almarrakchia


خبز الشعير أو " الكرعين" .. متعة مراكش لمن يستيقظ باكرا

حرر بتاريخ 03/08/2017
عبد الصمد الگباص


ا" خبز الشعير " ، هكذا يسمى و هكذا داعت شهرته . وجبة الخامسة صباحا في ربوع سوق القصابين بمراكش العتيقة على مقربة من درب ضباشي و ممر الفوالة و البياضة ، و هو السوق   الذي لم يبق له من هذا الإرث سوى الإسم . لا داعي للاكتراث بنصائح الأطباء كوجوب الابتعاد عن الأطباق الدسمة و الكوليسترول . هنا حمية أخرى .
 
لا علاقة لهذا الاسم بالخبز الأسود الذي امتدحه الشعراء و انفتحت له شهية الفقراء مغموسا في زيت الزيتون ، مصحوبا بكؤوس الشاي الساخنة ، في ايام الشتاء الباردة . بل هو مطعم الكرعين الذي يجذب زبناءه من كل مكان في مراكش و في أوقات خاصة .
 
يعود هذا الاسم إلى لقب صاحبه الأصلي الحاج خبز الشعير بعمامته البيضاء و لباسه التقليدي الذي يعكس رزانة خاصة في الطبع و تُؤدة في المعاملة و بلاغة في القول مانحا محله الصغير في مساحته و الكبير في شهرته تقليدا خاصا .
 
في ساعات مبكرة من الصباح ( الرابعة صباحا) يستدرج " خبز الشعير " زبناءه الذين يحجون إليه من مختلف جهات المدينة لتناول وجبة فطورهم و الناس مازالوا نيام. لا يتعلق  الأمر هنا بعصير برتقال منعش أو قهوة ممزوجة بالحليب وكرواسان ساخن أو خبز بالزبدة و المربى و لا حتى بالشاي المنعنع و الخبز و الزيت أو قطعة رغيف أو "مُسمَّن" .. كما دأبت على ذلك عادات الفطور المختلفة . بل هي وجبة  دسمة قوية و لذيذة . إنه طبق الكرعين المشمول بكرم التوابل و بعناية الجمر الحامي .
 
المرق طبعا عماد الطبق . و عادة ما يُضاف إليه القليل من تلك الصفوة المعزولة في إناء خاص و التي يتجمع فيها نسغ الوجبة و نكهتها .
 
هؤلاء الزبناء يتكونون في الغالب من أشخاص تفرض عليهم مهنتهم الاستيقاظ الباكر كالذين يشتغلون بالمجزرة (الكرنة) أو أولئك الذين يعملون إلى وقت متأخر من الليل أو خريجي الأماكن المُعتمة و الصاخبة أو الذين أدركوا أن الحياة ليست سوى لذاذات صغيرة تُنتزع في أوقات استثنائية و عابرة .
 
يتناولون فطورهم و شمعة النهار لم توقد بعد . يفتتحون يومهم الجديد بطبق شهي و دسم مُشبع لم تحنطه رتابة الفطور العادي . بعضهم يقصد المحل مرفوقا بطنجرة ليملأها بالكرعين و يصحبها معه في نزهة مع أصدقاء له تحت الأشجار الوارفة الظلال و  المياه المتدفقة بمنتجع أوريكا أو إمليل أو تغدوين أو ويركان . هناك يكون افتتاح الصباح بوجبة كهذه بطعم آخر و متعة مختلفة. و إذا ما تأخر الزبون إلى غاية التاسعة صباحا فلن يعثر في المحل سوى على الأواني فارغة مغسولة لأن الوجبات تنفذ باكرا .
 
"خبز الشعير" جزء من هذه الوليمة المتنقلة التي تهيئها مراكش لسكانها و زوارها . أي تلك الخريطة من المتع المُستلذة المُهداة لأولئك الذين يعرفون جيدا كيف يجعلون من حياتهم تحفة جميلة تُنسج في تفاصيل صغيرة . أي أولئك الذين يبتكرون بإمكانيات بسيطة ما يجعل إقامتهم العابرة بالحياة إقامة مُبهجة و فاتنة .  أأأأ




من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية







Facebook
Twitter
Rss
Newsletter
Mobile