almarrakchia


الطنجية المراكشية لها أحكام فقهية خاصة بها

حرر بتاريخ 04/09/2017
ذ.محمد الطوكي / كلية أداب مراكش

قد يتعجب أو يعجب القارئ الكريم من اهتمام الفقهاء بما يدخل في بطون الناس من مأكول ومشروب، وهذا الأمر ليس بغريب إذا عرفنا أن من بين القواعد الشرعية العامة المحافظة على الصحة النفسية والعضوية، وحمايتهما من كل ما يتسبب في الإضرار بهما. والقاعدة الفقهية تنص على أن الضرر يزال.
وسنضع بين يديك منظومة ترجع إلى العصر المغربي الوسيط، تدور حول الاحتياطات التي كانت تتبع حتى يطعمها صاحبها هنيئا مريئا من غير ضرر ولا تسمم.وسنتبعها بالعواقب الصحية التي يمكن أن تحتف بتناولها في الوقت الراهن، والاحتياطات اللازم مراعاتها.


 الطنجية المراكشية لها أحكام فقهية خاصة بها
 وهذا نص منظومة أبي عبد الله محمد بن سعيد المرغيثي السوسي المراكشي يقول:
 
فصل وقدر اللحم حين تمشي       بها لتطبخ لدى الفرناطشي
فشرطها بإصاح شد محكم         بنحو كاغد وجلد يحــــــزم
أو بغطاء العود أو فخـــار           تلززا حفظا من الغبــــار
والصق العجين بالأطراف           لسد منفذ بدا أو خـــــاف
وأدخلها في الرماد حتــى          يغيب ثلثها وكن ذا ثبتا
ونح عن رمادها ثـــــيابك            فهو منجس إذا أصابك
إذ صاحب الحمام لا يسخنه       في غالب الا بزبل يمكنه
ثم إذا ما طبخت فاجعلــــها        في قفة أو نحوها واغسلها
بصب ماء فوقها حتى يعــم        كل الجوانب وسفلا ولتضم
ورضه بدفع ما في العادة          كشأن أهل الفضل والمجادة
 
