almarrakchia


جماعة مراكش الوطنية وجامعة ابن يوسف/ الجزء ٢

حرر بتاريخ 12/07/2017
ذ.محمد الطوكي / كلية آداب مراكش


جماعة مراكش الوطنية وجامعة ابن يوسف/ الجزء ٢
من تمثيلية أسماء الجماعة نلاحظ ما يلي:
1- إن الجماعة قائمة على طلبة ومشايخ تلك الجامعة، وهي منفتحة على التجار والحرفيين وباقي الفئات الاجتماعية المراكشية.
فالطبقة المثقفة بمشايخها وشبابها عملت على نشر الوعي الديني والوطني بين جماهير طلبة ابن يوسف، وكان فيهم ابن المدينة والآفاقي، وهؤلاء بدورهم حملوا حلم الحرية ومقاومة المستعمر إلى الداني والقاصي من أهاليهم. كما أن الدروس الليلية المخصصة لفترة ما بين العشاءين، سواء في جامع ابن يوسف أو غيره من المساجد الجامع منها والراتب، برمجت تلك الدروس بحيث باتت تحمل مضامين رمزية مضامينها تدين المستعمر، وتؤجج مشاعر المقاومة والتمرد. فدروس السيرة النبوية على سبيل المثال أوحت بأن الوطنيين يمثلون الصحابة – رضوان  الله عليهم – لأنهم يسيرون على نهجهم، وجعلت من صناديد كفرة قريش رموزا للاستعمار والخيانة. كما أن غزوات الرسول، عليه السلام، وسراياه كانت توحي بالصراع الدائر بين الحركة الوطنية والمستعمر الغاشم، وتبشر المقاومين بالنصر المؤزر، وتنذر الكافر، المستعمر، بالخسران المبين. ومما لازالت تحتفظ به ذاكرة من بقي من الوطنيين ممن حضر في الحفل الديني الذي أقامته جمعية شباب محمد، احتفاء بالهجرة النبوية في جامع ابن يسوف في غضون الأربعينيات، قول عبد الله إبراهيم في كلمة له بهذه المناسبة: إذا استحال الإنسان إلى فكرة أصبحت القوة في يد خصمه عملا سخيفا، وكذلك كان محمد عليه السلام.
2- الفضاء الرئيس الذي يوحد جماعة مراكش الوطنية هو جامعة ابن يوسف. هذه الجامعة ذات التاريخ التليد في العلم والنضال والوحدة المذهبية والسياسية للغرب الإسلامي.
- الفضاء الثاني الذي سمح بالتقاء أعضاء هذه الحركة، هو المدارس الحرة التي تعتبر امتدادا لجامعة ابن يوسف. فتحها مشايخ هذه الجامعة وبعض طلبتها، ودرسوا فيها إلى جانب إخوانهم اليوسفيين المواد الشرعية، واللغة العربية وعلومها، والتاريخ الإسلامي،والتربية على المواطنة الحق;القائمة على الحرية والمسؤولية ومصلحة الوطن فوق كل اعتبار, وهذه المواد حاملة للمقومات  الأساسية للهوية المغربية التي عمد  المستعمر في المدارس التابعة له إلى إلغائها أو إضعافها، والتقليل من أهميتها والازدراء بها وبأساتذتها. فبناء هذه المؤسسات "كان أساسه في الواقع هو الوقوف والتصدي لسياسة المستعمر، ولتخطيطاته الجهنمية الهدامة التي كانت تسعى أولا وقبل كل شيء إلى طمس معالم الطفل المغربي؟ وتضييق الخناق على لغته العربية، والقضاء بالتالي على مقوماته الإسلامية، وذلك ليتسنى للمستعمر أن يجعل من هذا الطفل المغربي الفتي لعبة تكون طوع يده الأثيمة، ليخلق منه الرجل الذي ترغب فيه الإدارة الفرنسية الاستعمارية" 22 كما نظموا في قلب هذه المدارس الحرة دروسا ليلية لعامة الشعب حاربوا بها الأمية، وغرسوا في روادها روح المقاومة الوطنية. "إن الواجبات التي كانت تستحوذ على اهتمام الحركة الوطنية من الناحية التربوية هي الحفاظ على الشخصية المغربية عن طريق سلسلة من المدارس الحرة. ثانية محاولة ربط هذه المدارس بتكوين وطني. ومن ثم فالفرنسيون كانوا يعتقدون بأن كل مدرسة أسست هي في الحقيقة مركز لتكوين أشخاص ضد فرنسا، فما كانت الحركة الوطنية تشعر أكثر من ضرورة الحفاظ على اللبنة الأولى في التكوين وهي المدارس" 23.
