almarrakchia


جماعة عبد الله إبراهيم بمراكش / الجزء ١

حرر بتاريخ 23/09/2017
ذ.محمد الطوكي

اسمحوا لي بدءا، بتقديم مقتبسه من كتاب لعبد الله إبراهيم، اخترتها بين يدي هذه المداخلة، واختيار الكلام، كما يقول ابن عبد ربه، أصعب من تأليفه، فقد وجدتها تمثل بحق لمعة أو ذرة من الهم الوطني العظيم الذي ظل عبد الله إبراهيم يحمله. وقد عرضها بطريقة فنية جميلة، حيث ترك نصا عربيا تراثيا يتحدث في ظاهره عن العلاقات الإنسانية السامية بين أحزاب المعارضة في القرن 2 هـ، أما خلفية نفس النص فتتضمن تعريضا بمأساة تلك الروابط في الوقت الراهن.
يقول عبد الله إبراهيم نقلا عن ابن قتيبة:
"كان الكميت رافضيا وكان الطرماح خارجيا صفريا. وكان الكميت عدنانيا متعصبا والطرماح قحطانيا. وكان الكميت متعصبا لأهل الكوفة، والطرماح لأهل الشام، وكان بينهما من المودة والمخالطة ما لم يكن بين اثنين".
عبد الله إبراهيم: بالذكاء وقــــــوة الكلمـــــــة،
مطبعة النجاح الجديدة، طI، 1990. ص: 52.


جماعة عبد الله إبراهيم بمراكش / الجزء ١
 
بعد هذا الاستهلال انتقل إلى عنوان هذه المداخلة الذي يحاول التاريخ لجماعة سياسية وطنية، في مكان محدود - مراكش – بزعامة شخصية معينة – عبد الله إبراهيم – وفي فترة تمتد بين سنتي 1934-1937.
من خلال هذه القضايا نثير التساؤلات الآتية:
 
ما المقصود بجماعة مراكش الوطنية؟ كيف تأسست؟ ولماذا أسلمت قيادتها إلى عبد الله إبراهيم؟ أين تأسست بالذات وما هي إيحاءات وظلال المكان الذي انبثقت  منه على برنامجها وتوجهها في البدء؟ لماذا تزامن تنظيمها والشروع في حركتيها بسنة 1934؟ لماذا طالبت بتنظيم التعليم في الجامع اليوسفي؟ ألم يكن تعليما ناجعا؟ ما هي نقاط ضعفه؟ أولا يعكس هذا  المطلب البعد التربوي والثقافي لتلك الحركة السياسية؟ ويمكننا أن نترك السؤال  التالي معلقا لأنه لا يدخل في شرطنا، والسؤال هو: هل ظل زعيم  مجموعة مراكش مستامنا على الخلفية الإيديولوجية الذي انطلقت منها الجماعة، أم أنه عدلها وأعاد فيها النظر بعد رحلته العلمية إلى فرنسا؟
أقر مسبقا بأن هذه المداخلة لا تضمن الإجابة على جميع هذه الأسئلة، وخاصة منها ما تجاوز منتصف الأربعينيات من تاريخ هذه المجموعة الوطنية، وبحسبي أن أقلق، وخير الأعمال كما قال عبد الله إبراهيم: "ليست تلك التي تغمرنا بالحقائق المزدحمة المتراكم بعضها فوق بعض، بل هي التي نتممها وتترك في النفس خطا متسلسلا من الاستفاهامات 1".
إن البحث في الحركة الوطنية في مراكش يتطلب الاعتماد على الوثائق والمستندات المادي منها والمكتوب. ومع الأسف فإن هذه الأشياء من الندرة بمكان فليس بين أيدينا من الأعمال سوى:
1- الأعمال المطبوعة بعد الستينيات للأستاذ، المرحوم بعفو الله عبد الله إبراهيم، وهي أعمال تنظيرية فلسفية لا تربض في الجزئي إلا لتنتقل منه إلى الكلي، فهو يبحث  في النظرية الكلية التي تتحكم أو تسري على الحركة الوطنية بأسرها، وإذا عرض للجزئي فإنه لا يأتي به إلا على سبيل التوضيح، وقد يكون من مراكش أو مكناس أو البيضاء أو غيرها. فمثلا  في فصل ثمن الحرية من كتابه نداء الحرية يقول: "وبتجرد عن أي حزازة في النفس، سنحاول أن نسوق  بعض ذكريات هنا، إشعارا بثمن الحرية، التي هي الآن أمانة تحت مسؤولية الأجيال المغربية، وأنفس مكسب من مكاسبهم الوطنية العليا 2".