ا- فمن هو صاحب المنظومة: إنه العلامة أبو عبد الله محمد بن سعيد المرغيتي السوسي المراكشي، جاء إلى مراكش حيث استكمل دراسته، وقام برحلات علمية داخلية وبعدها سيرجع إلى مراكش حيث سيدرك مجدا علميا، إلى حد أن أهل فاس اتصلوا به وأرادوه إلى بلدهم للحاجة الماسة إلى علومه. كان الرجل على قدر من الورع التام والدين المتين زاهدا فيما يدخل في البطن من التطلعات المادية والمسالك الوصولية، محترما عند الخاصة والعامة. عرف عنه الصيام والقيام، ومجاهدات في بيت ضيق بمدرسة جامع الكتبيين، الذي مكث فيه 15 سنة يعبد الله. استشهر بالتوقيت ومنظومته – المقنع أشهر من نار على علم، توفي رحمه الله سنة 1089هـ/ 1678م. ودفن بباب أغمات.
ب - المنظومة: ترجع هذه المنظومة إلى العصر السعدي. كانت دول الجوار آنذاك واقعة تحت هيمنة الأتراك، ولا مفر من الاحتكاك بهم سياسيا، فتركنا فيهم وحركوا فينا آثارا لغوية وحضارية. والمنظومة شاهدة على ذلك ككلمة الفرناطشي والحمام على النمط التركي. وعلى كل حال فطبيخ الطنجية أصبح في هذه الحقبة ظاهرة، وأثار مجموعة من الإشكالات، ومن ثم كان لابد للفقيه من تقنين نمط استهلاكها حتى يحافظ المسلم على عافيته ويؤدي ما أنيبط به من تكاليف على أحسن وجه.
ومعلوم أن الطنجية ما دامت محتوية على لحما وثوابل ومرقا فلا إشكال في حليتها. والإشكال الوحيد الذي تطرحه المنظومة هو أن الطنجية كانت آنذاك تستوي وتطبخ على الطاقة المتولدة من الأزبال، ومعلوم أن الأزبال نجسة فهي مباءة لملايير المكروبات. ولعل الداعي إلى تسخين الحمامات بصفة عامة والمراكشية خاصة، في العصر السعدي، بالأزبال هو كون الطاقة الخشبية المستعملة في صناعة السكر تحتكرها الدولة، وقد أتت على مجموعة من الغابات منها غابة شيشاوة التي لا تزال إلى اليوم شاهدة على ذلك الاستنزاف.ومن ثم لم يبق للحمامات إلا الأزبال. وإذا فما حكم ما طبخ بالنجس؟ ثم ما حكم الأجرة التي تدفع للعامل في الفرناطشي؟.
والملاحظ أن الشروط والاحتياطات التي نصت عليها المنظومة لازالت متبعة إلى اليوم، من ربط فوهتها بالكاغد، وإدخال تلثها في الرماد فهي بنت الرماد، وحملها في قفة أو نحوها...كل ذلك بالرغم من أن الحطب والعيدان هي الغالبةفي تسخين حمامات اليوم، وهذا من باب دلالة الشاهد على الغائب .
أما بالنسبة لأجرة الطبخ، فيرى الناظم أن تكون مبنية على المكارمة، وليس لعامل الفرناطشي الذي تعهدها أن يفرض قدرا معينا من المال، فما أعطيه فعليه أن يقبل به بصدر رحب مادام يسخن المياه بالأزبال. إما إذا اعتمد على العيدان وطاقات أخرى نظيفة فله أن يفرض ثمنا مناسبا لا ضرر فيه ولا ضرار.
وعلى العموم فإن المكارمة التي قعدها الفقهاء هي المتبعة لغاية اليوم.
كل ما قدمناه ضارب في القدم، ومنبئ على اهتمام فقهاء العصر الوسيط بحماية صحة المواطن.
فما هو الإشكال الصحي الذي تطرحه طنجية اليوم، وما هي الإحتياطات اللازم اتخاذها؟
1- نعلم اليوم ان بعض الفخارين يشوون مختلف الأواني الطينية بما في ذلك أنواع الطنجية على نار المترهل والمتردي من مختلف انواع العجلات المطاطية. وهو شيء له انعكاساته على البيئة وعلى مستعملي تلك الأواني.
2- إن الطنجية تطلى من الداخل والخارج بمادة مشبعة بالرصاص، وأثناء الطبخ يسري ذوب ذلك السم إلى المرق، وتزداد نسبة التسمم وتشتد إذا أضيف إليها حامضية الليم المعتق "المصير".وهذه المادة الرصاصية كما أثبتت التحاليل تترسب في أسفل البطن محدثة آلاما ممضة.
لسنا ضد مطلق طنجية، بل الطنجية التي تتلف صحة المواطن، والقاعدة الفقهية كما قدمنا تقول: "إن الضرر يزال".
فإذا سلمت الطنجية من تلك الآفات، بأن صنعت من طين طيب، وشويت بوقود طبيعي نظيف، وطليت بمادة برهنت التحاليل المختبرية أن لا تأثير لها على الصحة، فللمستهلك أن يتذوقها متمطقا، وان يتلذذ بأكلها بمزيد من الصحة والعافية.
إن العولمة، إخواننا المقاولين في الفخار والمتعاطين لصناعته، تيار سياسي واقتصادي وحضاري جارف، فإذا لم تتفطنوا لشراسته، وتتنافسوا انطلاقا من معايير الجودة فستضيعون على الحضارة المغربية طبيخ الطنجية الأصيل الذي عاش زهاء أربعة قرون وستتحملون وزره، وستفسحون المجال لأكلات العولمة الخفيفة على علاتها من مثل الماكدونالد و...إلخ.
    تلك أحكام فقهية تدل على اهتمام العلماء قديما بحماية صحة المستهلك حتى يتسنى له أداء ما كلف به دنيويا وأخرويا على أحسن وجه.
  





من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية







Facebook
Twitter
Rss
Newsletter
Mobile