- الفضاء الثالث الذي يمكن إضافته هو البيوتات الخاصة بشباب الحركة اليوسفية وآلهم، وفيها يجري تكوين من نوع آخر، حيث تدرس كتب لا يسمح بتداولها في حلقات الجامعة اليوسفية، كتب فلسفية وأدبية وسياسية، وتقرأ الصحف المسموح بها والمحظورة، وتطرح القضايا  الثقافية والسياسية على طاولة النقاش والتداول.
- ولقائل أن يقول وماذا عن فضاء المقاهي العصرية الذي استنبته  المستعمر داخل المدينة وخارجها؛ ألم يكن مجالا للقاءات الأخوية والنقاشات الفلسفية والسياسية على غرار ما كان يجري في أوربا منذ القرن 18؟
فعلا وجدت بعض المقاهي العصرية داخل المدينة وبالضبط في محيط ساحة جامع الفناء منتجة الكلام ومستهلكته، حيث وجد آنذاك أيضا مركز مهم للشرطة وثكنة عسكرية، وكانت تلك المقاهي مجلسا لشرب الدخان وإدارة ما حل وحرم من المشروبات، ولهذا لا غرابة إذا كان للفقهاء اليوسفيين آنذاك 24 موقف منها، فأقل وأبسط علل ارتيادها، أن الجلوس فيها جلوس على قارعة الطريق وهو عيب قادح في   المروءة بصفة عامة فما بالك بخاصة الطلبة اليوسفيين.
وحتى لو سلمنا جدلا بارتيادها فإن ما يتداول بين جدرانها في أوربا لا يمكن طرحه أو مجرد النبس به في بلد مستعمر - بفتح الميم-  كالمغرب.
وعلى كل فإن هذه الجماعة الوطنية الجنوبية لم تسلم من تعسف المستعمر وقمعه، وبطش لكلاوي وجلاوزته، وتربص الخونة ومكرهم.
"إن تاريخ القمع الاستعماري في المغرب، هو الوجه الآخر السياسي في نفس الوقت لتاريخ الحركة الوطنية الإيجابي، مثلما ظلت الحرب أيضا، هي واقع العلاقات الفرنسية مع المغرب العميق إلى سنة 1934. وهكذا إذن هو الاستعمار!
لقد طلب الوطنيون، في إطار عقد الحماية، أقل جدا مما يعد به عقد الحماية نفسه، فسجنوا وعذبوا ونفوا وقتلوا، وأهينوا وشردوا، وشردت أسرهم أحيانا، وضويقت هي أيضا في حياتها العادية، أو قطعت عنها وسائل الارتزاق والعيش والكسب اليومي المشروع"  25.
إن درب الانعتاق شائك وللحرية ثمنها. وندرج في هذا المقام لا أقول نموذجا ولكن شيئا يسيرا مما قاسته جماعة مراكش الوطنية، بل الحركة الوطنية المغربية بصفة عامة. يقول عبد الله إبراهيم:
"وبتجرد عن أي حزازة في النفس، سنحاول أن نسوق بعض ذكريات هنا، إشعارا بثمن الحرية، التي هي الآن أمانة تحت مسؤولية الأجيال المغربية، وأنفس مكسب من مكاسبهم الوطنية العليا.
فهذا العالم الجليل، شيخ الإفتاء في مدينة مراكش العلامة المرحوم الحسين المسفيوي، 92 سنة، يخرجه الجلاوزة الأشرار ليلا من فراشه، ساعة بداية القمع الأكبر للمدينة التاريخية في سبتمبر سنة 1937. فينهالون عليه ركلا وضربا وينتفون لحيته وينعتونه بأقبح النعوت وياخذون بتلابيبه في الطريق إرهابا للناس، ليقودوه حافيا إلى معتقل ليلي، في انتظار الحكم عليه في الغد، بالسجن شهرا نافذا، بتهمة التشويش على السلطات والاتصال بالوطنيين، الذين كانوا يساقون بدورهم بالعشرات، في نفس الوقت، وأمام نفس المحكمة ليأخذ كل نصيبه من الاضطهاد السريع أمام العدالة الاستعمارية الطائشة.