ثم تتوالى الذكريات أو الجزئيات من مراكش ومكناس والخميسات وفاس... وهذا هم من يبحث عن الكلي الذي يندرج تحته ما شاء الله من التفاصيل، أما أعماله المتناثرة في صحف ودوريات الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات وما بعدها فهي  بحاجة إلى باحث  يخرجها من الكمون إلى حيز التداول.
2- أعمال المرحوم المختار السوسي، فهي وإن تغيت التأريخ  لمنطقة سوس، فهي حافلة بمعلومات طيبة عن الحركة الوطنية في مراكش وعن مجموعة من أعلامها. والمختار السوسي رمز من رموز هذه الحركة في مراكش بل يعد من مؤسسيها.
3- من الأعمال التي تطرقت إلى الحركة الوطنية في مراكش: الثورة الخامسة للمناضل الحبيب الفرقاني، وهو عمل ضخم صدر منه الجزء الأول، وينتظر الباحثون والقراء بصفة عامة جزءه الثاني. وهو عمل تاريخي تقريري يسرد الأحداث بطريقة تعاقبية   حولية، وفي نطاق الصراع والشد والإرخاء بين الحركة الوطنية والاستعمار ومن حالفه من الإقطاع  والخونة، لا ينسى التنصيص على أسماء الوطنيين الحقيقيين وما قاموا به من أعمال بطولية، والمستعمرين ومن شايعهم من الخونة، وقمعهم الوحشي، وساديتهم المخزية ومكرهم اللعين.
4- قصة مناضل من مراكش للأستاذ إبراهيم الهلالي، وهو عمل سير ذاتي جمع بين التخييل والتقرير، وغطى مرحلة الثلاثينيات وما بعدها لغاية السبعينيات. وطبيعة مثل هذه الأعمال التخييلية أنها لا تقتصر على الوقائع والأحداث التاريخية، بل تعطينا فكرة عن النفسيات والمواقف ومظاهر الحضارة، وترصد بصفة عامة الحركة الجديدة التي تسري في المجتمع، وتعمل على نقله حثيثا من طور إلى طور؛ من التقليد إلى التحديث.
5- ثمة أعمال شعرية، على ندرتها، تتراوح بين كونها مزكية لوضع، أو متدبدبة، أو ثائرة على واقع وبانية لعالم  آخر أو حالمة بفجر جديد.
6- دون أن ننسى مقالات متناثرة في منابر مختلفة
 فهذه وتلك ليست بكافية لتغطية الجليل والدقيق من الأحداث التي عرفتها هذه المدينة التي منيت بقمع المستعمر، وعتو من دعوا بسادة الأطلس وهامانهم لكلاوي. وأمام هذا النقص في الوثائق، فالمؤمل أن يسجل من لازال على قيد الحياة من المناضلين ما قاسوه من المستعمر وأعوانه، فمذكراتهم  وسيرهم الذاتية خير شاهد على تلك الفترة العصيبة التي ستفضي إلى ما أسماه السلطان محمد الخامس، رحمه الله، بالجهاد الأكبر.
وعلى كل حال فسأعالج ما تساءلت عنه في المقدمة انطلاقا من تحليل فقرة من مداخلة  لعبد الله إبراهيم، جرت يمناي بتقييدها وتدوينها وأنا أتابع كلمته القيمة المرتجلة حول "التعليم  العمومي الحديث بالمغرب، النشأة والتطور والوضع الحالي". ألقاها، رحمه الله، بكلية الحقوق بمراكش في ربيع 1999. وحسب استقصائي فإن المنظمين لم يتفطنوا لتسجيلها. وقد اعتبرت الفقرة التالية نصا؛ لأنها تتوفر على جميع حيثيات النص التاريخي، سواءا تعلق الأمر بمصداقية القائل أو شكل النص المتميز بالكثافة، وما يحمله من مضامين.
