almarrakchia


جامع الفناء.. الهوية بين المستشرق كولان، والمؤرخ حميد اتريكي

حرر بتاريخ 28/06/2017
محمد الطوگي / كلية آداب مراكش



بين يدينا مقالتان بالفرنسية حول جامع الفناء. أولاهما للمستشرق الفرنسي كولان المختص في تاريخ المغرب وحضارته وثقافته، والثانية للمؤرخ المغربي الثقة الأستاذ حميد اتريكي.
يرجع تاريخ نشر المقال المُركز لكولان إلى سنة 1930، نشر في الجزء العاشر من المجلة القيمة هيسبيريس، الكراسة رقم 1، ص 122-123.
أما بحث الأستاذ حميد اتريكي فقد نشر ضمن أعمال ندوة
 de l’immatérialité du patrimoine culturel
من لا مادية التراث الثقافي، مطبعة وليلي 2011 ص161-164
وقد اعتبرنا مقال كولان أرضية وفرشا، ثم أتممناه بالمناسب من مقاطع بحث حميد اتريكي، فكأني به يحاوره، ويجيب على بعض أسئلته التي اعتبرت لغزا في الثلاثينات، فاتريكي يقدم النقاش حول موضوع جامع الفناء، ويغنيه بفذلكة علمية مضافة.
ومما سيلاحظ القارئ أن دواعي كتابة المقال الأول ليست هي نفسها مناسبة كتابة المقال الثاني، إلا انهما يشتركان معا أكاديميا في الحفر في التأصيل لهذا المكان- جامع الفناء- بالتساؤل عن كينونة الجامع ودلالته، وعلاقته بالساحة أو علاقتها به، وخلال البحثين يتوارد رتل من النصوص من داخل الثقافة المغربية وخارجها، ليتأرجح البحثان بين الظنية عند كولان والترجيح الميال إلى اليقين عند اتريكي، واتفاقهما على أن الأخبار التاريخية المتعلقة بمثل هذه الأمكنة بحاجة إلى الحفريات الأركيولوجية، فهي التي ترفعها من حيز الظن إلى يفاع اليقيـن.
 