وهذا الشيخ الوقور العلامة محمد بن الحسن الدباغ 79 سنة. مدرس سابق بمصر، وأستاذ سابق في مسجد باريس. وعالم من علماء كلية ابن يوسف بمراكش مختص في تدريس العقائد والمنطق والمقولات الأريستطاليسية والبلاغة وأصول الفقه، يقوده إلى السجن شرطيون من رعاع الأوربيين ووجهه ملطخ دما وسن من أسنانه الأمامية في يده، إذ أسقط على وجهه، عند هبوطه من سيارة جيب، على إثر ركلة مفاجئة سددها له أحد سفلة الشرطيين من الخلف، فانكب العلامة الجليل على الأرض، وأصيب وجهه برضوض، وسقطت إحدى أسنانه الأمامية علـى عتبـــــــة السجـــــن (أبو المهاريس) الذي سيق إليه ليقضي فيه يوما واحدا ونصف ليلة فقط، ريثما ينقل على جيب عسكرية إلى مدينة تارودانت في الجنوب، حيث أجبر على تنقية مجاري الوادي الحار فيها، ثم على تبليط حي اليهود مع جمع آخر من الشيوخ الأجلاء المدرسين في كلية ابن يوسف بمراكش ومع  القادة الوطنيين أيضا في مراكش.
ألقي القبض على مئات الأشخاص من بينهم شاعر الحمراء الشهير المرحوم محمد بن إبراهيم، والمحسن الوجيه الشيخ مولاي الحاج السراج فسيقوا إلى المحكمة بدورهم، مثلما يساق الأشرار وقطاع الطرق.
 
هذه نماذج مما جرى في الأقاليم المقموعة الأخرى بالمغرب 1937 وليس المهم هو لفت النظر لسوء التربية وقساوة المعاملة بقدر ما يهم مغزاها في تفكير إدارة الحماية القمعى.
وقد كان القمع الاستعماري بمراكش نظرا إذ ذاك لتأثير هذه المدينة التاريخية القديمة، روحيا وإعلاميا على كافة قبائل الجنوب، وفي داخل أقاليم الصحراء، التي لم تنته الحرب فيها (جبل صاغرو وقبائل آيت باعمران) إلا منذ سنتين فقط، قمعا يهدف إلى تحطيم الرموز التاريخية، والقيم التقليدية والوطنية، وتفكيك نظام التركيبة المعنوية للنسيج الاجتماعي المغربي وتفجير أسسها نفسيا، عند جماهير سكان الجنوب الكبير، وذلك بوسائل الإذلال المعنوي الطائش ، والتعذيب العلني المهين، والدفع بالسكان نفسيا إلى المازوشية والانخذال الجماعي والاستسلام في الأخير أمام المستعمر. وإلا فكيف يفسر تعذيب وإهانة العلماء والقادة الوطنيين في داخل كهوف الشرطة القذرة المظلمة ثم كيف يفسر أيضا، إجبارهم على تنقية مجاري الوادي الحار وتبليط الطرق العمومية أو نقل الصخور على الأكتاف العارية في الصحاري، (رحم الله الشهيد محمــــــد القري) 26.
إن هذا النمط من القمع الهمجي الذي طال المغرب بأسره يحدث في ظل حكومة فرنسية انبثقت عن انتصار الجبهة الشعبية في فرنسا، وكانت الحركة الوطنية المغربية ترى فيها محاورا متفهما لقضايا الشعوب المضطهدة. بيد أن وزارة ليون بلومLeon Blum أبت إلا أن ترمي  المغاربة بالجنرال نوجيس Noguès الذي عينته في منصب المقيم العام – أكتوبر 1936 – فقام لحينه باستخدام سياسة العصا الغليظة، وصم أذنه عن الإصاخة لأي مطلب، وانتهى به الأمر إلى  حل كتلة  العمل الوطني في سنة 1937. وقد أعقب ذلك مظاهرات عمت معظم أنحاء المغرب قمعت بشراسة وهمجية، وانتهت بنفي علال الفاسي إلى الكابون، ومحمد بن الحسن الوزاني إلى الصحراء، والزج بنشطاء مراكش إلى سجون تارودانت. كان هذا الضرب من القمع عاملا رئيسيا في سريان تيار المقاومة الوطنية في سائر مناطق المغرب. "لقد كان تصرف المستعمرين قاسيا ومهينا للشعب المغربي حقا، ولكنه أيقظه بعنف ووجهه إلى بذل النفس والنفيس، دفاعا عن الحرية" 27.