- يقول عبد الله إبراهيم:
"ابتدأت هذه الحركة سنة 1934 في جماعة تنتمي إلى الجامعة اليوسفية آنذاك، كان ابن يوسف آنها يعج بالطلبة الآفاقيين والمقيمين، وكان بين أحضانه جماعة متفتحة من الطبلة يتراوح عدد أفرادها بين 6 إلى 10 أشخاص، كانوا ينتمون إلى "ابن يوسف" لكنهم كانوا يتطلعون إلى ما هو أحسن، فالدراسة في "ابن يوسف" تتوفر على مجموعة من الأساتذة كل واحد منهم يكرر نفسه، وكان التركيز بالدرجة الأولى على الفقه والنحو "الشيخ خليل والألفية هما الحكمة المخفية" كانت تدرس:"الأجرومية" وتخرج فيها عدة سلك، وشروح "الشيخ خليل"، و"شروح الألفية"، وقد كان من المطالب الأولى لهذه الجماعة تنظيم الدراسة، واتجاهها هذا اصطدم بعراقيل من مجموعة من المحافظين بدعوى أن الجماعة ستقدم هذا التعليم الديني الأصيل إلى الفرنسيين. هذه حجتهم، ولا ينبغي أن نسخر منها فهي غير فاسدة، نعم إن فرنسا بإمكانها ركوب هذا التنظيم لمراقبة التعليم في الجامعة اليوسفية، فتترك من تشاء، وتقف في وجه من تشم  فيه شيئا من التمرد. على كل حال طالبنا بالتنظيم ونجحنا في  تطبيقه ولم أكن منتظما فيه، بمعنى أننا كنا أحرارا في  قراءة  المواد التي نريد، وكنا على اتصال بكل ما يجري  في الشرق، فعن طريق "مصر" تعرفنا على ما يجري في "الهند"، تعرفنا مثلا على أفكار "غاندي"، وتعرفنا على "سعد زغلول"، وكان بعضنا يحفظ نصوصه".
في هذا النص الصادر ارتجالا عن رمز من رموز الحركة الوطنية، ومؤسس جماعة مراكش الوطنية هو مستندي في التحليل، والعمدة في الإجابة على ما طرحت وما لم أطرح من الأسئلة.
أ- يتحدث النص عن جماعة مراكش الوطنية، طلب مني استبدال كلمة جماعة التي وردت في عنوان هذه المداخلة  بكلمة أخرى، وطبعا فما كان لي أن أبدلها، فبالإضافة إلى ورودها في هذا النص،  فقد تداولت على ألسنة المهتمين بتاريخ المغرب المعاصر مما جعلها تكتسي صبغة الاصطلاح، فالأستاذ عبد الله العروي في الجزء الثالث 3 من مجمل تاريخ المغرب يتحدث عن جماعة فاس بزعامة علال الفاسي، وجماعة تطوان بقيادة عبد السلام بنونة، وجماعة الرباط وعلى رأسها بلافريج واليزيديان، ولم لا نتحدث عن جماعة مراكش التي حمل لواءها عبد الله إبراهيم؟
يشير النص ضمنيا إلى رئيس هذه الجماعة الوطنية وهو عبد الله إبراهيم والإجماع منعقد على زعامته لها، كما يتطرق إلى الفئات المنضوية تحتها، وزمان التأسيس ومكانه، ومرجعيتها، وتوجهها، وإلى جانب من اهتمامها الثقافي والتربوي والمتمثل في إصلاح التعليم  في الجامع اليوسفي. وسنبقى مستأمنين في هذا التحليل على حدود الثلاثينيات سواء تعلق الأمر بالأحداث أو  بترجمة عبد الله إبراهيم.
 
ففيما يخص حياة عبد الله إبراهيم السياسية فإننا نجدها، منذ وقت مبكر، تتسم بالحركية النضالية، ويتواشج  فيها الوطني والقومي والدولي، ويصطلح  فيها التنظير والتأمل والحفر في أوضاع المغرب الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية والحضارية فهو كما يقول: "يثبت الماضي ليربطه بالحاضر، ويفرز الحاضر ليمهد أمامه المستقبل" 4. هذا وإن خياراته السياسية هي نفسها خياراته الأدبية، وإن مناشطه المتنوعة تحكمها رؤية للعالم منها تمتاح وإليها ترجع. والحديث عنه يستدعي دوما استحضار الذاتي إلى الجانب الوطني والقومي والدولي. وسنقف من حياة هذا الزعيم  الخصبة والممتلئة بجلائل الأعمال، والموشومة بالدقيق والخطير من تاريخ المغرب المعاصر، قلت سنقف عند بعض الوقائع التي حصرها النص في أواخر الثلاثينيات. ولكن هذا لا يمنع من التعرض ولو بالإشارة إلى أحداث شاهدها أو عاشها زمن صباه ومراهقته، وكان لها وقع خطير  فيما بعد في مسيرته النضالية.
