almarrakchia


عبد الجبار لوزير : هذه هي الأغاني نسمع .. وهذه مقهى الْمصْرَف بمراكش

حرر بتاريخ 24/09/2017
عبد الصمد الكباص


عبد الجبار لوزير :  هذه هي الأغاني نسمع .. وهذه مقهى الْمصْرَف بمراكش
في الزمن الجميل بمراكش، كان الناس يؤلفون جمعيات حسب ذوقهم. العاشقون لمحمد عبد الوهاب، والمحبون لصوت أم كلثوم، والمفتونون بفريد الاطرش والمتحمسون لعبد الحليم حافظ، كل على حدة، ينتظمون في منتديات فنية يجمعهم تذوقهم الخاص لهذا الفنان أو ذاك. يعقدون سهرات منتظمة بمنازلهم للإنصات المشترك لجديد فنانهم المفضل.. كان للمغاربة ذوق مصقول وتأنق في الانتماء الى الحياة..
في صغري كان محمد عبد الوهاب فناني المفضل، إنصاتي الذي به أسعى الى تجميل يومي. في نفس الفترة كان فنانون كبار لهم عشاقهم الى جانب من ذكرت سابقا، كعبد العزيز محمود صاحب الاغنية الشهيرة طاكسي الغرام التي أداها في الشريط الذي يحمل نفس العنوان، وتقاسم فيه البطولة مع زوجته هدى سلطان.
لم يكن لي ما يكفي من الإمكانيات المادية لاقتناء الاسطوانات وجهاز الفونو. لذلك كنت أقصد إما مقهى المصرف قرب سيدي ميمون أو مقهى مولاي عبد السلام بمدخل درب ضبشي على اليمين. كان المحلان يتنافسان في تقديم جديد الفنانين الكبار لزبنائهما.
نزهة الروح، هذا ما يليق كلقب لمقهى المصرف. جدول ماء يعبرها والنباتات الخضراء والورود تحفها. نجلس فوق الحصير الذي يفرش جزءا منها والجزء الآخر تتجاور فيه موائد صغيرة تحت سقف من القصب والدوالي.. بعض الرواد ينتشون برشف القهوة أو الشاي وتدخين الكيف. ينتشرون فوق الحصير والى جانبهم السبسي والمطوي والحكايات المشوقة والغناء الجميل الذي يتجول بينهم منبعثا من الفونو. كان بستان متع مقتطع من الزمان. 
بعض رواد المقهى يأتون مصحوبين بسجاد يفرشونه فوق الحصير. أولئك متصنعو التأنق. بعد أذان المغرب يفرغ المقهى عن آخره،لأن زبناءه يتوجهون الى جامع الكتبية القريب جدا لأداء الصلاة. يتركون كؤوسهم في أماكنهم الى أن يعودوا. بعدها يمتلئ المقهى مجددا.
كنت أناوب بين المقهيين. يوم أقصد مقهى مولاي عبد السلام واليوم الموالي أذهب الى المصرف. ومن التقاليد الرائقة لرواد المحلين أن عشاق فريد الاطرش مثلا يمنحون بقشيشا للنادل لكي يشغل أسطوانة لهذا الفنان، وكذلك يفعل محبو أم كلثوم أو محمد عبد الوهاب.. فتتضاعف متعة الزبناء بالإنصات لكل الاصوات الجميلة وتحلق الأنغام بينهم كالفراش مشفوعة بخرير مياه «المصرف» والنسائم المتسللة بين القصب والدوالي والازهار...
وأنا متجه الى المقهى كنت أصحب معي قليلا من السمن، وأطلب من النادل كأس قوة سوداء، فيأتيني بكأس كبير. أمزجه بملعقة من السمن. كانت هذه عادة رائجة في ذلك الزمان. القهوة كذلك كان مذاقها رفيعا برائحة مدوية وشهية.. وكان من الزبناء من يفضل «أتاي المغلي» الذي يعد في «الزيزوا»..
ظهرت كوكاكولا ،فأصبح لها زبناؤها في المقهى. بعدما كان رائجا من المشروبات الغازية هي لاسيكون بيضاء وكروش، كانت تصنع بمعمل لاسيكون قبالة محطة القطار. لتبريدها يجلب الثلج من محلات بيعه المتواجدة إما بكليز أو جامع الفنا أو أزبزط...
أغنية «جندل» كانت الأقرب الى قلبي من تراث محمد عبد الوهاب حينها. كنت أحفظ كل أغانيه عن ظهر قلب. عندما نخرج للنزاهة يكون على كل واحد منا أن يؤدي أغنية حسب اختياره. وإذا لم يستطع لقبح صوته أو انحرافه عن المقام الموسيقي (عسري)، ينوب عنه أحد أصدقائه، كنت حينها أؤدي أغنية «اجري.. اجري» لمحمد عبد الوهاب.
في العادي من الايام كنا نقصد مقهى «المصرف» بعد انتهاء عملنا من تدباغت، كنا نغتسل جيدا ونرتدي ملابسنا ونأخذ وجهتنا. الجلباب كان لباسنا العادي وتطورنا بعد ذلك فصرنا نلبس بأسلوب عصري: السروال والقميص، كان ذلك بداية عصر «التفركيس».. من قبل كان السائد هو القشابة والجلابة والرؤوس العارية بالكطاية والعرف والكرون.. ومع ذلك كان الناس سعداء في بساطتهم ولهم متسع من الوقت للحب والاستمتاع. كانوا أغنياء بقلوبهم..





من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية







Facebook
Twitter
Rss
Newsletter
Mobile