هـ - يشير هذا النص إلى البعد الديني الأساس في هذه الحركة الوطنية، وقد انعكس جليا في الإيديولوجية السلفية التي حمل لواءها في المشرق الشيخ محمد عبده. يقول عبد الله إبراهيم: "تنبغي الإشارة إلى أن التيار السلفي تياران؛ أحدهما ثوري وهو تيار جمال الدين الأفغاني، وآخر معتدل وهو تيار محمد عبده وهو فكر فقهي مستحدث، وهذا الأخير هو الذي كان له دور كبير في المغرب" 28.
فهذا التيار الديني الذي واجهت به الحركة الوطنية الإيديولوجية الاستعمارية، يرى أن ضعف المجتمع العربي، بما فيه المغربي، وتقهقره راجع إلى التنكر للدعوة الإسلامية. وفي إطار الإسلام "يميز بين إسلامين: إسلام متعال أصيل غير ملطخ بعوارض الزمان، وإسلام خاضع لأهواء المسلمين محرف مشوه على مدى القرون والأجيال" 29 ومغلق لباب الاجتهاد. وبما أن العدو يستفز الشيخ السلفي باستمرار، ويتكلم عن الحملة الصليبية وعن الأخذ بالثأر" 30 نجد الشيخ يتولى الرد على دعاوى الاستشراق ويرى في النزاع مع الغرب نزاعا بين النصرانية والإسلام.
والنص يجمع في قرن واحد بين تيار  الشيخ السلفي والتيار الليبرالي الذي رمز له بسعد زغلول فقد تمثلت الحركة الوطنية المغربية آراءه. ووشى المثقفون بخطبه ذاكراتهم. "لقد شخص الزعيم السياسي الليبرالي داء المجتمعات العربية، القديمة والحديثة، فاستبان بذلك الدواء. كان الحكم العثماني استبداديا، وجب إذن انتخاب مجلس نيابي. كان النظام العثماني يقنن كل الحرف، وجب إذن  فتح المجال لكل فرد نشيط. كان النظام العثماني لا يتضايق  من تفشي الجهل، وجب إذن  نشر التعليم بكل الطرق والوسائل.
ولبث هذه الأفكار في صفوف الشعب راح الزعيم الليبرالي يبحث في التاريخ  الإسلامي عما يزكي دعواه؛ وبهذه الوسيلة استطاع الزعيم السياسي الدفاع عن العقيدة الإسلامية ونفى أن تكون من عوامل الانحطاط، كما يزعم الغرب، فسبب الانحطاط - هو الاستبداد، والاستبداد طارئ على المسلمين وعلى العرب. 
لا مانع لنا من أن نستدرك ما فاتنا، ولا يزال أمامنا مستقبل، بالديمقراطية سنعود من جديد إلى مسرح التاريخ" 31.
إن الجواب السلفي عن إشكالية الانحطاط يتقاطع في عدة نقط مع الجواب الليبرالي عن نفس السؤال. ومن ثم لا غرابة إذا وقفنا على اصطلاح الرؤيتين لدى الشخص الواحد. يقول عبد الله إبراهيم: "إن التناقض بين الفكرين "السلفي" و"الليبرالي" يعتبر محض وهم و"وعي" زائف، فليست الأصول الاجتماعية لأقطابهما - علال الفاسي وأحمد بلفريج- هي وحدها التي توحدهما، بل أيضا مفاهيمهما الإنسانية وأهدافهما في نهاية التحليل، أما الاختلاف فلم يكن سوى في الطرق واللهجة، وفي سبل العمل وطرق التأثير والاتصال... وعندئذ فليس الصراع بينهما واجبا بالضرورة بل العكس هو  الصحيح غالبا؛ وهذا هو الذي وقع  في المغرب والمغرب العربي عموما؛ حيث تعاونا وتواشجا ووزعا بينهما الأدوار داخل تنظيمات سياسية أو غيرها، كانت في الغالب موحدة، ويقبل فيها الليبراليون قيادة السلفيين لهم. مثال جماعة الرباط منــذ 1925؛ بلا فريج ثم اليزيديان مع علال الفاسي" 32.