فالمرحوم عبد الله إبراهيم سليل أسرة ذات أصول ريفية، ولد بمراكش في 24/8/1918، ويحيل هذا التاريخ دوليا على نهاية الحرب الكونية الأولى التي اكتوت بها أوربا وامتدت انعكاساتها إلى مختلف دول المعمور، كما أن حدث ميلاده  جاء بعد أن تصرمت ست سنوات على صك الحماية. فبين سنتي 1912 و 1934 سيهب المغاربة بأسلحتهم التقليدية وما سيغنمونه من ذخيرة العدو للدفاع عن استقلالهم وحريتهم. فإذا كانت المدن المغربية قد تساقطت تباعا في قبضة المستعمرين في وقت مبكر نظرا لعدة عوامل، فإن ساكنة البوادي الجبال والصحاري ظلوا شجى في حلق المستعمر، وكانت معاناة الجبليين أكبر من أن توصف خاصة وقد حرموا من تموين السهول، وفصلوا عن أوديتهم ومراعيهم، ومع ذلك رفضوا الاستسلام، وامتحنوا رجالا ونساء وأطفالا. فمن رموز هذه المقاومة الباسلة في الأطلس المتوسط موحا أحمو الزياني، وفي جبال الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي زعيم ثورة الريف التي تمكنت بقيادته من سحق فلول الأسبان المدججة بالحديث  من العتاد في معركة  هضبة أنوال في يوليوز 1921، ولم يقض على هذه المقاومة الباسلة إلا بعد أن تمالأ عليها الإسبان والفرنسيون وشرذمة من الخونة وذلك سنة 1925. على أن هذه المقاومة وإن خفت سنة 1926  فإنها ستستعر بصورة كثيفة في سنة 1930، ولم يتم التغلب على آخر المعاقل الجبلية بالأطلس الكبير الشرقي، والأوسط، والأطلس الصغير، وتافلالت ودرعة إلا بعد معارك عديدة ضارية وذلك  سنة 1934 5.
فمثل هذه الملابسات التي احتفت بحياة أمثال عبد الله إبراهيم لابد من استحضارها أثناء الحديث عنهم؛ لأن لها دورا هاما في تكوينهم وتبلور شخصيتهم، وتفتيق وعيهم الوطني، فهذه المقاومة المسلحة الصامدة التي ألمعنا إليها، وخاصة منها ثورة الريف، هي التي ستطبع جيل عبد الله إبراهيم بطابعها البطولي والنضالي، وستؤصل وتؤثل للحركة الوطنية فيما بعد. يقول عبد الله إبراهيم: "إن حرب الريف  كانت تجديدا حقيقيا  للضمير الوطني في المغرب، وعامل ثقة بالنفس بعد مأساة  سنة 1912. ويمكن اعتبار جيل العشرينيات والثلاثينيات، بدرجات مختلفة، في عموم المغرب جيل حرب الريف، التي أتاحت له أن يفهم حركات التحرير السياسية وثورات الشعوب في العالم إذ ذاك ضد الاستعمار فهما عصريا" 6 .
- وإذا كان المغرب كله قد عانى من ويلات الاستعمار الغاشم فإن نصيب مراكش من هذه البلوى سيكون مضاعفا، فبالإضافة إلى القمع الهمجي الأجنبي هناك تسلط  وقمع من سماهم المستعمر سادة الأطلس 7، ورأس حربتهم الباشا التهامي لكلاوي، الذين  تحالفوا مع المستعمر مقابل تقوية نفوذهم ومد أيديهم  في التطاول والطغيان.
ففي خضم هذا المناخ السوسيوسياسي، وداخل وسط شعبي متواضع سينبثق ذلك البرعم الحالم بالفجر، عبد الله إبراهيم. تعلم مبادئ القراءة والكتابة وحذق على عادة الصبية كتاب الله في الكتاب، ووجه بعد ذلك وجهه تلقاء جامعة ابن يوسف التي ازور المستعمر عنها وعن جامعة القرويين بفاس؛ لأنهما امتنعتا من خدمته وعن تمرير إيديولوجيته، ومن ثم فلم تعد أي منهما تقوم بالدور الذي كان لها قبل الحماية؛ من تكوين وتخريج مختلف الأطر الإدارية للمخزن، فقد سحب منهما هذا الدور أشكال التعليم العصري التي خطط لها أن تتكفل بتخريج إداريين جدد ذوي خبرة إدارية ملائمة لتنفيذ ما اصطلح عليه بالإصلاحات التي نص عليها عقد الحماية، ولم يبق المستعمر للجامعتين العتيقتين سوى دور تدبير المجال الديني والأخلاقي بطريقة  تقليدية موروثة عن عصر الانحطاط، الذي أناخ بكلكله في مراكش على مختلف مناحي المدينة؛ اجتماعيا وسياسيا وثقافيا ودينيا، وإن محاولة إيقاد بصيص من النور وسط هذه الظلمات الدامسة المتراكم بعضها فوق بعض لهي مغامرة غير محمودة العقبى، فالاستعمار والإقطاع   سيوظفون وسائل  قمعهم المادية والمعنوية، وسيستغلون جهالة معظم العامة الجهلاء، وضيق أفق بعض العلماء وقلة وعيهم، وخيانة الخونة، لإطفاء كل جذوة تحلم بالفجر وتلبي نداء الحرية. فمن داخل هذا الوسط الذي يبدو لأول وهلة غير موات، ستنبلج  مجموعة مراكش الوطنية.