1- ترجمة مقالة كولان:
 لقد اشتق لهذه الساحة الذائعة الصيت أسماء عديدة من قبل أناس ضالعين في التخييل، في حين يظهر أن البحث ينبغي أن ينصب على النظر في الصيغة الحقيقية لهذا المركب الاضافي، "جامع الفناء"... فإطلاق جامع الموت والهلاك عليه اعتباطا من غير دليل ينبغي التخلي عنه للقصاصين الذين يجدون فيه مكانا عجيبا لتخرصاتهم وأحاديثهم. والأولى الانتقال إلى البحث وتقليب النظر في ذلك المركب- جامع الفناء- اعتمادا على قواعد علم اشتقاق اللغة العربية الفصيحة ومعجمها والاكتفاء بتطبيق تلك القواعد على القولين التاليين:
1- جامع الفناء بكسر الفاء، فبهذه الصيغة فعال، تصبح الدلالة بعد كسر فاء المضاف إليه؛ جامع الساحة أو جامع الرحبة. 
2- جامع الفناء بفتح الفاء على زنة فعال تكون دلالة المركب جامع الهلاك والخراب. 
وبانتقالنا إلى العربية المغربية –الدارجة- فإن هذه التسمية، جامع لفنا بتسكين فاء المضاف إليه، تجعلنا أيضا مبلبلين بين الدلالتين السابقتين. ومما يزيد في صعوبة الحسم الدلالي، هو ان دراسة الأمكنة لا تسعفنا في الجزم بالأخذ بهذه الدلالة أو تلك، نظرا لأننا لا نعثر سواء في الساحة أو في محيطها على مسجد يرجح الأخذ بهذه التسمية أو تلك. مما يدفعنا إلى التساؤل عن صدر ذلك المركب"جامع" هل فعلا كان تمة مسجد إلا أنه عفى عليه الزمان ولم يبق له أثر؛ فاحتفظ بالاسم ووقع به التداول وضاع المسمى؟.
فعلى كل حال مما يجعلنا نتقدم في البحث؛ عثورنا على إشارة وردت لدى مؤرخ سوداني عاش في منتصف القرن السابع عشر، دفعتنا إلى الاعتقاد في وجود هذا المسجد. ففي كتاب " تاريخ السودان" أفرد مؤلفه، عبد الرحمن السعدي، الفصل الثامن والعشرين للنكبة التي حلت بالدولة السعدية فعللها عقديا بأنها حاقت بها " عقابا لها على مظالمها بتمبكتو". ومما جاء في ذلك الفصل قوله:" وقد أدركت أن الأمير، السلطان مولاي أحمد، أنشأ بناء الجامع، ووضعه وضعا عجيبا، فسمي بذلك جامع الهناء، ثم شغل عنه بترادف تلك المحن، ولم يكمله حتى توفي، فسمي جامع الفناء. 
فالسلطان المشار إليه في هذه الفقرة هو بدون شك السلطان السعدي الشهير أحمد المنصور الذهبي (1578-1603).
وحسب علمي، يضيف كولان، فإن هذه الدلالة الاشتقاقية الفناء بفتح الفاء التي قدمها السوداني هي الأولى، و هي الوحيدة التي نصادفها عند المؤلفين العرب.
وقد بحثت عما يشفي غليلي في مصنف ابن الموقت السعادة الأبدية، الذي يشتمل على معلومات طيبة حول المآثر الهامة في مراكش، فلم أظفر فيه بشيء يذكر.وعلى كل فإن ساكنة مراكش منذ منتصف القرن السابع عشر أولوا القسم الثاني من ذلك المركب بفتح الفاء، فقالوا "جامع الفناء". ومن الأهمية بمكان اختبار صحة دلالة هذا الاشتقاق بالبحث الميداني الاركيولوجي عن المسجد الذي أشار إليه المؤرخ السوداني".
ب- ترجمة فقرات من بحث حميد اتريكي الذي يتكامل مع نص كولان ويقدمه ويغنيه. تطرق الأستاذ اتريكي في بحثه إلى الناحية التاريخية التسلسلية للمكان، فأرخ للساحة التي درسها سكونيا وتعاقبيا من القرن 12 م إلى القرن 20 . وبخصوص القرن السادس عشر، الذي يعنينا، اورد إلى جانب نص اليوسي الذي وصف حلقة مداح، أورد نصين أحدهما إسباني والثاني برتغالي يرجعان معا إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي.