 
من خلال النص نعلم أنه لم تكن مصر ملهمة إيديولوجيا لحركتنا الوطنية فحسب، بل كان مسار تاريخ حركتها الوطنية وثمرات مطابعها من صحف ودوريات ومجلات وكتب منابر ساهمت في تكوين الشباب المغربي المتنور، ثقافيا وسياسيا، ولم تكن القضايا المنشورة في هذه المنابر تكتفي بالحديث عما يجري في مصر بل غطت، فيما غطت ما جريات حركات التحرر التي يتزعمها الشباب في الشرق الأقصى كالهند، وعلى سبيل المثال فنحن نعلم أن حركات التحرر في مصر والهند نادت بالاستقلال ورحيل المحتل منذ بداية القرن العشرين وقبل فرض الحماية على المغرب "ففي هذين البلدين عملت السلطات الاستعمارية الإنجليزية، شعرت بذلك أو لم تشعر، على خلق مناخ سياسي دفع مجموعة من الشباب المثقف إلى تنظيم الشعب وتوعيته وتوجيهه لمقاومة المستعمر الإنجليزي والمطالبة الفورية بالاستقلال. إن حدة هذه الحركة في الهند هددت مصالح الاتلجانسيا البريطانية في كلاكوتا، وكذا مصالح الملاك العقاريين البريطانيين في جزئها الشرقي. ومما زاد الطين بلة إصدار اللورد كوردسنLord Cordizon قرارا في سنة 1905 يقضي بتقسيم البنغال، هذه المنطقة التي ظهرت فيها بذرة فكرة الاقتصاد السياسي الوطني منذ أمد. أما في مصر فقد قام جنود الإنجليز في سنة 1906 بمجزرة رهيبة تعرضت لها قرية من قرى الصيعد؛ مما أدى إلى اندلاع حركة شعبية ضد السلطات الاستعمارية، ولم ينفع معها عزل مشعل هذا الفتيل اللورد كرومرLord Gromer " 33 إن القفزة النوعية للإعلام التي عرفت في نهاية القرن 19 وبداية العشرين، وكذا ما وصل إليه التعليم من مستوى رغم محدوديته قد ساهما في إعطاء نفس الإيديولوجية التحررية والتقدمية. ولهذا لا غرابة إذا ظلت زعامة هذه الحركات، سواء في آسيا أو إفريقيا، وقفا على النخبة المثقفة داخل المدن وكذا في أوساط رجال المال والأعمال. فعن طريق الرحلة وثمرات مطابع مصر من جرائد ودوريات ومجلات وكتب أمكن لشباب الحركة الوطنية المغربية التعرف على ما يجري في مصر، ومن خلال وسائلها المكتوبة والمسموعة على ما يجري في العالم، بخاصة الحركات التقدمية والتحررية في الشرق الأقصى التي استفادت بدورها من حرب الريف التي اعتبر، هو شيمنة بطل تحرير الفيتنام، زعيمها محمد بن عبد الكريم الخطابـي رائــدا "précurseur" لأنه قدم نموذجا للمقاومة المسلحة لانعتاق الشعوب من الاستعمار 34.
هذا ما أوحت لنا به فقرة عبد الله إبراهيم  المبتدئة بقوله "كنا على اتصال بكل ما يجري في الشرق إلى قوله تعرفنا على سعيد زغلول وكان بعضنا يحفظ خطبه".
و- تطرق النص إلى الإصلاح التربوي والعلمي في جامعتي القرويين وابن يوسف. وهذا الإصلاح هو ما اصطلح عليه باسم النظام 35. ويمكننا اعتبار هذا المطلب ممثلا للوجه التربوي والثقافي للحركة الوطنية، ويدل على رؤية ثورية "لأنه يطرح تصورا جديدا للواقع مخالفا لما هو قائم" 36. لقد كان هم إصلاح التعليم في جامعي القرويين وابن يوسف مشغلة المخزن منذ أن فرضت فرنسا حمايتها على المغرب، إذ عبر عنه مولاي يوسف في خطاب كان قد توجه به إلى العلماء، لكن السلطات الاستعمارية عملت على عرقلته مرارا، وأبت إلا أن تترك جامع القرويين محنطا متمسكا بآخر ما وصلت إليه الثقافة الإسلامية في عصر الانحطاط. تبنت الحركة الوطنية هذا الإصلاح، وظلت تناضل من أجله. ومن خلال النص نلاحظ أن الحركة الوطنية لم ترفض القديم لقدمه، بل اعتمدت في ضرورة تجاوزه على التحليل وطرح البديل. وهاهنا تكمن ثورية الحركة وعقلنتها. فهذا عبد الله إبراهيم يكتب عن هذا الشأن قبل رحلته الدراسية إلى فرنسا انطلاقا من نظرية ابن خلدون في العلم والتعلم ورصد من المظاهر السلبية التي ابتليت بها الجامعتان:
أنك تجد الطلبة سكوتا لا ينطقون ولا يفاوضون.