 يقول المختار السوسي:"جاء رمضان 1355 هـ بتلك القلاقل المشهورة، منذ ألقي القبض على الزعماء الثلاثة علال واليزيدي والوزاني، فهاجت البيضاء والرباط وفاس وتازة ووجدة وآسفي، ولكن مراكش لم تفارق ما كان معروفا عنها إذ ذاك مشهورا من السكوت والهمود، كأنها في قطر آخر لم يضمها مع هذه المدن مكان واحد... فهذه مراكش لو تركت على ديدنها، ولم ينبغ من بنيها من يتشوفون إلى إيقاظها من نومها العميق لربما أمكن أن تبقى كذلك أحقابا أخرى بعد، ولكن إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. فقيض لها الثلاثة عبد الله إبراهيم، والملاخ، وعبد القادر حسن، حفظهم الله، فهم الذين  نفخوا فيها  وحدهم روح الوطنية حتى تشبعت بها 8".
ويقول عن حضور مولاي عبد الله إبراهيم، وعبد القادر حسن في الحفلة التي كانت قد أقيمت في الرباط باسم جمعية الطلبة الإفريقيين وما أعقبها من ابتلاء: "إن البياز استدعى الفاضلين الزعمين المراكشين مولاي عبد الله إبراهيم، وعبد القادر حسن، ثم بعد ذلك بيوم استدعيا أيضا إلى المراقبة، ثم استدعى أيضا مولاي عبد الله إبراهيم فسأله الخليفة الزموري والمراقب، فقابلهما بثبات جأش على عادته دائما. وصرح لهما تصريحات كبيرة، كانت عجبا من صغير إذ ذاك مثله، وهو في ذلك الوقت، كما برز بأفكاره التي استمات  من أجلها، ثم أمر به إلى السجن، فأمضى فيه نحو عشرة أيام، ثم سرح؛ فكان ذلك كأنه إيقاد طرف  الفتيلة حول برميل لا يدري ما فيه. فإنه ما لبث بعد خروجه أن اكتسب  في الوسط المراكشي  بثباته وصراحته فضلا وعزة وشهرة، فغبطه شبان آخرون، فقام هو ورفيقه عبد القادر حسن بتنظيم لفيف من شبان مراكش، وبتعويدهم الاجتماعات، وبالسعي في الذي يرفع شأن مراكش، فصادف  ذلك أن فرج عن كل المعتقلين في أوائل رمضان، فتمشوا في ذلك الذي يحاولونه بأعمالهم  تمشيا قطعوا به أشواطا، وكان ذلك أول تنبه عام لشبان كثرين في مراكش9".
فالمختار السوسي يعزو يقظة مراكش الوطنية إلى جماعة من شباب الحمراء بزعامة عبد الله إبراهيم، ولولا هم، في نظره، لسدرت مراكش في صمتها وهدوئها ولبقيت نائمة وكأنها لا تمت بصلة إلى المغرب، والواقع أن المد الوطني الذي اكتسح فاس والرباط وغيرها ما كان ليخطئ مراكش، فتاريخها النضالي في العصر الحديث ابتدأ بانضمام ساكنتها والتحاقهم بالمجاهدين في حركة الهبة، ولم ينسوا ما منوا به نتيجة تواطؤ المستعمر مع أكابر مجرمي الإقطاع. ولما صدر الظهير البربري في 16 ماي 1930 " قام السيد التهامي المعروفي باتفاق مع المرحوم السيد المختار السوسي بدعوة الناس، في أسواق الحمراء، لقراءة اللطيف  في المساجد. وكان هذا السيد موظفا في المحافظة، فنفته السلطات الاستعمارية من مراكش. كما كلف المختار السوسي السيد العربي بنيس بتوزيع مناشير في الموضوع، ففرقها في السجن وفي المساجد والأضرحة وغيرها. وقد شرع في قراءة اللطيف في جامع ابن يوسف تحت إشراف علماء وطلبة هذه الجامعة" 10.