1- النص الأول للاسباني كرفجال ماغمول carvajal Marmol، الذي عاش في منتصف القرن السادس عشر في مراكش، حيث نسج علاقات جيدة مع البلاط السعدي، يصف مارمول ساحة لم تأخذ بعد اسما بعينه، والتي لا يمكن أن تكون إلا الساحة التي ستحمل فيما بعد اسم جامع الفناء، يقول مارمول:" توجد في هذه الساحة مجموعة من دكاكين الحدادين؛ صانعي الأقفال، والخرازين، والنجارين، وأشخاص آخرين يبيعون أمورا لها تعلق بالمأكل، وخصص جانب من جوانب تلك الساحة للبزازين، باعة الحرير، وأنواع الثوب؛ الكتان والقطن، والصوف رقيق اللحمة والسدى والخشن، وتوجد إلى جانب الأسواق مصلحة خاصة بالجمارك".
يقول الأستاذ اتريكي معلقا على هذا النص: ملامح دلالة شاهد المكان على غائبه لازالت قائمة، بما في ذلك الترسبات التاريخية لمظهر الساحة العالمي الذي رمزت إليـه في القديم الجمارك التي يختلف إليها التجار والدبولماسيون الأوربيون خاصة.
2- النص الثاني للبرتغالي انطونيو دي صالدانها Antonio de saldanha الذي عاش في بلاط السلطان احمد المنصور في نهاية القرن السادس عشر، وهو شاهد أساسي معتبر؛ لأن في كلامه ما يسمح بالحسم في السؤال المتعلق بتسمية ساحة جامع الفناء؛ فهل هي حقيقة الساحة التي تحز فيها رؤوس الثوار أو الخارجين عن النظام؟ وحينئذ فستضاف الساحة إلى الفناء الذي هو ضد البقاء. أو أن العبارة بصيغتها العربية الفصيحة تدل، من باب المجاز، على المسجد الخرب او المهدم، إذ في خرابه وهدمه فناؤه؟ 
هذه الفرضية الأخيرة يتحدث عنها بوضوح الكاتب البرتغالي، وحجيته كامنة في كونه كاتبا خاصا للسلطان من جهة، وشاهد بأم عينيه من جهة ثانية ورش بناء مسجد، قرب روض الزيتون، في جهة من جهات الساحة، لم يقدر له أن يكتمل بناؤه. وفخامة المشروع المجهض كافية لتبرير أو تاويل "جامع الفناء" بالجامع المدمر أو الخرب.
وهذا مقطع من النص البرتغالي وفيه:" هيأ المنصور هناك كمية كبيرة من مواد البناء؛ وهي الجير والآجر للحيطان، وشرع في هذا العمل الجبار. أرضية المسجد عبارة عن مربع طول كل ضلع من أضلاعه خمسمائة قدم، وعرض جدرانه أربعون شبرا، واليد العاملة التي اشتغلت فيه قدرت بثمانمائة من العملة؛ بين معلم ومناول مساعد، جرى العمل فيه من غير انقطاع طيلة عشرين سنة، ولم ترتفع الجدران خلال هذه المدة عن مستوى سطح الأرض إلا بثمانية أشبار. وبدخول مولاي ناصر إلى مراكش توقف العمل، وهدم ما أنجز منه".
وللعلم فإنه عندما قرر أحمد المنصور الذهبي بناء ذلك المسجد، أرسل بعثات من المختصين إلى اسطانبول، والقاهرة، وتونس، ودمشق والأندلس؛ ليقفوا في عين المكان على تصاميم بناء المساجد الفخمة هناك؛ كمسجد الأزهر، والزيتونة حتى يتسنى له تشييد مسجد أجمل وأجل وأكبر.
فمشروع هذا المسجد الذي استوفى جميع الاستعدادات وشرع فيه ولم يقدر له التمام، هو أصل جامع الفناء، ويمكن تعليل توقف الأعمال به أيضا بالوباء الذي ضرب المدينة وتوالى عليها لمدة لا تقل عن تسع سنوات، والذي أتى على مجموعة كبيرة من ساكنة المغرب، وكان من ضحاياه المنصور الذهبي نفسه.
ولعل هذا من بين الأسباب المقنعة أيضا بالأخذ بصيغة الفناء - بفتح الفاء - صرفيا ودلاليا، التي اقترنت وأضيفت إلى المسجد.