- همهم العكوف على حفظ الألفية والشيخ خليل " فهما الحكمة المخفية". وإن هذا المذهب الجاف القائم على الحفظ وحده أصاب العقلية المغربية بنوع من الشلل، وصدم لديهم قوة الإدراك صدمات متلفة تغلغلت آثارها في حياتهم الفكرية تغلغلا مخيفا" 37.
           - المشايخ يكررون أنفسهم ولا ينتجون معرفة جديدة.
- الأدب الحي لا صلة بينه وبين الكليات في المغرب... "فالكلية عندنا تجهل الأدب وتحتقره، وتزدري بكل شيء غير خليل وغير المكودي والأشموني، فهي تكره  الأدباء وهي تسخر من الأدب، وهي تعد الانصراف إليه جريمة لا يطمس أثرها في النفــوس ولا يمحي شرها ولا يساقط عارها" 38. 
لقد مثل العقد الأول من القرن العشرين في تاريخ المغرب برزخا بين ماض أخذ في التولي والدخول في زمان المغرب الحديث. وقد فرضت هذه الفترة المعاصرة الرد على مختلف التحديات الاستعمارية بتحد مماثل، فواجهت الحركة الوطنية الإيديولوجية  الرأسمالية الاستعمارية بالإيديولوجية السلفية، وعارضت  سياسته القائمة على التفرقة بمقدسات وحدة الشعب المغربي، وواجهت عراقيله من أجل إصلاح جامعي القرويين وابن يوسف بالنضال والإصرار على إقرار النظام الذي شرع بالعمل به في القرويين ابتداء من سنة 1936، وفي ابن يوسف من مطلع العام الدراسي لسنة 1938. وقاومت احطبوط تجهيل الشعب المغربي وإبقائه أميا – حتى يتسنى لهم التلعب به وفق أهوائهم، واجهوه بتوسيع دائرة التعليم الوطني الحر وتنظيم دروس محو الأمية ودروس ما بين العشاءين في المساجد. لقد كانت الحقبة حقبة خطيرة كما كانت حقبة إعلام وتواصل بامتياز. ولهذا فلكي تؤدي الحركة الوطنية دورها بنجاعة كان لابد من إصلاح المناهج، وإعادة النظر في طرق التعليم، وتفتيق مواهب المتعلمين والسير بهم  نحو تملك اللغة العربية لغة الذكر الحكيم، والتصرف بها في مختلف فنون القول بما فيه الخطابة والترسل والشعر؛ لأنها وسيلة الحركة لا يصال أفكارها الوطنية إلى كافة الشرائح في السهول والجبال والصحاري. لقد تم تطبيق الإصلاح في الجامعتين، ولكن همة عبد الله إبراهيم وثلة من رفقته كانت فوق ما جاء به الإصلاح، فوسعوا أفقهم بقراءة المطبوعات المختلفة التي ترد من الشرق والتي كانت تصلهم بشتى الطرق.
نجح عبد الله إبراهيم في امتحان الشهادة العالمية بامتياز في سنة 1945. وفي السنة نفسها سيتوجه إلى فرنسا للاستفادة كما يقول من صدمة الغرب. وهذا منعطف جديد سيكون له أثره في تكوين شخصية عبد الله إبراهيم وبلورة رؤياه الجديدة للعالم.
لقد حصرنا هذا البحث القائم على تحليل نص مكثف لعبد الله إبراهيم، حصرناه في استعراض بعض قضايا مجموعة مراكش الوطنية بزعامة عبد الله إبراهيم من النشأة لغاية الثلاثينيات، وقد راوحنا في معالجته بين المحلي والوطني والقومي والدولي. فنرجو أن نكون قد أضأنا جوانب من تلك القضايا التي تساءلنا عنها في مقدمة هذا البحث.