فمثل هذه الانتفاضات المتعاقبة على الصعيدين المحلي والوطني لا يمكن نسيانها، فهي التي ستمهد وتؤدي لظهور جماعة مراكش الوطنية التي لا تقل أهمية عن جماعة فاس والرباط وتطوان وطنجة.
أرخ عبد الله إبراهيم لتأسيس جماعة مراكش بسنة 1934، وهي سنة لها دلالتها في تاريخ المغرب الحديث، فهي تمثل نهاية الحرب البطولية والمقاومة الشعبية الشرسة للاستعمار التي قادتها الأرياف والمناطق الصحراوية، أو ما يسميه عبد الله إبراهيم بالمغرب العميق الذي شكل آنذاك 80% من ساكنة المغرب. في هذا التاريخ انسحبت البوادي مكرهة من المعركة المسلحة لعدم التكافؤ، لتترك المصير الوطني تاريخيا لمسؤولية المغرب الجديد، للمدن، التي ستقاوم ولكن انطلاقا من تاكتيك آخر؛ قوامه العمل السياسي المسالم أو المعارضة السياسية  الحضرية المطالبة بإنجاز مجموعة من الإصلاحات التي نصت عليها معاهدة الحماية، وهكذا أسس الشباب المثقف في هذه السنة أول حزب سياسي مغربي هو كتلة العمل الوطني "وأعدوا ميثاقا أسموه برنامج الإصلاحات، 1 دجنبر 1934" 11.
يقول عبد الله إبراهيم عن هذا العمل السياسي المسالم "هو عمل مبني أساسا على استعداد الوطنيين الدائم للمفاوضة والمجابهة وتحمل القمع الاستعماري بشجاعة، ولاستعدادهم الدائم أيضا للمقايضات والاستعطاف والمهاودات معه من جهة أخرى"12.
كيف تسنت لعبد الله إبراهيم قيادة جماعة مراكش الوطنية؟
تحدث في كتابه نداء الحرية عن أصول الشباب الذين قادوا الحركة الوطنية عندما قال: :إن الشباب الذين سيقودون الحركة الوطنية باسم المغرب الجديد خلفا لجماهير المغرب العميق، ينحدر فريق منهم من أسر حضرية لها تقاليد مدنية عريقة في المخزن، بينما ينحدر الفريق الآخر من أسر تنتسب إما إلى بورجوازية المال، وإما إلى جموع الحرفين وجماهير العاطلين في المدن المغربية الكبرى، وإما إلى أرستقراطية المعرفة أو البيت النبوي الشريف" 13.
مما أسلفنا نعلم أن عبد الله إبراهيم من أصول تنتمي إلى المغرب العميق، من والد حرفي فلم يكن له انتماء  في بورجوازية المدن كعلال الفاسي، ومحمد بن الحسن الوزاني، وعبد السلام بنونة... الخ. ولهذا فزعامته يمكن إرجاعها إلى فئة الحرفيين وإلى ما أسماه بأرستقراطية المعرفة، وفي إطار هذه الأرستقراطية وموقفها من المستعمر، ميز عبد الله إبراهيم بين صنفين من المثقفين: 14.
1- مثقفون إحلاليون، وهم الذين ركنوا إلى المستعمر وروجوا لإيديولوجيته بطريقة أو بأخرى. وهذا يصدق على أولئك الذين آثروا المسكنة والانتحار على تحمل مسئوليتهم برجولة، ثم فضلوا أن يعيشوا أميين بين الأميين. فالساكت عن الحق شيطان أخرس. ومثلهم بالحلزونة الصائمة، وبالتمثال  الرخامي. وفي هذا الصنف يندرج أيضا المثقفون من متصوفة الوقت، ضاق أفقهم وقصرت نظرتهم فباعوا أنفسهم للمستعمر، فاعتدوا بالدنيا وزخارفها، وتهافتوا في بسط سلطانهم على الجهلــة بمساعـــدة المستعمر15.
2- مثقفون ملتزمون، لم يصمتوا عن الحق، فكانوا في الطليعة الأولى من جنود الكفاح. وفي هذه الفئة من المثقفين العضويين، بالمفهوم الكرامشي، يتموضع عبد الله إبراهيم. فهو كما قال المختار السوسي ثابت على المبادئ، لا يساوم ولا يهادن، يدافع عنها برجولة وشهامة إلى حد الاستماتة "فالمثقف بالمعنى الحقيقي، في نظر عبد الله إبراهيم، "هو الملتزم سياسيا، والإخلاص في ذلك شرط أخلاقي. فأنا لا أتصور شخصا يعتقد شيئا، ويصدر في سلوكه عن أشياء تناقض التصور. فالثقافة باعتبارها جهازا لتنظيم التصورات وتعميقها هي خلفية الشخص، وعنها يصدر. فكلما التزم المثقفون سياسيا كلما كانوا نزهاء في ثقافتهم وفي تصوراتهم، وبالتالي في التزامهم، ووجدوا أنفسهم متقاربين" 16.
