
وعائلة أنييلي أصبحوا من المعروفين في المدينة . أما ورثة إيكسافي
xavier وهيرميس hermes وباتريك patrick فلكل منهم منزل واحد في النخيل
والآخر في المدينة القديمة .
قبل سنوات اشترى برنارد هنري ليفي قصر الزاهية الذي كان يقيم فيه آلان
دولون ضمن صفقة بلغت حسب بعض المصادر 11 مليون فرنك فرنسي آنذاك في
هذه المنطقة الاستراتيجية التي لا تبعد عن مواقع مهمة في المدينة إلا
بأمتار.
صحيح أن المنظر الذي تطل
عليه فيلات حي الليمون lesorangers هو منظر خيالي لكن الدور المحيطة
بهذه الفيلات وفي كل المدينة القديمة هي شبيهة بأكواخ قدرة ، كل غرفة
تتكدس فيها أسرة بكاملها وقنوات صرف المياه غير موجودة ومظاهر البؤس
بادية للعيان وتخنق الأنفاس أما الأجور فهي هزيلة جدا ذلك أن المعلم
في الصناعة التقليدية وهو صاحب كفاءة عالية يتقاضى حوالي70 درهم في
اليوم وصانعة السلال تربح 30 درهما في اليوم.
صحيح كذلك أن هؤلاء المستوطنين الجدد يشغلون اليد العاملة ويقومون
بترميم وإصلاح منازل عجز أصحابها عن إصلاحها إلا أن ما يحدثونه من
صدمة ثقافية هو أمر عنيف بالنظر إلى من يحيط بهم من متسولين ومعاقين
ومشعوذين وبائعي رؤوس الأغنام وغيرهم …وفي هذا الإطار وبالنظر أيضا
إلى الجدران المهترئة للأزقة والوحل الكثيف وقت الأمطار يتذكر أحد
المراكشيين يوم حفل زواج بنت الأمير جان بونياتوسكي بالمغني الشهير
مارك لافوان كيف كانت الأحذية الفخمة للمدعوين تنغمس في الوحل
الذي يغطي الأزقة ويقول :"غير معقول… لماذا يأتي هؤلاء الأمراء
والندماء إلى هنا بسيارتهم الفارهة وتجهيزاتهم الكبيرة …"
من المستوطنين أيضا هنا في المدينة المهندسون ومصممو الديكور
(حقيقيون ومزورون) يقدر عددهم بعدد المتسولين ، فالمنافسة بين
المستوطنين على أشدها في كيفية تصميم وهندسة المنازل وتزيينها، حاليا
حاز منزل مسير لشركة لوريال loreal على سعفة الذوق الجميل ، بل هناك
من يتنافس في العبث كتجهيز منزل بمصعد كهربائي علما أن المنزل لا
يتوفر إلا على طابق واحد أو تشييد مسابح على شكل "جاكوزي" فوق السطح
ومنهم من يقدم رشاوي ضخمة للحصول على حق بناء طوابق إضافية تفوق
بكثير الحدود المسموح بها قانونيا في المدينة
كلهم يتحدثون عن شاعرية المدينة وروائحها المثيرة وألوانها الزاهية ولكنهم
كلهم لا يخرجون من بيوتهم للاستمتاع بذلك إلا نادرا فخروجهم لا يتم
إلا للذهاب إلى مطعم أو سوق … ففي داخل البيوت تقام الحفلات وتتم
الاستقبالات المبهرجة . يقول أحد منظمي الحفلات "…هنا في مراكش
يمكننا أن نفعل كل ما نتخيل : تغيير الديكور وتحويل الأماكن .. ليس
هناك أحلام لا يمكنها أن تتحقق"
ومع ذلك لن يكون مصطفى في مستوى أدولفو فيلاسكو منظم الحفلات ومالك
معرض المنتوجات الأثرية ، هذا الشخص الأنيق ببذلته البيضاء ونظارته
السوداء يعد رائدا للحياة الاجتماعية الراقية في مراكش فهو ينظم
الحفلات في قصر المامونية ويستقبل كل مشاهير العالم مثل أميرة موناكو
كارولين وأخ فرنسوا ميتيران . من هنا فمن لا يملك استدعاء حفل في كل
يوم لا يمكن اعتباره منتميا لمدينة مراكش
يبقى استثناء في هذا الاطار ويتعلق الأمر بمنتج العطور سيرج لوتنس
المعروف لذى المراكشيين خصوصا قاطني درب البارود الذي استقر في
المدينة منذ مدة طويلة وكرس جهده جهده لتجديد 15 رياضا في نفس الوقت
.إنه استثناء فعلا خصوصا في بلد حتى أغنياؤه يتاجرون في بيوتهم
نعم إن هذا الموضوع من الطابوهات المسكوت عنها ولكن الربح فيه مضمون
: فسومة كراء رياض جميل قد تصل إلى مليون ونصف سنتيم لليلة وهو ثمن
غال بكل تأكيد لكنه يضمن إثارة أكثر من السكن في فندق . ويكاد أن
يكون إيف سان لوران هو الوحيد في المدينة بدون شك الذي امتنع عن جعل
منزله نزلا للاستئجار…
ويمكن القول في الأخير إن المنافسة شديدة وغير متكافئة في هذا المجال
وأن العمليات والصفقات تتم في صمت وهدوء وبين أناس من نفس الطينة
ولهم نفس الأهداف ويبقى السؤال هل الأمر يتعلق بالربح أم لا؟
عن
جريدة معالم جهوية (ترجمة عبد الجليل سربوت)