 
22 – حسن الصباحي: الحاج أحمد بلافريح المربي، العلم العدد 20509 بتاريخ 28/08/2006، ص: 2.
23 - عبد الله إبراهيم: مجلة الكرمل، نفسها، ص: 125.
24 – محمد بن محمد بن عبد الله الموقت: الرحلة المراكشية، مطبعة البابى الحلبي، ط I، 1933، ج 3، ص: 50 وما بعدها.
25 - عبد الله إبراهيم: نداء الحرية، ص: 36.
26 - عبد الله إبراهيم: نفسه، ص: 37 إلى ص: 40. سقنا هذا النص على طوله لأهميته سواء في مسرد الأحداث أو تحليلها. فصاحبه فاعل في الأحداث وشاهد عليها.
27 – نفسه: ص: 36.
28 - عبد الله إبراهيم: المحاضرة التي اخترنا منها النص المحلل.
29 – عبد الله العروي: الإيديولوجية العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي، ط I، 1995، ص: 41.
30 – نفسه، ص: 40
31 – نفسه، ص: 44-45.
32 - عبد الله إبراهيم: مجلة الكرمل، نفسها، ص: 114.
33 - C.A. Bayly: La naissance du monde moderne (1780-1914). Traduit de l’anglais par
Michel Cordillot. Ed. de l’atelier, Paris 2006, p. 520.    
    34 –  Manière de voir N° 82, Avril – Mai 2006, p. 50.
35 – فيما يتعلق بالنظام تاريخه، والجدل الدائر حوله بين المحافظين والمجددين، يمكن الرجوع إلى محمد بن الحسن الحجوي: الفكر السامي، ج 2، المدينة المنورة 1977 – وعبد الهادي التازي: جامع  القرويين، ج 3، بيروت 1972 – ومحمد عمراني: جامعة القرويين فيما بين 1914و1934، رسالة جامعية غير منشورة نوقشت بكلية الآداب الرباط 1987-1988 – بحثنا حول "النظام في جامعتي القرويين وابن يوسف من المشروع إلى التحقق 1912-1938. في كتاب يراع الذاكرة أعمال مهداة إلى العلامة محمد بنبين، المطبعة الوطنية بمراكش، ط 1، 2005، ص: 65-85. 
36 – يميز الدكتور عبد الوهاب المسيري، في كتابه الفردوس الأرضي دراسات في الحضارة الأمريكية، بين الرؤية البرجماتية المحافظة والرؤية الثورية. فالأولى"هي تلك التي  تلغي التاريخ والتراث وتجعل الحقيقة الوحيدة  المقبولة هي الحقيقة السائدة، أو الحقيقة التي تسهل لنا التعامل مع الواقع كما هو وليس كما ينبغي أن يكون. أما الرؤية الثورية فهي على العكس من ذلك لا بد وأن تطرح تصورا جديدا للواقع مخالفا لما هو قائم، والاففيم ثوريتها؟ هذا التصور يستند إلى تحليل علمي للواقع وللتاريخ، ولكنه في الوقت ذاته يجب أن يتخطاهما. لأن الفكر الثوري يحاول أن يزود المجتمع بإطار جديد يسمح للإنسان بأن يحقق إمكانياته بشكل أفضل. فالمنطق الثوري يفترض دائما وجود تناقض- جدلي بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فالقديم يحتوي جرثومة فنائه التي هي نفسها بذرة الميلاد الجديد. والعقل الإنساني الواعي الخلاق يحتوي الواقع والأشياء ويتخطاهما" طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشـر، ص: 36-37.
37 – عبد الله إبراهيم: فكرة التعليم عند ابن خلدون، مجلة رسالة المغرب 10 مارس 1943.
38 – عبد الله إبراهيم: تقديمه لديوان أحلام الفجر لعبد القادر حسن، مطبعة التقدم بالحمراء، ط 1، 1936، ص: هـ.




من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية







Facebook
Twitter
Rss
Newsletter
Mobile


جدار المراكشية على تويتر
آخر المواد المنشورة
   
معرض الصور
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
احتفال بعيد العرش في مراكش