وقد ابتلي بالسجن مرارا بسبب مواقفه الصامدة، وتحمل في إباء وشموخ ألوانا من القمع المادي والمعنوي إلا أن "القمع، في نظره، عامل مساعد على تأجيج روح النضال. فلقد كان تصرف المستعمرين قاسيا ومهينا للشعب المغربي، ولكنه أيقظه بعنف ووجهه إلى بذل النفس والنفيس دفاعا عن الحرية" 17.
- ويمكن اعتبار النسب الشريف الإدريسي الذي تسلسل في أرومته، عاملا معضدا لما أسلفنا، فهذا وغيره مما أسلفنا هو ما جعل شباب مراكش يكبر عبد الله إبراهيم ويقدره ويطمئن إلى زعامته "فقد نظمهم في خلايا، وعودهم على الاجتماعات، وبالسعي إلى الرفع من شأن مراكش".
ب- يرجع النص تاريخ تأسيس جماعة مراكش الوطنية إلى سنة 1934. وكما أسلفنا فإن هذه السنة تحيل من جهة على سقوط جبل صاغرو في يد المستعمر، وبالسيطرة عليه تنتهي مرحلة المقاومة المسلحة التي خاضها المغرب العميق – مغرب البادية – طيلة 34 سنة ضد المستعمر الفرنسي، ومن جهة ثانية فإن ثلاثينيات القرن العشرين تؤرخ لولادة الحركة الوطنية التي تزعمها شبابا المغرب الجديد – مغرب  المدن – انطلاقا من استراتيجية العمل السياسي. وينبغي أن نعلم أن ليست تمة قطيعة بين اللحظتين؛ لحظة المقاومة المسلحة والعمل السياسي المسالم، "فإن للجديد جذورا متأصلة في القديم، وللماضي استمرارية مؤكدة في الحاضر" 18. ودليل ذلك "أن الضربة التي وجهها محمد بن عبد الكريم الخطابي للجيوش الإسباني والفرنسية أدت ابتداء من سنة 1925 إلى بروز المعارضة السياسية في المدن، وقد تبلورت هذه المعارضة حول "الظهير البربيري" 16 ماي بين سنة 1930 19". كما أن سنة 1934 جاءت عقب سنة 1933 التي أعد خلالها الشباب المثقف برنامج الإصلاحات أو المطالب العامة، وأثناءها أي في سنة 1934 أسسوا أول حزب سياسي مغربي هو "كتلة العمل الوطني" الذي سيقدم في سنة 1935 وثيقة ا لمطالب المستعجلة. يقـول عبد الله إبراهيم: "إن الحركة الوطنية بعد أن ترعرعت من حركة ضد الزوايا، إلى حركة ضد الظهير البربري، إلى حركة تحاول أن تكون منظمة لتقديم المطالب العامة في سنة 1933، ثم المطالب المستعجلة سنة 1935، أخذت تشعر بضــرورة تنظيمـــها" 20.
وعلى كل حال فإن سنة 1934 التي تؤرخ لتكوين مجموعة مراكش تحمل مجموعة من الإيحاءات أغنتها أحداث سابقة ومؤدية إليها، وأخرى أفضت منها إلى سنوات لاحقة.
ج- يقدر النص مجموعة مراكش في سنة 1934 بنفر يتراوح عددهم بين ستة إلى عشرة من طلبة جامعة ابن يوسف. وهم بل منهم في هذه المرحلة، حسب ما انتهى إليه استقصاؤنا، بالإضافة إلى عبد الله إبراهيم، عبد القادر حسن، ومحمد الملاخ، والحسين الورزازي، ومولاي أحمد المنجرة، وابريك الغراس، وعبد المجيد الشراط، ومحمد ابن المختار الشكدالي دون أن ننسى مجموعة من مشايخ علماء ابن يوسف؛ كالعلامة محمد المختار السوسي وشيخ الجماعة محمد بن لحسن الدباغ، والعلامة السيد أحمد بن فضيل، والعلامة السيد الحسين المسفيوي، ونجله العلامة سيدي عبد القادر المسفيوي، والفقيه سيدي محمد بن عبد الرزاق، والعلامة السيد عبد  الجليل بلقزيز 21.