وختم الأستاذ حميد اتريكي قائلا: ينبغي استثمار جميع الأبعاد التاريخية، التي تطرق إليها في بحثه وإغنائها، فالبحث ممكن، على الأقل، في الأرشيف الوطني ابتداء من القرن الثامن عشر، ولا ننسى المساهمة الأركيلوجية التي ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، خاصة فيما يتعلق بآثار مسجد المنصور الشهير، وختماما ينبغي الإسراع ببرمجة بحث مباشر ومنظم، مادام هناك فاعلون من مستوى متميز باستطاعتهم تقديم شهاداتهم.
بعد تعريبنـا للمقالتيـن السابقتيـن، وقراءتهما قراءة تمثل وتمعـن عمقت معلوماتنـا حـول الساحـة، انقدحـت لدينـا فكرة مُؤَلِّفَـةً بيـن هـذه الثنائيـة الضديـة؛ هنـاء / فنـاء، ارتأينـا أن نساهـم بهـا فـي هـذا النقاش، واعتمدنـا فـي ذلـك التوفيـق علـى مقولات تداوليـة مـن جهـة، وعلـى قواعـد بلاغيـة مـن جهـة ثانيـة، وكلها عوامـل ضمنـت للساحـة الإشتهـار "بجامـع الفنـاء".
فمـن حيـث التــداول: استحضرنـا المعطيات التاريخيـة المتقدمـة فـي ارتباطها بمقاماتها. وهكـذا فبعـد النصر العظيـم والفتـح المبيـن الـذي تحقق فـي وقعـة الملوك الثلاثـة بوادي المخـازن، قـرر المنصور الذهبـي بنـاء مسجـد جامـع بحاضرة مراكش يليق بمستـوى مجـد وأبهـة دولته، وارتــأى أن يسميـه – جامـع الهنـاء – لكنـه توفـي ولم ترتفـع قواعد ذلك المسجـد إلا بمقدار ثمانيـة أشبـار، ولـم يُقـدر لأحـد مـن أبنائـه أن يتـم مشروع والدهـم العظيـم؛ نظـراً للصراعات والفتــن التـي نشبت بينهم عـلـى الاستيلاء على المُلـك، وأتـت تلك الفتـن علـى الأخضـر واليابس بما فـي ذلك مشـروع الجامـع، ومـمـا زاد الطيـن بلـة، توالـي سنيـن الجوائح والجفاف المصحوبة بالأوبئة والتـي أتـــت على مجموعـة مـن ساكنـة المغـرب.
فهـذه المعطيات التداولية سيكون لها اثرها فـي نقـل "جامـع الهنـاء" المشروع المؤمل الـذي لعله سـرى، لفترة عشريـن سنـة، علـى الألسنـة، فنقل تداوليـا إلـى "جامـع الفنـاء". فكأنـي بمتكلم ظريف قال: .. "هـذا جامـع فنـاء وليس بجامـع هنـاء"، فاستحسنه الذوق الجمعي، فتـداولـه.
فمثـل هـذا النـوع مـن القلب والاستبدال مطرد وجـار علـى الألسنـة. فكلمة "هنـاء" هـي التـي رشحـت استعمال كلمـة "فنـاء" إلـى جانـب الجامـع.
وممـا ساعـد على اشتهـار هـذه الصيغـة "جامـع الفنـاء لا جامـع الهنـاء" اشتمالها على ملامـح جماليـة؛ والمتمثلـة بديعيـاً فـي الطباق بيـن هنـاء/ فنـاء، ومقولة القلب الكامنـة فـي طمأينـة الهنـاء وقلق الهـلاك، ولنـا أن نضيـف الجانـب الإيقاعـي الـذي أحدتثه السجعـة بيـن هنـاء وفنـاء.
وبمرور الزمـان، حـذف جـزء مـن الجملة للعلم به وهـو "جامـع الهنـاء"، وبقـي "جامـع الفنـاء"، ويعتبـر هـذا الحذف الضمنـي مـن الملامـح البلاغيــة الجميلـة.
وما قررناه ليس ببدع، فالتغيـرات الحتميـة المعاصرة التـي اعتـرت الساحـة، جعلت مستعمليها – الحلايقيـة خاصة – يعمـدون إلـى مقولة القلب الآنفـة الذكـر فيقولون بالدارجـة – هـذا جامـع الربـح وليس بجامـع الفنـا – يقصدون الربح المـادي واللامـادي، ومنهـم مـن يجمـع بيـن القلب والإيقـاع عـن طريق الجنـاس فيقولون: " هـذا جامـع الفـن وليس بجامـع الفنـا".
 




من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية







Facebook
Twitter
Rss
Newsletter
Mobile


جدار المراكشية على تويتر
آخر المواد المنشورة
   
معرض الصور
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
image
احتفال بعيد العرش في مراكش