almarrakchia


يوغوسلافيا ... ومدينة مراكش

حرر بتاريخ 29/07/2017
عبد الصمد الكباص

هذه الوجوه أسماء لثقافات تناوبت على ذات المكان ، صنعت حياته ، و حولته إلى أسطورة، لا تعترف بها مراكش اليوم . إنها وجوه متقابلة في ذاكرة لا يسهر أحد على حماية آثارها .


يوغوسلافيا ... ومدينة مراكش
 
لن تجد اليوم أثرا ليوغوسلافيا في خريطة العالم السياسية ، لن ترصد موقعها بغرب البلقان و جنوب شرق أروبا ، لكنك ستعثر عليها بمراكش . انمحى الاتحاد اليوغسلافي من جغرافيا عالمنا ، واختفت حدوده بعدما جرفتها رياح انهيار حائط برلين ، و مزقت أطرافها الحرب المدمرة بكلفة دموية هائلة ، لكنها هنا في مراكش صامدة ، لها تراب و حدود و حتى نفوذ .
في مراكش ، يوغوسلافيا اسم لزنقة كبيرة ، تمتد عابرة شوارع مهمة في قلب جليز ، تربط مابين شارع محمد الخامس و شارع الحسن الثاني . لم تأبه للتقلبات الجيوسياسية التي عصفت بالعالم و محت دولا و ولدت أخرى . و ظلت الزنقة تحمل اسم كيان بائد لم يعد له وجود منذ سنين طويلة ، كما لو كانت المدينة متحفا للكيانات السياسية المنقرضة .
زنقة يوغوسلافيا ، متحف حقيقي لذاكرة مهملة بالمدينة الحمراء . على امتدادها تواصل أطلال بنايات كان لها شأن و قيمة ، و بعضها يقاوم إلى اليوم . هناك أولا بناية الإذاعة الجهوية ، التي ليست هي مجرد مكروفون مفتوح على الأثير و لكن ذاكرة بقيمة عالية ، أرشيف صوتي لعظماء القرن العشرين ، من كبار الفنانين الذي مروا من مراكش و الكتاب و المفكرين و السياسيين ، الذين ماتوا و ظل صوتهم حيا مجلجلا . أرشيف الإذاعة الجهوية بمراكش ، كنز ثمين دعا الكثير من المثقفين و منذ سنين إلى ضرورة حمايته ، و توثيقه ، فيه نعثر على صوت بدر شاكر السياب و أدونيس و سعدي يوسف و أم كلثوم و يوسف إدريس و بلند الحيدري ، و زعماء الحركة الوطنية و كبار الفنانين من عيار مولاي عبد الله الوزاني عراب طرب الآلة بالمدينة ، و مثقفيها ، و منهم أسماء لم تعد تذكر ، و رياضييها .. دون أن ننسى أصوات كبار إعلامييها . هذا الأرشيف ، لو توفر لمراكش مسؤولين محليين في حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم ، لأحاطوه بأصابع من ذهب . لأنه ذاكرة مراكش الحديثة الموثقة صوتا . إنها وجه جميل لمراكش الحية . قرب الإذاعة ، ثبتت لافتة معدنية صغيرة كتب عليها « زنقة يوغوسلافيا .»
زنقة يوغوسلافيا هي أيضا « سيتي فوكيه « التي تسمى في عرف بعض المراكشيين بدرب الصبليون ، فيما يقول البعض الآخر أنه منذ أزيد من ستين سنة كان يسمى بدرب الطليان ، أما درب الصبليون فهو المتواجد خلف تجمع المطاعم المختصة في المشويات ( بجكني) بجليز . تحافظ سيتي فوكيه على روح البنايات البسيطة المركبة في انسجام مع شريط أخضر من الأشجار التي تقابل أبواب هذه البيوت ، و منها أشجار التوت الكبيرة .
و غير بعيد عن «سيتي فوكي « تنتصب أطلال فندق الكتبية ، الذي تحولت غرفه و أجنحته إلى ما يشبه بنايات بيروت في عز الحرب الأهلية . الفندق يشهد في زمانه على أيام جميلة لجيل من الزوار الذين كانوا يجدون في مراكش لحظة استثنائية لحكمة البساطة التي تحتضر .
تحتفظ مراكش بيوغوسلافيا ، رغم أن التاريخ شطب عليها من دفتر حاضره ، و لكنه يدخر منها اسما كبيرا ، هو المارشال تيتو . اليوم يمر المراكشيون من زنقة يوغوسلافيا دون تعني لهم شيئا ، أو تثير التسمية اهتمامهم . لكن وفود الأجانب الأروبيين ما يكادون يرمقون اللوحة المعدنية التي تحمل اسم الزنقة ، حتى يتقافزون فرحا كما لو كانوا أطفالا عثروا على لعبة ضائعة ، و يشرعون في التقاط صور لهم قرب اللوحة تذكارا لما أتلفه التاريخ .
لا تذخر مراكش فقط دولا انقرضت ، لكنها أيضا الفضاء الذي يمكن أن يفاجئك في أية لحظة و عند أقرب منعرج أو التواء ضيق بأحد ممراتها العتيقة ، بإشارات نادرة لأشياء و منتوجات محاها التطور السريع للإنتاج و التصنيع. هناك مثلا تصادف على واجهة متاجر لم تغير من شكلها منذ ستين أو سبعين سنة، لافتات إشهارية لمشروبات انقرضت منذ عقود منها : كندا دراي ، أو يوكي ، أو بيان كولا أو أبلا ، أو لا سيكون بطائرها اللقلاق الماكر، و مشروبات محلية كخريف و أطلس، تبعث فيك عند رؤيتها الحنين لزمن ولى . و في هذه الالتواءات أيضا ، في قلب المدينة العتيقة ، تفاجئك محلات بعينها ، لحلاقين ، أو موسيقيين ، أو خياطين تقليديين ، و هي تحافظ على تلك الصورة الأسطورة للراحل محمد الخامس بطربوشه الوطني ، والشهيرة بإطارها المعدني الذهبي اللون ، و إلى جوارها صور جمال عبد الناصر و جواهر لال نهرو و سوكارنو ، تلك الصور التي تختزن ذلك الإحساس الوطني الذي عمر قلوب جيل بكامله .
يقال أن زنقة يوغوسلافيا ، كانت تسمى قبل ذلك ، بشارع الاسكندر الأول . و فيها عاشت مراكش الفرنسية أمجادها . من يذكر الآن قاعة سينما باريس و سينما بلاس و سينما اللوكس ، التي فجرت خيال وأحلام فئة عريضة من شباب مراكش. تلك القاعات التي تنتمي إلى نسيج واحد ، هو مراكش الفن و الجمال و الحياة الخفيفة ، التي لم يتبق منها اليوم سوى الحكايات و الذكريات






1.أرسلت من قبل Charaf Moussa في 19/09/2013 21:26
Thank you.

تعليق جديد
Facebook Twitter

من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية







Facebook
Twitter
Rss
Newsletter
Mobile