 
1 – عبد الله إبراهيم: جيل انتحر مثقفوه العلم س4، ع 1014، 1949، المقالة بتمامها أيضا في "النص والواقع" للدكتور محمد جاري ، المطبعة الوطنية بمراكش، 2006، ص: 110.
2 – عبد الله إبراهيم: نداء الحرية، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 1995، ص: 37.
3 – يقول عبد الله العروي:"الجماعات نخبة جديدة، بعد استسلام الأرياف، أطلق عليها اسم جماعة الوطنيين، وهؤلاء الوطنيون أنفسهم اعتادوا  على التمييز بين مقاومتهم السياسية والمقاومة العسكرية التي فشلت لعدم التكافؤ"، مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، ط I، 1999، ج3، ص: 153 و ص: 205.
4 – عبد الله إبراهيم: بالذكاء وقوة الكلمة، ص: 13.
5 – انظر البير عياش: المغرب والاستعمار، ترجمة عبد القادر الشاوي وآخرين، منشورات دار الخطابي، طI، 1985، ص: 385 وما بعدها.
6 – عبد الله إبراهيم: نداء الحرية، ص: 22.
7 – يقصد بهم لكلاوي والكندافي والمتوكي.
8 – محمد المختار السوسي: الإلغيات، مطبعة النجاح الدار البيضاء، 1963 ج 1، ص: 20.
9 - محمد المختار السوسي: نفسه، ص: 28-29.
10 – الصديق الغراس: كلية ابن يوسف والحركة الوطنية، في حوليات كلية اللغة العربية بمراكش، العدد الثالث، 1994، ص: 152.
11 – البير عياش: المغرب والاستعمار، ترجمة عبد القادر الشاوي وآخـرون، دار الخطابــــــــي، ط I، 1985، ص: 392، ثم انقسموا ليكونوا حزبين هما: الحزب الوطني الذي أصبح بعد أن منعت كتلة العمل الوطني سنة 1937 وإلى حزب الاستقلال في 1943، والحركة القومية التي أصبحت في 1946 تحمل اسم حزب الشورى والاستقلال.
12 - عبد الله إبراهيم: نداء الحرة، ص: 31.
13 – نفسه، ص: 13.
14 – عبد الله إبراهيم: جيل انتحر مثقفوه. انظر النص والواقع لمحمد جاري، ص: 111-113، انظر أيضا الحركة الصوفية في المغرب: في المغرب الجديد 1936.
15 - عبد الله إبراهيم: الحركة الوطنية والعمل الثقافي، مجلة  الكرمل، العدد 11 ص: 115
16- عبد الله إبراهيم: نفسه، ص: 131، انظر أيضا ص: 122 في معرض حديثه عن البعد الأخلاقي للعمل السياسي.
17 - عبد الله إبراهيم: نداء الحرية، ص: 36.
18 - عبد الله إبراهيم: نفسه، ص: 33، من غريب الصدق أن سنة 1934 التي أرخت لولادة الحركة الوطنية، كانت هي نفسها سنة وفاة اليوطي أول مقيم عام في المغرب.
19 - البير عياش: نفسه، ص: 388.
20 – عبد الله إبراهيم: الكرمل نفسها، ص: 123.
21 – هؤلاء  بعض رموز مرحلة الثلاثينيات، ومن رموز مرحلة الأربعينيات الذي انضافوا إلى السابقين الأوائل  هناك السادة محمد الحبيب الفرقاني، ومحمد بلحاج عمر- المعروف بالمبراص– كان والده محتسبا قبل لغزايل، والصديق الغراس وعبد النبي بلعادل. أما المرحلة الثالثة المبتدئة بأواخر الأربعينيات  فمن شبابها إبراهيم الهلالي ومحمد الحبيب بن موح والبشير بلعباس الطعارجي والحاج محمد الخراز والمهندس الفلاحي محمد جسوس ومحمد بلحاج الشهيدي ومولاي عبد السلام الجبلي ومحمد بن سعيد آيت ادر والفقيه البصري وأحمد بنكيران وأحمد البوعزاوي وبوشعيب المعروف بالبيضاوي ومحمد المهدي خليل الورزازي...الخ. وعلى كل حال فإن عبد الله إبراهيم كان يشرف على توجيه خلايا وطنية متنوعة؛ منها ما اكتسى صبغة ثقافية وثانية حرفية وثالثة نضالية. استقيت هذه الأسماء بتحقيبها من الأستاذ المناضل إبراهيم الهلالي، كما استفدتها من المقالة المتقدمة للأستاذ الصديق  الغراس.





من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية







Facebook
Twitter
Rss
Newsletter
Mobile